ثقافة السرد

عندما تبكي المرايا

محمد السقاف*

أجلس إلى طاولة شبه مستديرة ذات قامة متوسطة مزروعة في إحدى حجرات مقهى تعيس، أمامي مقعد فارغ وأكوب فارغة ورؤوس مستديرة تبدو للناظر من بعيد كأنها من وطأة الزمن وأثقال الحياة أيضا فارغة.

في هذا المقهى يأتون لك بلحظات فارغة ويقدمون إلى جانبها مشروبات تتسلى بدرجة حرارتها في الغالب نرجسية الشمس والأطوار العجيبة للفصول.

عند إشرافك على مدخل هذه الحجرة تجد في بعض الأحيان سقفاً وجداراً وبينهما تلال وبحار ووجوه ومدن وعنب لا يشتهيه أحد ولا يفكر فيه أحد، وتحته بالتمام يعبر بشكل دائم حزام فاخر من الزخارف والنقوش، يزحف على محيط الجدران صعوداً ونزولاً ومن جنب إلى جنب وينساق في غاية الرقة متحاشياً اجتياز براويز اللوحات الفنية المبعثرة على الحائط، ويمر أيضا بمحاذاة شابة في أولى عذابات العمر تقرفص في هيئة غير مستوية موجهة ركبتيها صوب اللوحة المجاورة تماماً للتي تقطنها والتي زرع الزارعون فيها عنباً أسود وحشائش ضارة وسماءً –للأسف وللأسف جداً- مكفهّرة.

الفتاة هذه رغم أنها من بنات الخيال إلا أنها ليست حلوة للأمانة ولا تشبه “الموناليزا” من كل الجهات لا من قريب ولا من بعيد، فضلا أن الموناليزا عيناها قريرتان وابتسامتها غامضة وسرمدية، أما هذه الفتاة الأسيرة بين الأخشاب فإن الشحوب فاقع في عينيها الذابلتين ربما – وهذا مجرد تخمين – من أرق أصابها ليلة البارحة وربما أيضاً من التوتر النفسي جراء انتظار زبونة حسناء تقعد كل يوم قبالتي إلى هذه المنضدة بالذات والتي حتى الآن لم تصل بعد.

يا الله! زبونةٌ يسطع من بلورتي عينيها سحر عجيب، يتسرب بمنتهى السكينة إلى أوعية القلب مباشرة. تأخرت هذه الزبونة كثيراً على غرار العادة هذا اليوم ولا تدري ما السبب؟!، وتتمنى في صمتها أن تذبح ذاك الصمت في حضرتها حتى تلعن هذا الإهمال في المواعيد وكي تحضها على التخلي عن هوايتها المحببة في التأخر كل يوم، تتمنى فقط لو تتحلى ببعض الشجاعة لتحكي لها كيف أن اللحظات هاهنا في غيابها لا تطاق.

كلما ينط بصري إلى الفتاة المعلقة في الجدار أحزن لأجلها، أتأسف على حالها من الأعماق، أشعر أنها على غلوها في الصمت ترصد حركاتي وتتابعني بدأب طيلة الساعات المديدة التي أنزفها هنا، أشعر أيضاً أنها تنطوي على أمر لم أفهمه كما ينبغي طيلة اعتكافي في هذا المقهى وبأن ذلك الترصد البصري ليس إلا محاولة جريئة للإيقاع بي في شباكها حتى تنفرد بي شخصياً وتلقنني إياه على انفراد.

الحق أن الفتاة هذه -لأنها عادية الجمال- لا يغازلها أحد، ولا يكترث لها – مهما نمقت ضفيرتها ومهما ترنحت في جلستها – أحد. كانت كل يوم توزع النظرات بيني وبين الحسناء التي تأخرت كثيراً اليوم على غير العادة، وكنا ثلاثتنا أنا وفتاتي المتأخرة والفتاة المتجهمة نتبادل كثيراً من الصمت وكثيراً من النظرات الحائرات , وكانت تعرف عني كثيراً من الأسرار وتدري أيضاً أني خير من يتحدث لغات الزهور وكثيراً من الأشياء الصامتة.

ولأني لا أطيق النظر إلى المرايا كنت بادئ الأمر ألقاها متجهماً مذعوراً خشية أن تتقاطع عينانا فتزيدني هماً وكدراً، كنت -بجهد جهيد- أتجاهل نشيج عينيها المرهقتين وكانت تعاني إعاقة في الاحتفاظ بنظراتي وبسبب غياب ثالثنا فإن المناخ تهيأ لها اليوم كي تفعل بي ما تريد، كما أنه لنفس السبب يوجد فيه فضاء شاسع للمناجاة والتنهد، كما أن هذه أيضاً كانت فرصتها الذهبية التي لن تتكرر كي تنفرد بي وتفض أخيراً السر المبهم المنطوي تحت ذاك الصمت الهائل والعينين الحزينتين.

***

بدأت السحب تلعب وترتع وتسري في سماء اللوحة بشكل مفاجئ، وأسفل تلك السماء القاحلة كان الدمع يهطل من عيني الفتاة ويصب إلى أرضية اللوحة الورقية دون أن يبللها، أمعنت بحدة في ذلك المشهد الغريب وفجأة استدار رأس الفتاة صوبي بطريقة سريعة ومباغتة فخفق قلبي بقوة وارتعدت مفاصلي،وحين لاحظت الفتاة ذلك ابتسمت لي معتذرة ثم حيتني على أسلوبها وبدأت بالكلام.

بداية صارحتني بأنها كانت تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر وبأنه بداخلها كان يتضخم إيمان سميك بأن هذا اليوم بالذات سيأتي طال الزمان أو قصر وبأنها ولو كانت أزهقت عمرها كاملا مثلاً فإنها على الأقل في هذا المقهى ستحصل على فرصتها اليتيمة التي تتيح لها مكالمتي ومخاطبتي بما تريد.

قالت إنها تعرفني وتعرف ظواهر عالمي كل المعرفة وبأنها تحفظ خارطتي عن ظهر غيب، قالت إنها تعرفني شبراً شبراً وتعرف عني أموراً لا يعرفها عني أحد من البشر وبأنه لا يعرفها حتى أنا شخصياً، هزتني نبرتها الواثقة قليلا فانبرت لي سريعا مع البرهان وسردت لي معلومات عن هويتي، هواياتي، غواياتي، مؤهلاتي، بطولاتي وخيباتي وكاشفتني بأسرار قديمة محزنة مدفونة في قاع ذاتي، لخصت لي حياتي وأدارتها أمام عيني مثل شريط سينمائي في غاية الإتقان.

تحدثت عن تاريخ نشأتي على سطح الأرض وبدأت تحصر لي أسباب تكتل الحزن في قشرتي القلبية وتراكماته الزمنية عبر العصور، ابهرتني بسردها المتوالي لسلسلة الأحداث التاريخية التي تكدست فوق بعضها وشكلت تضاريسي على هذا السياق الرث والأليم والذي كان عرضة دائماً للتدمير عقب اجتياح أي جسم من كوكب غريب مهما كان ذلك الجسم جميلاً ورقيقاً ويتحدث بلكنة ناعمة ويمشي بدلال فتّاك.

أطلقت عليها حظراً عن التجوال في أزقتي وشوارعي فانصاعت لأمري وبدأت تعرفني بسيرتها، وهكذا تنهدت ثم بدأت بالتذمر والشكوى من كل الأشياء التي في مدارها، اشتكت أولاً من وحدتها المديدة في هذا المكان خصوصاً في الوقت الذي تستريح الكراسي والطاولات والتحف من وطأة يومها الثقيل وفي الوقت الذي تبدأ تسليتها الرذيلة في التهكم والتفكه على سذاجة زبائن اليوم شأنها شأن كل ليلة، قالت إن صاحب المقهى اللئيم “عدنان” في كل يوم يستغل فرصة شرود أذهانهم بالسطو على أموالهم.

الدجال يوزع عليهم الشراب والابتسامات مع الأساطير دون أن يفكر أحدهم بتفتيت خرافاته المتناقضة مثلاً أو على الأقل -ولو باللباقة- التذمر من فلكية أسعاره، أو حتى الإمعان في ما وراء القشور السميكة التي تدثر تلك الابتسامة البريئة والتي يبرع فيها جداً هذا الشيطان.

كنت سأقاطعها مبشراً إياها أنني مثلها في هذه حرفاً بحرف وأني لا أطيق هذه العزلة المقيتة فضلاً أني لا أحتقر على وجه الحياة ماهو أشد من النفاق والغشاشين، بيد أنها لم تترك لي فرصة لإفصاح ذلك، استرسلت بقولها أن التحف القديمة تعتليها غلواء وعظمة وتاريخ غابر لا أثر له، تتصرف دوماً كما لو أنها الأعقل على الإطلاق والأكثر مثالية على الإطلاق، تتكلم بقداسة عن الزمن الماضي وتترنم بفضائله كما لو أن الجنة المفقودة متروكة هناك. إحدى هذه الأطلال تتحسر قائلة :

“يا الله من أين يأتي شباب هذا الجيل المغفل بكل هذا الاستهتار والمجنون ومن أين لهم كل هذا الجموح على تبديد الحرية النفيسة بين أركان هذه الجدران التافهة؟، وعلاوة على هذا وذاك يدسون أموالهم وأوقاتهم في جيب الوغد بلا ضابط أو رقيب، ولاحقاً يغادرون بوابة المقهى السوداء بقلوب مثقلة وأسنان تبدو من بعيد ضاحكة أيضاً، ثم يعاودون زيارة هاهنا دون رسميات أو تعقيد في اليوم التالي والذي يليه والذي يلي الذي يليه بشتات ذهني ونقاشات جوفاء”.

ضحكت قليلاً ثم إنها سرعان ما بكت، قالت إن قلبها انفطر، وإن أزمة ثقة بالآخرين تفاقمت لديها، “وكثيراً ما يحدث هذا”، قالت إن السبب مرده إلى ذلك الريفي الضخم ذي الرائحة الكريهة الذي يعمل فلاحاً في الحجرة المجاورة ضمن اللوحة التي يقهقه تحتها كل يوم شبان بذيؤون، تقول إنها ملكت هذا الريفي قلبها من أطرافه إلى أطرافه لكن -هذا الحقير- بلا ضمير غدر به وحطمه بلا رحمة كأنما يضرب ضلع شجرة بائسة بمعوله الذي كان يعتلي كتفه العريض.

تقول إن الريفي ذاك حين قدم بعدها بشهر تقريباً بصحبة رفيق لعدنان كانت ملامحه طيبة ووديعة وكانت دائماً تتسلى حمرة خجله الفطري وضحكته المجلجلة وأغانيه القروية المضحكة، في حين أنها لبساطة روحه وطيب منبعه لم يحدث أن تذمرت من رائحة عرقه مثلاً، أو أشعرته بجهله الطافح وتردي مستواه الثقافي منها، بل وتفوقها عليه في كل شيء وفي قلوب زوار هذا المكان خصوصاً.

تقول إنهما كانا معاً يتواعدان خلسة عن آذان الجدران لأجل الهروب ليلاً من شرفة المقهى الوسطى المفضية إلى الشارع الخلفي المقفر الذي يختبئ فيه الظلام الأعمى والقطط الضالة، تقول إنهما كانا عازمين على أن يرميا مصيريهما في الهواء وبالتالي ركوب الريح إلى القرية الخضراء التي كان يحدثهم عنها الريفي الجاهل، والتواري عن الديدان من الزبائن الذين لا ينفح فيهم الجمال الحقيقي ولا يقدرونه، وأخيراً التماهي الكلي بين محاصيلها الكثيفة حتى الفناء.

تقول إنها – على ما بذلت من جهد – تنحت عن رغبتها في الفرار لسبب أن الريفي الناقص حين توطدت رابطته مع أولئك الزبائن القذرين الذين يتشاتمون تحته، توعكت أخلاقه وتشعثت مروءته وبدأ يتسلل كاللص بين الحين والآخر إلى قتامة هذه الحجرة المظلمة بالذات- متجاهلا كل الصيحات العنيفة مما حوله وضارباً عرض الحائط قائمة المحظورات والموانع – كي يسرق العنب من اللوحة الجارة ثم ينط إلى لوحتها مثل وحش كاسر، يجذبها قهرياً من ياقتها ويضمها إلى صدره النتن فتدفعه باكية ثم يفترشها منكسرة على ورقة الأرضية الخشنة، وهكذا ينتزعها من فستانها الشتوي بأظافره الحادة -رغما عنها لاقتراف مالا ترضى، وهكذا أنفاس مكتومة، نزيف ووجع وبيل، لحظات عصيبة، استغاثة تدوي في الفراغ والفراغ المجاورر، لا أحد في الأرض أو في السماء يجيب، يلي ذلك يأس وصراخ مخنوق وأنين وبكاء لا يتوقف جعلها تتردد في المجازفة برمتها وتعدل عن الرحيل مع ريفي حقير سلس الشخصية لن تشعر معه بالأمان على أية حال.

تقول صديقتي إنه قد أنهكها الوقوف المقيت في مهنة الكد والحراسة، وأن جوانحها الكفيفة قد هاجت شوقاً لأن تظفر بقدم بشرية حقيقية، فلطالما حلمت بقدم تعينها على سلاسة التنقل داخل هذا المعتقل الذي تخشى أكثر ما تخشاه أن تتساقط خصلات عمرها الغالي فيه، وعن قرارها الحازم في التحليق بعيدًا عن هذه الأرض السحيقة التي تفتت بقدميها كل السلالات العملاقة والكثير الكثير من العظام والنفيس.

نظرت إلي باكية – باكية جداً هذه المرة قالت :

“بربك أيها الكاتب المجنون أليست من الحماقة بمكان أن تهان كرامتك في معتقل شامت كهذا – في حين أنه بوسعك أن تهجره إلى دنيا أخرى عامرة بالأفراح؟

وأضافت:

الطيور أغلبها تهاجر والناس كلهم يهاجرون أليس كذلك؟

وأخيراً أنشدت قول الشاعر:

ونفسك فر بها إن خفت ضيما

وخل الدار تنعي من بناها

فإنك واحد أرض بإرض

ونفسك لم تجد نفساً سواها

عجبت لمن يعيش بأرض ذل

وأرض الله واسعة فلاها

وهكذا لم أدر ما كان بوسعي أن أرد به على منطقها المرعب – الواقعي وعلى شواهدها الواقعية المقنعة؟! غريب! فكل ما قالته للتو ينطبق علي حرفاً بحرف بل ويبعث لدي الشعور بأنني في الواقع إنما أنظر إلى نفسي في مرآة.

تباً للمرايا، فررت بنظراتي من عينيها متفحصا بقية أجزائها، أدركت أن الفتاة كانت -بلا تردد- تحزم أحلامها بعد كل بكاء وتدسها خفية تحت ملابسها الفضفاضة وخلف شعرها المعقوف خشية أن ينتبه إلى نضوجها أو تكورها أحد، كانت تتأهب للانتقال برأس مالها الغض إلى هواء القرية الرحب وهدوئها العليل، قالت إن أحد الفلاحين الطيبين هنالك سينتشلها برفق من قرار الوحل، سيغرس زهرتها الطرية عميقاً في بستانه الأيسر، وسيغرقها بالحب والسقاية إلى أن تتشبع مفاصلها بالطين الفاخر وتنفجر قامتها من باطن الأرض ثم تذهب لها فروع باسقة في السماء، وهكذا يصير لها أعضاء مؤثرة وهيكل حقيقي يعترف بحقيقيته جميع الزبائن وعلى رأسهم عدنان، فمن يدري؟ ربما ذلك كفيل بأن يشطب ماضيها الكئيب وتعود إلى هاهنا ذات يوم وقد أضحت زبونة محترمة ذات وجاهة ذائعة ومقام رفيع، وبعدها يصير بوسعها أخيراً أن تحقق حلمها اللذيذ في مشاطرة زبائن هذا المقهى البائس ورواد هذه الحجرة العابسة بالذات فناجين اللحظات الفارغة وما استيسر من فتات الحزن السميك. وكانت هذه الفكرة المزيفة بلا شك بذرة الريفي المنافق الذي قذفها في عقلها الطفولي، نعم لا أشك في هذا أبداً، فكل ما كان يمنيها المحتال كان مزيفاً ولا أصل له على أرض الواقع تماماً مثل زيف كل شيء أعلاه في هذه القصة.

آسف.. سأهبط الآن على أرض الواقع، الفتاة السمراء “الحقيقية” التي حتى الآن لم أسألها عن اسمها صراحة والتي تقعد بتوتر على الطاولة المقابلة، تلصق شفاهها الغليظة على الفنجان الأبيض الكبير الذي ينفض جناحه فيه طائر هائج، ترشف منه دون أن تضع عينيها عليه أو تضع أدنى اعتبار لثورته، تضع إصبعها في أنفها على الدوام، أحياناً تتركها ثم تأتي لتبحث عنها لاحقاً وقد نسيت تماما أنها وضعتها في أنفها، وأحياناً قد تغادر المكان ثم تعود في اليوم التالي وهي مازلت في المكان الذي وضعتها البارحة فيه.

أجزم ولا ريب أنها تبحث عن غرض ضاع منها منذ فترة ولم تعثر عليه حتى اليوم، يخخ،،، حتى الآن.

هي الآن منهمكة في محادثة “أون لاين” مع شاب أشد سمرة منها قليلاً، تبتسم ثم تكتب، تكتب ثم تبتسم، والفتى الفرنسي “بنجامين” المقابل لها من الجهة الأخرى والذي يدخن بطريقة كارثية كعادته، يقصفها كالعادة بنظراته الملتهبة من موقعه على الأريكة الجلدية الغنية بالمخدات.

اهمم، أشهد أنه يكرهها وأجزم ولا ريب أنه سيقتلها ذات يوم، ربما يلعنها الآن في سره بألفاظ فرنسية بذيئة، وربما يفكر بخبث أن يضع حداً لهذا المنافق الذي يجلس في الضفة الأخرى للمحادثة والذي يعبث بعواطفها في هذه الأثناء بكل تأكيد.

الغيور يهم الآن – غير مبال بالعواقب – بإجراء تبادل لوجستي بين الملح والسكر على صعيد طاولتها، وهو متيقن تماماً أن الفتاة لن تلاحظ ذلك مطلقاً إلا في جوفها إن لم يكن قبل ذلك على ضفاف لسانها، وسيضحك هو كثيراً في سره بكل تأكيد، ولاحقاً سيذيع نبأ إنجازه الموقر بفخار شديد أمام رفقائه التعساء الذين يشبهونه تماماً. مع أن نظارته الجديدة وعينيه الزرقاوين اللتان تحتها تقولان لي أنه جبان وتافه ولا يجد في مخزونه ما يكفي من الجرأة لتنفيذ الخطة الذميمة التي كان سيضحك بها رفاقه فيما بعد.

***

المقهى هذا – وفي غيابها – كل حجرة في أرجائها يكفهر وجهها حزنا من شدة القلق ومن وعثاء الغياب الحزين أيضاً، عامر بالسكون في معظم الأوقات ولا يتردد عليه كثير من الذين أعرفهم نظراً لطبعه الانتقائي المتعالي على فقرهم وبؤسهم، ولأن المقهى هذا بيت – كما يقول أهل حارتنا – لا يوجد فيه الله، وعلى ذلك فإني على يقين أنه لو علم أحدهم طويل القامة، عريض المنكبين، ملتهب النظرات، كث اللحية ويسكن في بيتنا كل يوم بخبر هذه العضوية الفخرية، لو علم أنه على قائمة الزبائن المخلصين ولد له، لخرَّ في تلك الساعة المباركة مغشياً عليه.

بالتأكيد ولا ريب فإن والدي لن يسقط أرضاً كمداً على فتاة معلقة الحلم والكبرياء ظلت قديماً تهيم بسمرة القمح واخضرار المروج فحال دون ذلك اصفرار البرواز وشقاء كاتب يرسم أوجاعه على الورق، قبل أن تغرق أحلامها في المحيط بفعل ريفي جاهل انحدر بسبب انحدار معوله بشكل مريع إلى مكان سحيق ثم إلى أسفل سافلين، ولو أنها ستعذر الريفي لجهله ثم ترمقني بنظرة مشحونة بالحقد والكراهية وتسأل :أيا أيها الكاتب الرديء ألم تجد لي دوراً آخر – وأنا من ورق – غير الدمامة..وغير الغرق؟

وأيضاً لن يخر مغشياً عليه –والدي- بسبب سمراء لا يهم أبداً من اسمها، افترس ذئب من بلاد بعيدة عقلها، أكل مصابيح عينها في الليل وشرب سحابة وعيها في النهار، مع أنه من مكان قصي ومن ضفة نائية لأرض تربض كومتها وراء أفق متلاطم لا نهائي ووراء عوالم مجهولة الحدود، في حين أنه -ومن مكان غير بعيد- يتآكل قلب فرنسي جبان حسرة عليها، يرمي إليها نظرة خاطفة فيتيه بسمرتها عجباً، ترمقه هي بلا مبالاة فيتعثر وجهه حياء وخجلا ثم يعود ليتيه بسمرتها عجباً، وهي رغم حركاته المفضوحة على الورق ورغم ارتعاش نبضاته التي تضطرب من تحت السطور لم تعره انتباهاً مع أنها تسكن معه تحت سقف فكرة واحدة، يأكلان من خميرة واحدة ويشربان غالباُ من علبة حبر واحدة، وستنعم عليه من موقعها في النص بالتفاتة وتسأله بصوتها الخشبي الذي تتطاير من وقعه الورق وتقول: اللعنة على هذا الكاتب الرديء الذي يضحك الآن والذي لا أرغب إطلاقا في معرفة اسمه من؟، ألم يجد لك دوراً آخر – وأنت من ورق – غير السخافة وغير الأرق؟

كما أنه ولا ريب أيضاً فإن والدي لن يخر مغشياً عليه بسبب قروي فاشل سيعتاد عما قريب في أيام تلي هذا على وحشة الجدران بعدما تنتقل فتاة كانت تحرس العنب من جدران مقهى حقير إلى جدران غرفة صغيرة تقبع في منزلي، ولسوء بختها لن تعثر في صفرة حيطانها المتزاحمة مكاناً تزرع فيه عنباً حقيقياً ولن يرغمها أحد أيضاً على حراسة أي عنب مزيف،كما أنها لن تجد فيها أمارات من بشاشة العيش أو دلالات على زخرف الربيع الذي كانت تحلم به دوماً، لكنها لجمال يشع من روحها ستغدو ربما بعد بضع سنين من الآن زوجاً صالحاً لنص آخر أجمل من هذا الأرعن، وأماً – لا محالة – رؤوماً.

وأخيراً فإن والدي الذي توفى قبل عام لن يغضب أبداً من “إلهام” لأنها بعد انتظار ألف عام أهملت حزناً أيسراً بلا هواء ولا دواء، لن يغضب منها لأنها بعثرت خلفها حجراته الأربع طولاً وعرضاً، ولن يغضب منها لأنها هجرته كالح المنظر ثم فتحت أبوابه على مصراعيها وركضت مذعورة من نبضاته المحرقة باتجاه الغياب، لن يعتب عليها لأن كل شيء سأل عن أصالة نشأته في النص الحزين ما خلاها، وكان سيتذمر فقط من شطحات نص كتبه على الورق ولد مسرف من صلبه، أوشك أن يقطف عقله..غير أن الله سلّم…

*كاتب يمني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق