ثقافة السرد

التفاؤل في زمن مشؤوم: قصص قصيرة جداً

نهار حسب الله*
الكاتب: تعرض لهجوم حاد وبطريقة قاسية من قبل عدد من النقاد والمثقفين، واصفين كتاباته بالتشاؤمية التي تبعث اليأس والاحباط لدى القراء، وطلبوا من الصحف والمجلات ان تراعي هذا الجانب وان لا تتعامل مع كل كتاباته في هذه المرحلة تحديداً. جلس الكاتب مع نفسه محاولاً التعبير والكتابة عن حاضر مزدهر يحمل آمال المستقبل والحياة الوردية القادمة. فتح صفحة ناصعة البياض وأمسك قلمه الحبري الازرق، وركز ذهنه واختزل احساسه ما بين الورقة والقلم، إلا انه فوجئ بنزيف حاد اصاب القلم وكان سبباً في تحول الورقة الى اللون الاحمر….

مظاهرة

تجمهر عدد من الناخبين أمام قصر مرشحهم الجديد والذي حصل على أكبر عدد من الاصوات الانتخابية، حاملين شعارات مؤيدة كتلك التي تقول:

(جاء الامل ـ معاً لمستقبل زاهر) إلا ان المُرشح الفائز اعتقد انهم من المعارضين لحكمه ففجر بينهم سيارة مفخخة.

علاج

اعتاد الاتكال ملزماً على الساق الصناعية بعد ان بترت قنابل الحرب ساقه السيرى.

عاش أكثر من عشرة اعوام على أمل زراعة ساق من إحدى الدول المتقدمة طبياً.

تبنت قضيته الانسانية إحدى مؤسسات المجتمع المدني، وعلمت على نقله إلى افضل المراكز الطبية واكثرها تطوراً في العالم.

اجريت الفحوصات الطبية اللازمة.. واخذ موعداً لاجراء العلمية الجراحية.

دخل غرفة العمليات وعلى وجهه ابتسامة عريضة تحمل آمال الشفاء، كان على امل الخروج من الخطر والانتقال الى الحياة الطبيعية سائراً على قدميه.

إلا انه فقد ساقه الاخرى بعد ان اكتشف الجراح مادة سامة كانت عالقة فيها من ايام الحرب.

عصفورة في ميدان الحرب

دخلت معسكر التدريب العسكري وانا مدجج بانواع الاسلحة والدروع، عُزلت عن العالم الخارجي، غيبت بين الكتل الكونكريتية والاسلاك الشائكة والخنادق الرملية… لا أسمع إلا لغة الاوامر العسكرية الصارمة.

لم أكن أرغب بالدخول الى ذلك الميدان الجاف والخالي من انغام موسيقى نصير شمة وأشعار الجواهري وأقداح عديدة من القهوة البرازيلية والعديد من الاحاسيس التي اشعر ان وجودي صار مرتبط بها، غير ان مشقة الحياة اجبرتني على مغادرة ذلك العالم الجميل.

لم اتخيل يوماً ان يكون لي اصدقاء داخل هذا الميدان الحربي، إلا تلك العصفورة الصغيرة التي أراها صباح كل يوم… كنت اناولها ما تيسر من الخبز لتسد رمق جوعها ولتقبل ودَ صداقتي في هذه الاجواء المريبة.

مرت الايام.. وبدأت اشعر بمحبة عميقة بدأت تنمو بيني وبينها، حتى بات اسم الصبح يعبر عنها.. كنت اشعر انها تراكم تلك الاحاسيس الجميلة التي افتقر إليها الان.

بدأت العصفورة تألفني اكثر فأكثر وباتت تأكل من يدي غير آبهة بمخاطر الاسلحة التي احملها.. تأكل من فمي وتحلق في السماء وتعلن عن إطلالة صباح جديد فيه بصيص امل قد يخفف الرهبة التي بداخلي..

اشعل فتيل المعركة.. من دون سابق إنذار..

ظرف طارئ حولني من معسكر التدريب الى الخطوط الاولى في ساحة الحرب أو ما يعرف بخطوط الموت.

رصاص في كل مكان.. دخان واشلاء واصوات مدفعية تدك القلب.. جثث هنا وهناك.. رائحة دم استشرت في المكان وسرعان ما تحول لون الارض الى اللون الاحمر.

لم أكن آبهاً للاخطار من حولي.. وإنما تركز قلقي على تلك العصفورة الصغيرة التي ابحث عن اي خيط يوصلني إليها في هذه الفوضى ابحث عن ريشة تعود إليها..

يأخذني التفكير إلى عالم آخر ابتعد بمخيلتي أكثر واتناسى جوّ الدمار من حولي.. تنبهت لصوتها بين اصوات الرصاص.. وفوجئت بأن عصفورتي تمارس دور السلام في المعركة وتنقل السنابل الى الجرحى وتعطر جثث الشهداء بباقات من الياسمين.

منجز وطني

بعد ان هبت بوجهها ريح عاتية، أحكمت الابواب أقفالها تجاهها، وضربت بها امواج البحار بكل قسوة، وتعاون القدر والزمن على تكوين اخطائها.

حُكم عليها بقانون التحول من شابة رصينة متكاملة من اكبر عائلات المدينة، إلى انسانة منحدرة تدور حولها الشبهات.

تاهت ملامحها بين أحضان الرجال وشققهم المفروشة.. انسانة فقدت رأفة وإنسانية المجتمع.. وحولت جسدها المستور المتدفق بالانوثة، الى سلعة رخيصة مستهلكة.. لا يرغب بها إلا المضطر.

امرأة سخرت نفسها لخدمة رغبات متأهبة لتغرق جسدها بامطار استوائية غزيرة متراكمة.

ظلت على هذه الحال على مدى سنين من شبابها المتعثر.. حتى وصلت الى مرحلة الاعتزال.

دَقّ ناقوس العمر ابوابه معلناً عن اجتيازها سن الخمسين.

غيرت مسار حياتها.. حاولت التخفي والهروب من الماضي.. وارتبطت بشبكة علاقات جديدة مع سادات مجتمع وسياسيات وشخصيات نسائية لها وزنها في المجتمع.

وذات يوم.. سُئلت من قِبل إحدى صديقاتها الجدد عما قدمت فيما مضى من حياتها.

أجابت:

–      لقد حققت منجزات وطنية صعبة المنال، قطف ثمارها كل سكان البلدة..

هل سبق وان عملتِ في مجال حقوق الانسان ام الطب وانقذت حياة الناس..هل ساهمت بالتصميم المعماري الجديد للمدينة.. أم ماذا؟ (هكذا سألت الصديقة الجديدة)

–   لا لا.. لقد عملت على الحد من جرائم الاغتصاب وحالات الشذوذ الجنسي وساهمت بتحرير اجساد قتلها الانتظار.. ومزقها الشوق.

كل هذا جاء من دون تضحيات ولا خسائر سوى نفسي.. فهل يعد عملي منجزاً وطنياً حقيقياً.. ام سيظهر مستقبلاً من يتهمني بالعمالة لصالح دولة اخرى؟

سيلاحقني هذا السؤال مادمت حية!

التعبير الصامت

رسالة

لملم حروفه، متوسلاً الكلمات ان تجمع لتكون رسالة خطية تعبر عن احساسه لمن يحب ويهوى.

كَتب وشَطب ومحى حروفاً وكلمات لا تُعد ولا تُحصى.

مزق اوراقاً عدة وغيرها باوراقٍ معطرةٍ وملونة، باحثاً عن شتى السبل التي تمكنه من ايصال تلك المشاعر.

شرد لساعات طوال ما بين الاوراق والاقلام وتلك الحروف المبعثرة حتى وردت برأسه فكرة إرسال رسالة بيضاء لا تعتمد الحروف سبيلاً لايصال افكاره.

فتح صفحة بيضاء وكتب اسمه في أسفلها وأرسلها الى الحبيبة.

استقبلتها بابتسامة عريضة وشوق لا يوصف، غير انها فوجئت بفضاء الرسالة.

اتصلت به، وتحدثت بصوت يحمل الدمعة واليأس والتوتر.. استفهمت عن معنى الرسالة.. واسباب فراغها.

اجابها بهدوء عميق:

–        حبيبتي.. كل ما في داخلي يكمن في هذا الفضاء الجميل.. فهو حب اوسع من كلمات الحب وشوق لا يمكن ان يحجب كتابة بضع كلمات، وقبلات لا ارغب في طبعها إلا على شفتيكِ لا على ورقة، وعطور وبساتين وزهور لا يسعها ظرف الرسالة.

نظرة عين

كان يتابع تحركاتها دونما اية كلمة ولا همسة، يترقب خطاها بحذائها ذي الكعب العالي الذي يشكل صوته أروع النغمات والرقصات الاسبانية.

كان كثير الشرود من الواقع، تآئهاً معها في عالم جميل.. عالم خيالي يجمعهما مابين البسمة والامل والاحلام الوردية.

وفي احد الايام، قاطعت نظرته الخيالية ملامسةً كتفه لمسة وديةً داعيةً اياه الى فنجان من القهوة في مساء اليوم التالي في نادي العشاق.

كانت الدعوة أهم وأكبر مفاجأة سارة في حياته والتي لابد من الاستعداد لها.

قضى ليلة غارقة بالافكار، ليلة لا تعرف النوم، كان يفكر في اجواء المقابلة الاولى.. يهيئ كلماته حتى يهرب من الارتباك.

وفي مساء اليوم التالي وعلى الموعد المحدد في نادي العشاق.. اجتمعا تحت اضواء خافتة والحان موسيقية هادئة.

مضت ساعة اولى من نظرات العيون من دون البوح بكلمة واحدة..

وفي غفلة من الامر.. انتفضت الحبيبة محاولة المغادرة قائلة:

–        ليس من المعقول ان نضيع الوقت بهذا البرود من الاعصاب.. تكلم اي شيء، حتى اسمع صوتك وافهم احساسك.

اجاب:

–        لقد ادمنت على النظر إليك والشرود معك الى عالم الاحلام.. عالم لا يعرف الكلمة، عالم خيالي يعد القبلات والاحضان لغة.

وفي سكوني هذا لا اعبّرُ إلا عن احضان ولمسات جميلة وممارسات حب لا توصف.. من دون الحاجة الى الكلام والثرثرة.

*كاتب من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق