ثقافة السرد

-عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- الجزء 21

صبحي فحماوي*

الشيخ عبد الصمد، مؤذن جامع قرية أنصار19 كان يزورنا، أحياناً معزوماً على عشاء في بيتنا، وأحيانا يحضر معه جماعةً من الدارويش، يقرأون المولد النبوي بعد عزومة إفطار رمضان وصلاة التراويح. وكانوا يحرقون البخور تحت الشعير، ويسمونه؛ شعير نبوي، يوزعونه على الجيران للبركة. كنت أنتبه إلى بعض الحلقات الصوفية التي كانت تعقد ليلاً في بيتنا، لا أدري إن كانت لحزب التحرير، أو للاخوان المسلمين، أو للدراويش الصوفيين، أو لغير المتحزبين، الذين يَدُقُّون العدّة للتمتع بذكر الرسول، ثم ملء بطونهم فيما بعد! لم أكن أميِّز بين الشيوخ، فكل شيخ وله طريقة، ودقُّ العدة هذا متعةٌ ما بعدها متعة، خاصة لنا نحن الصغار، الذين نتفرج على مثل تلك الحفلات! فالدراويش يتجمعون معزومين في بيت الداعي للذكر، وتبدأ السهرة بتلاوة المولد النبوي الشريف، ثم تصدح أغاني المولد، والتي أذكر منها: ” ولد الحبيب ومثله لم يولد! هو مصطفى، والذِّكر فيه أحمد”!ثم يقولون:” صلوا عليه وسلموا تسليما! الله زاد محمّدا تعظيما!” وتستمر الفرقة بالإنشاد، إلى أن يسخن درويش من الدراويش، فيقول بصوت عال وبحركات خارجة عن المألوف، بينما رأسه يدور يمينا ويساراً، كالمروحة المتحركة في عز الحرّ: “الله حي! الله حي! الله حي! الله حي”! ويستمر بنفس النَفَس العالي، والتوتر العصبي، والحركة السريعة، بينما الجوقة مستمرة في أغانيها: “صلوا عليه وسلموا تسليما..الله زاد محمّدًا تعظيماً “!
وكانت الجدّة الدرويشة، والتي تقول إنها من سلالة الرسول الكريم، معروفة في كل مولد، فإذا سمعت دقّ العدة، أو قراءة المولد في بيت ما، تهجم في الليل البهيم، تركض وهي مدروشة! تمر مسرعة في طرقات ترابية متعرجة مليئة بالصخور ومعتمة، ولكن الدرويشة العجوز السوداء، ذات الملابس الداكنة، والتي تتحرك وكأنها بقجة متحركة، ترى في الليل مثل القطط! أو على الأصح مثل الوطواط! لأنها لا تصطدم بصخور الطرقات المعتمة، ولكنها تشبه القطط بأنها بسبعة أرواح، وأنا أؤكد أرواحها السبعة، لأنني شاهدتها عندما دخلت على هيئة المولد منعقدة بالترانيم، وهم منسجمون بالغناء النبوي الممتع، والكل يشارك بجوقة متناغمة، بينما الأحذية والأطفال يتجمعون عند الباب، لأن الغرفة الثلاثة أمتار لا تتسع للأطفال، والفراش الأرضي لا يسمح لك بأن تدوس عليه بالأحذية. دخلت الدرويشة وهي تصيح بصوتها المميز كالمفرقعات، يسمعه سكان الجبل المجاور في الليل البهيم:” الله! الله ّ! الله! الله “! بينما رأسها يدور كالمروحة الكهربائية السريعة الحركة، يميناً ويساراً، دخلت إلى وسط الغرفة بلا انضباط، وكانت هي المرأة الوحيدة التي تجسر على دخول مثل تلك السهرات الرجالية الدينية الساخنة، حيث كانت الحريم تتجمع في الغرفة المجاورة لغرفة الدراويش، يتسمّعن الذكر، ولكنهن ممنوعات من الفرجة! داست الجدّة الدرويشة على الأطفال، وبعثرت الأحذية، وألقت بنفسها داخل الغرفة على صحون الشعير، وكان هناك أكثر من سراج كاز مشتعل، فانطفأ أحد الأسرجة، وكانت عين الشيخ عبد الصمد على حائط الغرفة، حيث شاهد عدّة أغطية ولحافات مطوية فوق دكّة، ومخزونة لحين النوم، ليتغطى بها أصحاب البيت، فأشار لأفراد فرقته، فهدموا الِّلحافات وكوّموها فوق رأسها ليخنقوا صوتها، إذ أن صوت المرأة عورة في نظرهم، خاصة في تلك الموالد! ولكنها لم تنطفيء شعلتها! بل بقيت مستمرة بالترديد: ” الله! الله “! الله! وبعد ثوانٍ من تراكم الأغطية الثقيلة، انكتم صوتها، فخفنا عليها أن تخنق! ولكنهم قالوا:” لا تخافوا عليها، إنها بسبعة أرواح”! ومن ثم أمر الشيخ عبد الصمد بأن يُسكب على رأسها ماءً بارداً، كي تصحو، ويبرد دمها، ثم أوعز بأن تعاد إلى بيتها، أو على الأقل، يتم إبعادها إلى الغرفة المجاورة، لتقعد مع النساء هناك. وهكذا أبعدوها دون مشاكل، فالناس متعودون على الإبعاد، فقبل عشر سنوات، تم إبعاد شعب بأكمله من فلسطين، ليحل محلهم غرباء من كل أصقاع العالم. نحن مبعَدون وهم مبعِدون، وهكذا أبعدوا الدرويشة دون معارضة أحد، واستمر الحفل الشجي. استغرب الشيخ عبد الصمد عدم وجود ضيافة في الحفل فقال:” أين الضيافة يا أبو علي “؟ فأجابه أبو علي الذي فوجىء بالطلب:”ما هي الضيافة يا شيخ عبد الصمد، غير شعير المولد؟”فمسد الشيخ شعر ذقنه الكث وقال:” نريد على الأقل صفط حلويات راحة الحلقوم!”
” لماذا راحة الحلقوم، يا شيخ عبد الصمد “؟ استغرب الفقير أبو علي، وغير القادر على شراء خبز لأولاده ! فأجابه الشيخ بكل صلف:” لنجرد حلوقنا يا أبو علي”! فأشار أبو علي الذي تضاءل كرمه إلى جرّة الفخار المغطاة بقطعة خشب، والتي فوقها كأس معدنية:” هذا الماء البارد في الزير، اجردوا حلوقكم “! فارتفع صوت أحد أفراد الجوقة الملتحية، احتجاجاً على سوء الضيافة، ومن ثم حصل هرج وارتفعت أصوات معارضة، وقام جمع أثواب اللحى، وغادروا المكان، مغتاظين من سوء ضيافة أبو علي! ولذلك صاروا يدققون بعد تلك السهرة على نوعية كرم الداعي. ولهذا السبب صار على والدي طلب شديد، أو كانت دعواته محببة من قبل الدراويش، إذ أن عدد الصحون التي كان يفردها أبي في تلك المناسبات لا يقل عن أربعين صحناً من مختلف أنواع الطعام. كنت أعدها بالصحن، وأستغرب لماذا يقدم والدي كل تلك الأطباق لهم، بينما يُقتِّر علينا بالمصاريف، لدرجة متلفة! وكان الشيخ عبد الصمد يبدأ القول، بعد بسم الله:” والرزِّ واللبنِ طيب على البدنِ. وان ما انت مصدقني اطبخ وذوِّقَني”! فيرد عليه أبي بنفس السجع قائلاً:” والرزِّ مرزوزةِ واللحمة مغزوزة ، وتفضلوا يا جماعة تَنضرُب اللقم “! فيهجم الجميع على الزاد، وكأنهم يفتحون إطلاق نار على الجبهة الأمامية بالذخيرة الحية، ولكن الذخيرة على الجبهة الأمامية كانت معطلة، لأنه مفيش أوامر، حسب مقولة أفراد جيش الإنقاذ،” ماكو أوامر”! ولكن الأوامر على أطباق الطعام كانت معطاة، فأوقعوا فيها أفدح الخسائر! وبعد طول سيرة، توطدت العلاقة بين أبي وبين الشيخ عبد الصمد، الذي صار من أهل البيت، فيلتقي مع كل أفراد أسرتنا؛ أبي وأمي وأختي فضيلة، التي صارت تكبر، وتزداد جمالاً. كانت تقول لها الجدة الدرويشة: ” والله يا فضيلة خدودك مثل التفاح! نفسي أقرشهن قَرش”! ونظراً لهذه الحلاوة، فاجأ الشيخ عبد الصمد والدي، بطلب يد أختي فضيلة للزواج من ابنه (جبر)، الذي كان يعمل في ولاية نفطستان، وقال إن راتبه ممتاز، وإنه بتلك المصاهرة، سيجعل العائلتين عائلة واحدة، وكلام فارغ كثير من هذا النوع، لم يدخل دماغ أبي، الذي فكر بقضية اللاجئ والوطني، والمساواة بينهما، فنحن لاجئون، والشيخ عبد الصمد وطني! حاول أبو عنان التعرف على نفسية ذلك الوطني، وهل ينظر فعلاً إلى أبي على أنه ندّ، أو مساو له، كبني آدم؟ أم أنه يريد أن يشتري سلعة من المعسكر لابنه جبر والسلام؟ وعلى غير عادته، ناداني أبي إلى فناء البيت، وأجلسني على مقعد بجواره، شعرت أنني لأول مرّة أقعد فيها بجانب أبي؛ محترماً، وهو يستشيرني:
“ما رأيك بزواج أختك فضيلة، من إبن الشيخ عبد الصمد”؟ فقلت له، وقد شعرت براحة نفسية، واستقلالية فكرية، وأنني قد كبرت وصرت رجلاً يشار إليه بالبنان، ويستشار في أمور “الدولة”، أقصد، في أمور البيت، والزواج والشيخ عبد الصمد. وهذه أسئلة لم تكن تخطر لي على بال، ولكنني الآن في موقع المستشار، ويجب عليّ أن أفتي، وأبقّ الحصوة، وأقول رأيي.. ها قد جاءك الدور في المسؤولية يا عماد، وصرت تُستشار ويُعتد برأيك..ولكنني لم أفكر كثيراً بالأمر، بل قلت له:
” أختي فضيلة هي التي ستتزوّج، فاسألها، إذا كانت موافقة، فليتم الزواج، وإذا كانت معارضة، فلا داعي لمثل هذا ال..” وبسرعة فاجأني بصوته الذي عاد فظّاً غليظاً، وصاح بي قائلاً:
“قم من هنا! يلعنك ويلعن الذي يشاورك”! فقمت هارباً قبل أن يرتطم برأسي كرسي طائر، أو يجلد ظهري كرباج من كرابيج حلب!
وبعد تفكير عميق، عاد فصرخ منادياً إياي بازدراء، وأشار إلي بالجلوس مرّة أخرى، وفوراً استكتبني رسالة إلى عنان في بلاد بحرستان، ذكر فيها شرحاً موسعاً لخطوبة فضيلة، وذيّلها بالعبارة التالية: ” وبناءً على ما سبق، فأرسِل لنا يا ولدي رسالة، تطلب فيها يد عائشة إبنة الشيخ عبد الصمد، فإذا وافق على إعطائنا ابنته لتكون زوجة لك، فإننا سنوافق على زواج ابنه جبر من أختك فضيلة، وإذا رفض، فسنرفض، والعملية مجرد جسّ نبض.” وكما أمر والدي، أرسل لنا عنان رسالة خطِّية، يطلب فيها يد الآنسة عائشة، ابنة الشيخ عبد الصمد. وعندما وصلت، وتأكدنا من محتواها، طلب مني أبي قراءتها في حضرتهما. سمع الشيخ الرسالة، فتململ، وطلب إعطاءه فرصة ليستشير ابنته، ولكنه لم يعد إلى بيتنا منذ ذلك اليوم، وحتى ساعة انطلاق هذه الحافلة إلى أرضنا المقدسة، باتجاهك يا عذبة! وهكذا انقطعت العلاقة بينهما، وانتهت حلقات الذكر والموالد والتحزبات الدينية، التي لم يُعمّد والدي فيها حزبياً معروفاً، ولكنه ظل يصلي الأوقات الخمس، ويتعبد ويدعو ويتصدق لله. وكان في المعسكر شيوخ مختلفة طرقهم، فالشيخ مصطفى كان يعتكف وحيداً، ويسبِّح بحمد الله ، ويعذِّب نفسه في طاعة الله. كانت خيمتة منصوبة فوق سكة الحديد، فكان يضع سكين لِحام النحاس، على نار (بابور الكاز) ، إلى أن يصبح السكين الذي يشبه الشاكوش الصغير، أحمر كالجمر، فيرفعه ثم ينزله على أحد أصابع قدمه الحافية، الموضوعة فوق قضيب سكة الحديد، ويضغط، بينما هو يصيح بأعلى صوته المعذّب:
“الـلــلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلـّـلّـله!” فتصل صرخته إلى أرجاء المعسكر! بينما ينفصل إصبعه عن قدمه ساقطاً تحت سكة الحديد بحجم رأس فأر، بينما رائحة شواء اللحم، ودخان سكين اللِّحام تتصاعدان في سماء خيمة الشيخ، فلا يشمّهما أحد حتى الشيخ نفسه، ذلك لأنه يكون قد غاب عن الدنيا، سابحاً في “جنة عرضها السموات والأرض!”
الأستاذ فالح، الذي اعتبر أول خريج معهد معلمين في المعسكر، في تخصص الفلسفة صار يتفلسف كثيراً في الممنوعات الثلاث؛ الجنس والسياسة والدين، وفي ذلك اليوم سمعته يقول لجابر البخاري الذي يشاطره لعبة المنقلة، أمام دكان جارهم أبو سيف:
“هذا الشيخ مصطفى لم يستطع أن يتحمل آلآم الهجرة، فأخذ يستخدم الدين كالأفيون، وإن قَطعه لأصابع رجله بسكين بابور اللّحام، ما هو إلا تعبير عن الآلام والكبت والمعاناة والحرمان الذي يعيشه خارج وطنه، ولذلك فهو معتكف، وكأن لا أحد يستطيع أن ينسيه مأساة الهجرة من وطنه، إلا بهذه الطريقة من تقطيع أجزاء جسمه، إنما هو بعد فلسطين، يهب نفسه لله، قطعة تلو قطعة، بدل أن يظل يعيش حياة المعسكر المذلّة، وهذه العُقَد، والأمراض النفسية، سببها الهجرة.”
ولكن جابر الذي لم يكن يفهم من قول فالح شيئاً، غير الدين والأفيون، قال له:”حرام عليك يا استاذ فالح! والله لتدخل النار على هيك أفكار! خلينا في اللعب. العب العب!” وكنا نحن الصغار نراقب قدمي الشيخ مصطفى، وهو يلبس صندلاً صيفياً، إذ لم يبق في قدميه سوى إصبعين في كل قدم، الكبير والمجاور، وأما باقي المقدمة، فكانت ملساء بلا أصابع.. قطعة لحم مشوهة. وعندما زارنا ذات، يوم مدعواً إلى عشاء مع بعض رفاقه الشيوخ، سلَّمتُ عليه قائلاً له:
” الله يدخلك الجنة يا سيدي الشيخ”. فقال لي مطمئناً:
” يا ابني إحنا ضامنين الجنة، بس بدنا مكان أقرب إلى الرسول.”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق