ثقافة المقال

عندما يحضر النقاد ويغيب النقد

أسعد العزوني

خير ما يوصف به حال النقد عندنا في العالم العربي هذه الأيام ، هو أن النقاد يحضرون المعمعة ،لكن حضرة صاحب الجلالة وهو النقد يغيب عنها ،وهنا تكمن الكارثة ،إذ ما فائدة ما يجري عندما يغيب الهدف المنشود؟ولهذا قيل منذ زمن أن أحدا لم ينصب تمثالا لناقد ،لأننا حقا نفتقد النقاد الحقيقيين المهنيين المحترفين ،من ذوي النزاهة الأدبية الذين يتمتعون بالشفافية الأخلاقية ،وتكون معاولهم مكرسة للبناء وليس للهدم،كما هو حال من يحلو لهم زورا وبهتانا أن يطلقوا على أنفسهم لقب نقاد ،وهم من هذا الإبداع بريئون كبراءة الذئب من دم سيدنا يوسف عليه السلام.
هذه الحالة التي وصلنا إليها – والتي تمس جانبا مهما جدا من حياتنا ،وهو الإبداع والجزالة والبلاغة التي كنا مشهورين بها في عصر الجاهلية ،وقبل مجيء الإسلام مدججا بالقرآن الكريم ذلك القول الإلهي البليغ، الذي تحدى به الله سبحانه وتعالى العرب البلغاء أن يأتوا بمثله أو حتى بمستوى أقل بكثير ،لكنهم لم يفعلوا ذلك رغم حصافتهم وبلاغتهم وجزالة الفاظهم- لم تأت من فراغ ،ولم تسقط علينا كسفا من السماء ،بل لها جذورها وأسبابها ومسبباتها ،وإن لم نعالجها ونأت بخير منها ،فسوف ينحدر واقعنا إلى ما هو أسفل من الدرك الأسفل من النار ،ونكون بذلك قد قضينا على أحد أهم سبل الرشاد والرقي وهو البلاغة وجزالة اللفظ.
لا توجد عملية نقد عندنا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ،فهذه العملية كاملة متكاملة ولها أركانها التي يتوجب على من يمتطي صهوة النقد ان يتسلح بها ،وأولها النزاهة الأدبية والشفافية الأخلاقية ،بمعنى أن عليه أن يتعامل من النص لا مع صاحبه ،وأن يتصالح أو يتخاصم مع النص أيضا دون المساس بصاحب النص ،الذي ربما يختلف معنا منهجا ومسلكا ،وهذا حق له ،لأن الله سبحانه وتعالى أباح الإختلاف بين البشر ،ولم يوحدهم على لون أو لغة أو مسلك أو شعور واحد ،وقال في محكم كتابه العزيز “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ..إن أكرمكم عند الله اتقاكم.”،ولذلك علينا ان نتعظ من خالق الكون وصاحبه في منهجنا النقدي ،ونحكم العقل والضمير ،لا الغرائز والأهواء.
يقودنا هذا الكلام إلى معاينة واقعنا الأدبي للوقوف على نقاط الخلل ووضع بعض الحلول علّ وعسى أن ينهض أحد ما ،أو مجموعة ما للعمل الجاد المخلص ويثري الساحة الأدبية بنقد صحيح قائم على النزاهة والشفافية ،وبعيدا عن الأهواء الشخصية والمصالح الشخصية التي تعد سمّا زعافا،تقتل النقد والأدب والإبداع ،وتطيح بكل ما هو جميل في حياتنا،ونجد أنفسنا أميين او أشباه أميين رغم كل ما يتوفر لنا ،من سبل وإمكانيات الإبداع التي لم تكن متوفرة لمن كانوا قبلنا ،ومع ذلك أبدعوا بنزاهتهم وشفافيتهم،ونحن أولى من غيرنا أن نبرّز في إنتاجنا الأدبي المحروس والمسيّج بالنقد المنهجي القائم على النزاهة والشفافية.
علينا الإبتعاد عن الشللية الأدبية لأن ذلك يشكل خطرا محدقا على الإبداع والنقد والإنتاج الدبي بشكل عام ،وهنا لا أطالب بالإنغلاق على الذات والإبتعاد عن الآخر ،فالمدارس والمذاهب الأدبية بكافة أنواعها مباحة ،وهذا مطلب ملح ،إنطلاقا من الإختلاف الذي يعد رحمة وتسهيلا ،شرط ألا ننغمس بالنرجسية ونتوه في دروب الأنا الضيقة الخانقة.
كما أن المافيات الأدبية تعد هي الأخرى من الأدوات القاتلة للإبداع ، ومن ضمنه النقد بطبيعة الحال ،لأن التمحور حول هذه الظاهرة القاتلة والتكلّس فيها ،يقزّم الإبداع ويقتل الإختلاف ،ولن يسمح بولادة أي ظاهرة مختلفة عما هو سائد في إطار البطرياركية والأبوات،وهنا سيقع المحظور حتما ،وتكون عملية التناسخ هي التي تطغى على الساحة الأدبية وتحكمنا ،وتطيح بآمال وطموحات الشباب والأدباء الذين يعشقون الإختلاف ويتأقلمون معه ،ويبدعون من خلاله.
هناك قضية اخرى يجب مناقشتها بتوسع وتركيز، وهي واقع الصفحات الثقافية في وسائل الإعلام العربية المكتوبة على الأقل،إذ نجد أن حال هذه الصفحات لا يرضي عدوا ولا يسر صديقا،لعدة أسباب منها ان القائمين عليها تنقصهم الكثير من أسباب النزاهة والشفافية ،إنطلاقا من واقع الإعلام العربي المخزي ،وخضوعهم للتوجيهات في التعامل مع هذا الأديب أو ذاك،وتراهم يجزلون في مدح من لا يستأهلون المديح ،ويتجاهلون أو يغمطون من حق المبدعين الذين يستحقون المديح وتسليط الأضواء عليهم وإبراز إنتاجهم.
من القضايا الخطيرة التي يتوجب التعرض لها في هذا المجال ،هي دور وزارات الثقفة العربية ودعمها لإنتاج البعض الذي ربما لا يرقى لمستوى السطر الأخير في الصفة لرداءة مستواه وخلوه من المعنى والجزالة ،ليتضح أن عملية الدعم لم تتم إلا لأسباب شخصية أو تهربا من مسؤولية النص الثقيل ،الذي نحتاجه هذه الأيام ،التي تدعونا إلى الإبتعاد عن مقولة الفن من أجل الفن او الأدب من اجل الأدب،فنحن أحوج ما يكون للكلمة المقاتلة أو الكلمة الرصاصة أو النص المتفجر.
آخر ما أود التطرق إليه هو واقع ودور دور النشر العربية، التي لا تولي إهتماما إلا ما ندر بالنص الذي تطبعه بعد عملية نشره وخروجه من المطبعة ،فهي لا تنظم ورشات العمل لقراءته وإشهاره والطلب من نقاد إتسموا بالنزاهة والشفافية دراسته ونقده وإرشاد كاتبه إلى مواطن الخلل ،إذ لا يوجد نص كامل بعد القرآن الكريم ،ولا يوجد أحد كامل سوى الله جل في علاه.
لا أدعي أنني تمكنت من إصطياد الدب وجره من ذيله ،بل أرى أنني رميت حجرا في البركة الراكدة ،وكلي أمل ان يفتح هذا المقال النقاش الموسه لهذه الظاهرة ،إغناءا للحالة ،وتلافيا للتدهور الحاصل عندنا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق