ثقافة السرد

شقيقةُ نعمانٍ… ليمون ونَعناع

عناق مواسي

مرت ثلاثة أيام ماطرة للغـاية، الثلاثاء،الأربعاء والخميس.. توقف المطر وأشرقت شمس دافئة على مرايا بقع الماء هنا  وهناك. بقيتُ ثلاثة أيام إلى جانب وليد، كانت حرارته عالية وأنينه خافت،خشيت عليه وراقبته كل الوقت! مَّر وقت طويل دون أن أتمعن في تفاصيله لهذه الدرجة، كل خطوط جبينه، شعره الأبيض والأسود وشوشته بكل أسراري دون أن يناقشني، دون أن أرى مبرراًَ للكتمان هذه المرة، أحببته أكثر في صمته وفي احتوائه، لقد كان هذه المرة اسفنجة مريبة ، مدهشة..

استطعت أن أعد الشائب من شعره وأن أسترجع شريط الذكريات وأنا أشيب معه.مررت على السنين التي قضيناها معاً منذ كان شعره حالكاً في السواد…كانت فرصة  شتائية أن أقلب صفحات السنين، ومن شدة انهماكي به لم أعرف كيف نمتُ ورأسي  على ذراعه..

كان ذلك مساء ليلة الجمعة…

استيقظنا في السابعة صباحاً وقد بدا التحسن عليه

–         صباح الخير…

–         صباح النور…

–         اليوم أنت أحسن…الحمد لله.

–         كيف الطقس خارجاً؟

– توقف المطر مساء..

كانت أياماً رائعة من الانهمار،أعرف أنه يعشق الشتاء ويحب أن يدخن ويخالط دخان سجائره المطر والبرد،وأن يكتب ما يجول في خاطره في الشتاء اللذيذ! لكن مرضه حال دون ما يعشق من فصول!

فجأة قال:

– إلبسي بدنا نطلع!
– الدنيا برد كثير!  
– لا تخافي بدفيكي! سنخرج إلى الجبل القريب..!

–         الوحل في كل مكان وليس لدينا سيارة!ثم أنك بحاجة للراحة!

–         أنا بحاجة لشيء آخر!

–         الطريق موحل ووصولنا إلى الجبل   ليس يسيراًً…..

–         هيا هيا دعي الكسل…..

مشينا مسافات ومسافات،والتراب الموحل  يهمس تحت أقدامنا.غُصنا في التراب والوحل كثيرًا، مرات ومرات كنا نتعثر و لكن الغريب أنه كان صامتا وهو يجمع الزهور، لم نتحدث جملتين على بعضهما كأنه مشغول بأمر بعيد آخر.أمسك الزعترَ بيمناه وردد قصيدة على أصابع كفه اليسرى، جولته في الطبيعة هذه المرة كانت استثنائية نوعاً ما بل نادرة في الصباح وفي الشتاء!

–         يجب أن أتنفس البرد من جديد، أريد أن اشعر برئتيّ أنهما قادرتان على امتصاص أوكسجين غير عادي،سئمت الأدوية والشاي مع الليمون والنعناع! أريد أن أتذوق شيئاً جديداً،طازجاً، شيئاً لم أذقه من قبل. أريد أن أعوّض كل الساعات التي قضيتها في السرير،وأغسل عينيّ بالاخضرار وبدايات تفتح الطبيعة، أريد أن أشم رائحة الورود العذارى..أريد ألتوغل في الجبل قبل أن يتوغله  قبلي أحد.

الحياة مرة واحدة،والقلب لا يعيش عمرين..ولا الأشياء….

–         والوحل الذي على ملابسي وحذائي…كيف سأتخلص منه!

–         انظري إلى هذا جمال الطبيعة،هنا قضيت طفولتي أنا وأترابي،كنا نقطف الفراشات وصابون الراعي،حتى أننا كنا نعتقد أنه  يمكن الاستحمام بصابون الراعي!!

المسي بأصابعك الحنّون لقد بدأت بالظهور المبكر،أراها أجمل ورود الأرض،إنها آلــهة الأنوثة، جمال، خجل، اختباء، احتواء…أنا أعشق الحنّون، لكثرة ما كنت أقطف الحنون كان أصحابي يلقبونني ” أبو الحنون”!

– وهل تعتقد أنني أنا حنون!

–         أنا منذ عرفّتك صرت مثل قرن الغزال!

– ما الذي دهاك هذا الصباح! أنت مختلف تماماً…

–         لا أعرف!

أحس أنني أعود إلى طفولتي..إلى الحياة وبقوة،سأغوص في الوحل وأقطف إكليل الغار،والسريس والبابونج،الخبيزة والعلك واللوف والسيسعة والصفير، سنسلق بيضاً كثيراً في الماء مع الصفير،سأجمع صابون الراعي، سأحزم شقائق النعمان، سأدخل رأسي في حزمة الحنون، سأتذوق الرحيق الذي لم ينسكب بعد…سأطير كفراشة شتائية تستلذ  بحرارة شمس ناعمة..

اقتربتُ من صخرةٍ كي أنزع الوحل الثقيل بمساعدة بعض الزلط…

اختفى وليد عن عيني…

–  وليــــد …وليــــد أين أنت!

لم يكن بجانبي، ولا أمامي، ولم أسمع غناءه

– وليــــد …وليــــد أين أنت!

وردتان شتائيتان  دافئتان دغدغتا خديّ بنعومة، وإكليل من الصفير توّج رأسي ،شقيقة نعمان واحدة لامست شفتيّ ثم قُبلة… ويدان تغمضان عيني…

–         أحبـــــــــكِ..

–         في الوحل!!

–         بل في الوحل، على هذه الصخرة، تحت المطر، والزعتر، وبين شقائق النعمان!

–         أنت غريب هذا اليوم!

رجعنا..بأحذية موحلة.وأنا أفكر،غريب…ما سرّ هذه السعادة التي تساقطت زخات قوية على وليد!

منذ زمن لم يتصرف هكذا! هل رقوده في السرير لثلاثة أيام جعله كائناً آخر!منذُ عدنا وهو صامت للغاية،كان مسروراً جداً بجولتنا الشتائية المخضرة بالوحل والحشائش، ولكنني لا أعرف سرّ هذا التغيير المفاجئ!

قرأتُ وسمعتُ مرارًا أن التغيير المفاجئ عند الرجال في سن المشيب وإن اكتنفه الغموض لا بد أن تكون أرضيته موحلة بشيء ما! ولكن ربما بالفعل أراد أن يقطف بعض الورود! يعني نحن النساء لا يعجبنا هدوءهم ولا عنفوانهم…

فجأةً ناداني..

–         سهــير…سهــير!!

–         ماذا بعد يا وليـد!!

–         حبيبتي…كأس شاي بالنعناع!! لو سمحتِ!!

*******

أحضرتُ له الشاي… ووقفت فوق رأسهِ فوجدته وقد كتُبَ على شاشة الحاسوب…

إذا مَّر يومٌ ولم أتذكر

أن أقولَ لكَ فيه

صباحُكَ زعتر

فمعناه أني

أحبكَ أكثر

صباحُكَ شتاء،

مطر

انهمار

شقائق نعمان

وأنا

–        ياااااااااه يا وليد، كم أنت محظوظ بشقيقـة النعمان هذه!!

الآن عرفت لماذا كان صباحي وصباحُكَ جميلاً إلى هذا الحد…

(باقة الغربية- فلسطين 48)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق