ثقافة السرد

ما وقع لي في مطعم العصر

الطيب طهوري*

حدث هذا منذ أكثر من خمسين نهاراً رمادياً وأكثر من ستين ليلة حالكة السواد.. استقبلت أنا الشعبي بلعربي رفقة التراس كمال غرور في محطة الحافلات الأديب القاص علاوة وهبي، والأديبة الروائية فضيلة الفاروق.. ولأن الساعة كانت تشير إلى الثانية عشر تقريباً، كان لا بد أن نأخذهما إلى مطعم ما.. اختار علاوة المطعم.. كان مطعم العصر..

قال ضاحكاً: لا بد أن ندخل العصر.. ضحكنا معه ودخلنا.. وكان أولنا.. إلى الطابق السفلي نزلنا.. وجدنا أنفسنا في الهواء العاري.. بعض طاولات الأكل موضوعة على العشب.. وبعضها الآخر على الأرضية المبلطة.. اختار علاوة واحدة من طاولات العشب وجلسنا.. فتحت “جريدة النصر” التي كانت معي.. على الصفحة أمامي راقني منظر عرجون دقلة النور.. أثارت شهيتي حبة من حباته.. وضعت يدي عليها فإذا هي بين إصبعي حبة حقيقية.. اندهشت.. وضعت يدي على العرجون كله.. ووزعت حباته علينا نحن الأربعة.. اندهش الجميع لكنهم أكلوا..

ما ألذ هذه الدقلة قال علاوة..

لم أتذوق مثل هذه الحلاوة في كل حياتي قالت فضيلة مبتسمة.. راقت لي ابتسامتها كثيرا.. كنت آكل بشهية وانظر إليها بإعجاب مفرط..

في العشاء كنا في نفس المطعم.. فتح علاوة كتاب الطبخ الذي اقتناه عشية ذلك اليوم.. وضع يده على الصورة.. بقيت الصورة صورة.. مد الكتاب إلي.. وضعت يدي على الصورة نفسها.. لا شيء تغير.. وضعتها على الصورة التي على الصفحة المقابلة كان الأكل.. تنفس علاوة الصعداء.. وضعتُ اطباق الطعام على الطاولة.. سلمت لكل واحد منا نحن الأربعة ملعقته.. مدت فضيلة منشرحة الأسارير ملعقتها وأكلت.. كانت تجلس على المقعد المقابل لي.. أكلتُ أيضاً.. وضع علاوة الملعقة في فمه فإذا هي فارغة.. مثل ذلك حدث لملعقة كمال..

بصحتكما، قال علاوة حزينا..

بصحتك فضيلة، قال كمال..

في غداء اليوم الموالي جلس قبالتي علاوة.. أكل وأكلت ولم تأكل فضيلة.. لم يأكل كمال.. في العشاء كان كمال الآكل..

***

قبل أسبوعين هاتفني علاوة.. مائدة أكل باذخ تنتظرنا.. صاحب المجلة قَبِلَ انتظار قدومك ثلاث ساعات فقط.. إن لم تحضر باعها.. لن أخيب أملك فيما راق لك من الأكل يا علاوة.. قبل الثلاث ساعات كنت عنده.. جلسنا إلى الطاولة.. مقعده مقابل مقعدي.. فتحت المجلة.. وضعت يدي.. لا شيء.. دفع علاوة ثمن الأكل متذمرا من جيبه وخرجنا..

في المدينة حيث أقيم أكلت ما اشتهاه علاوة من نفس المجلة..

***

حين يقترب أوان الغداء أو العشاء أدخل المطعم.. أختار صورة لطعام شهي في صفحة ما وآكل.. يأكل معي الذي يجلس مقابلا لي.. أكلات لم أتذوقها من قبل آكل.. أسماكا غالية الأسعار آكل.. دواجن لا أعرفها آكل.. أضع يدي اليسرى على صور زجاجات المشروبات الروحية وأشرب.. يأكل ويشرب الذي يجلس قبالتي.. وقد لا يشرب.. صاحب المطعم الملتحي الذي كان لا يقدم لزبائنه أيام إشرافه على تسيير المطعم إلا الأطعمة التقليدية ذات السعرات الحرارية المرتفعة ولا يطبخ الأسماك بدعوى أن الرسول لم يكن يحبها، يرفض الخمر في مطعمه.. لا يطيق رائحته.. أكثر من مرة صاح في وجهي: لا أريد خمراً في مطعمي..حمل الزجاجة في المرة الأولى غاضباً.. لكنه ما إن مشى خطوتين حتى كانت يده فارغة منها.. نظر خلفه.. كانت الزجاجة تقف متبخترة على الطاولة.. كرر المحاولة وفشل.. كرر ثالثة لكن الزجاجة كانت على الطاولة تقف ضاحكة منه مستهزئة به.. بدا لي وأنا انظر إليه في محاولته الثالثة يائساً تعيساً..

في اليوم التالي حمل الزجاجة أيضاً.. رمى الحائط بها.. لكنها في فمه كانت.. حاول إبعادها دون جدوى.. أغلق فمه دون جدوى أيضاً.. مضطراً شرب أخيراً.. واستغفر الله كثيراً كثيراً.. شريكه غير الملتحي يضيف أطباقاً عصرية وبعض أطباق الأسماك إلى تلك التقليدية ويشرب الخمر ضاحكاً معي حين يأتي دوره الإشرافي على التسيير..

***

عرف الآكلون في المطعم قصتي.. صاروا يتسابقون للجلوس على الكرسي المقابل للكرسي الذي أجلس عليه.. بعضهم حاول الجلوس على مقعدي، لكن المقعد ابتعد عن مكانه فسقط المحاول..حاول آخر.. أمسك الكرسي بيديه الاثنتين.. بشدة أمسكه..لكنه سقط أيضاً.. شج رأسه وتألم كثيراً..

من أجل الكرسي المقابل لي حدثت معركة حامية الوطيس.. تكسرت من جرّائها كراسٍ كثيرة.. حملني نادل المطعم بيديه.. رماني خارج المطعم ثم دخل وأغلق الباب خلفه.. لكنه رآني على الكرسي نفسه أجلس سعيداً مبتسماً.. فعل معي نفس الشيء مرة أخرى.. أغلق الباب هذه المرة بالمفتاح.. وفوجئ أكثر حين رآني على الكرسي وأطباق الأكل الشهي أمامي..

ماذا أفعل؟ سأل نفسه.. وأجاب بعد لحظات.. جلس على الكرسي المقابل لكرسيي.. فتحت الصفحة كانت صورة الأكل أكثر جمالاً وإغراء.. مددت يدي.. كان الأكل شديد السخونة.. وضعت مجموعة مناديل ورقية على يدي ووضعت أطباق الطعام على الطاولة بيننا.. أعطيته ملعقة وسكينا وشوكة، وأعطيت نفسي مثلها.. ملأ الملعقة وقربها من فمه.. كانت الملعقة فارغة.. ما حملتْه كان في نفس مكانه في الإناء.. حمل بيده بعض حبات الملوك.. وضعها في فمه، لكنها في مكانها الذي أُخذت منه كانت.. طأطا رأسه وتسلل مشوشاً خجلاً..

اكترى أحد زبائن المطعم الكرسي المقابل لكرسيي.. وحدث له نفس ما حدث لنادل المطعم.. واختفى التنافس بعد أن أدرك الجميع أن الأكل معي لا يكون إلا مرة واحدةً.. خطرت ببالي الفكرة.. آتي معي عشاء بمتسول وآخر في الغداء.. بعد يومين وجدت عشرات المتسولين يقفون أمام باب المطعم في انتظاري.. دخلت غداء ودخلوا متدافعين.. جلس الأول وسقط.. الثاني سقط أيضاً.. الثالث أكل معي.. حدث الأمر نفسه في العشاء.. أكل الخامس.. عرف المتسولون السر.. لم يعد أحد منهم ينتظرني..

جيراني حدث لهم نفس الشيء…و..

أخيراً صرت وحدي.. نادراً ما يأكل شخص معي.. يحسده الجميع وهو يأكل.. تنشد العيون إليه وإلي.. أتعمد اختيار أفضل وأغلى وأشهى الأكلات صرت..

***

صار شعري أكثر لمعاناً وبشرتي أكثر رقة وحيوية وتيها، ومشيتي أكثر حجلاً.. الجميلات اللواتي كن لا يطقن النظر إلي صرن يحدقن فيَ كثيراً كثيراً.. تجرأت الكثيرات منهن فاقتربن مني وغمزنني.. إحداهن شدت على يمناي بقوة.. “أنا هيفاء.. أحبك بجنون أيها الفتى الأسمر”.. وبلهفة حارقة خارقة أضافت: “وأشتهيك”.. لكنني سحبت يدي بعنف.. وفي اتجاه “مطعم العصر” مشيت.. كلي في الأكل كان…. أتصفح كتب الطبخ ومجلاته وأشتري ما أجد صور أكله ألذ وأغلى.. أكل الصورة لا يتكرر.. كل أسبوع أشتري كتاباً، تقريباً، وأرميه حين أنتهي من أكله.. روائح الخمر لا تفارق فمي.. كل خمور العالم شربتها.. وكل فاكهته ولحومه وأجبانه أكلت منها..

***

غافلتني زوجتي.. أخذت كتاب الطبخ الذي اشتريته صباح اليوم وأشعلت النار فيه.. وبصعوبة شديدة خطفت الكتاب منها واطفأت ناره..

وغاضباً كنت أسرع الخطى في اتجاه مطعمي الأثير.. وضعت يدي على الصورة شبه المحترقة.. عادت يدي فارغة.. على زجاجة روحي.. فارغة عادت.. اخترت صورة سليمة.. لا أكل لي.. ثالثة.. رابعة.. سابعة..لا أكل لي..

كنت جائعا جداً.. لا أكل لي..

مزقت الكتاب اللعين ..لا أكل لي..

ضربتْ يدي بقوة سطح الطاولة الشاردَ..لا أكل لي..

نظرت حولي.. كانت العيون تتهامس غامزة مشدودة إلي.. لا أكل لي..

هات ثمن جلوسك طوال الشهرين في مطعمي، وثمن إصلاح الكراسي التي تكسرت

بسببك، قال الملتحي وغير الملتحي معاً.. أعطيتهما كل ما في جيبي..

لا يكفي، صاحا ..أعطيتهما ساعة يدي..

زد، قالا مستهزئين بي….سلمتهما هاتفي المحمول ..

انزع معطفك.. قميصك ..الحذاء أيضاً..

دفعني نادل المطعم بكلتا يديه.. رماني في الشارع.. أغلق الباب خلفه..

مكاني فارغ كان.. أوووووووووووه ،تنفسا بعمق.. عانقت أصابعُ يد كل واحد منهما اليمنى أصابعَ يده اليسرى.. قفزا عالياً.. وأخيرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا….. قالا سعيدين.. وتعانقا.

***

وحيداً، حافياً سرت..

في اتجاه الشرق سرت.. كانت السيوف مسلولة والحجارة ترجمني..

في اتجاه الشمال.. كان الإسمنت المسلح ثعابين تزحف نحوي..

في اتجاه الغرب.. كان الثلج المتراكم صقيعاً يسد طريقي..

ملت حيث الجنوب..حاصرت جسدي الريح سافية، والنفط هيأ لي غربانه الناعقة..

كورْتُني وجلست.. كان الناس حولي يتضاحكون.. وكنت أبكي..بعيداً بعيداً..

وكان الثلج كثيفاً يتساقط على جسدي.

*كاتب جزائري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق