ثقافة المقال

عن القدس والثقافة

جميل سلحوت*

في حضرة القدس الآسيرة والثقافة الطاغية في مسيرهما إلى المجهول المنظور دمارا وحزنا ولوما وضياعا تعتلي سيدة المدائن دفّة الحكاية ويتقافز الآحباء من صانعي مجد الثقافة حضورا بهيا عامرا بالآلق كله وسط ضباب المرحلة وغبار المهزلة وعقوق الآبناء     المأسورين بتقليد الآخر الغريب الساطي بلصوصية مكشوفة تحميها موجات التغريب وقانون الجور العالمي المبني على أشلاء الحضارات وقبور الثقافات . في حضرة القدس تتزاحم أمام بوابة الذاكرة أمجاد كانت وأرادو ا غيابها . تحضر دون استئذان كلمات من سلفوا وبنوا وقالوا وفعلوا وعمّروا في حضرة القدس يبرق برق الذاكرة الحاضرة بذكرى البراق الذي صان السور والمسجد وأسس لبداية يجب أن تتواصل لتكبر وتنمو وتثمر وهي تسلم الراية لمن يليها من الآجيال ولسان حالها ينطق من غير كلام : واصلوا …. في حضرة القدس يحضر ألق الفاروق العادل القوي وهو يقدّم هوية أمة تفعل ما تريد وتعرف ماذا تريد وتقيم عدلا فاعلا ما زالت خيوطه متواصلة إلى يومنا هذا .
في حضرة القدس الأسيرة تتوالى صور المقاومة ولوحاتها العامرة ، ونستذكر بإعجاب حدّة الوعي المبكر بالآخطار التي غيبتها دوائر القرار المشبوه .
في حضرة القدس يحضر الشهداء والأمراءالأمراء والأدباء والشعراء والناس الرائعون الذين باعوا ما يمتلكون على قلته ودافعوا عما يؤمنون بضرورة الدفاع عنه .
تحضر قصائد الشعراء المحذّرة ، وابتسامات الشهداء الساخرة أو الراضية المستبشرة :
يأتي إبراهيم طوقان مذكّرا : وطن يباع ويشترى وتصيح : فليحيى الوطن !!
يأتي أبو سلمى زيتونة فلسطين وتأتي ( فلسطين الحبيبة كيف أحيا بعيدا عن سهولك والهضاب (
يأتي عبد الرحيم محمود حاملا روحه على راحته * ويأتي غسان وماجد وعز الدين وكل الآحياء من عالمهم الخالد إلى عالمنا الفاني ليعلّمونا وينظروا ما فعلت أيدينا
يأتي العلماء * والشهداء * والشعراء .
يأتي الكتّاب والصحافيون والفنانون .
يأتي المنشدون والمطربون والفنانون والقرّاء .
تأتي مجالس العلم في ساحات الآقصى وأروقته . وتأتي مسارح القدس ومدارسها مستقبلة المتعطشين للكلمة والفعل وفنون الأداء * للجمال والكمال والحداء والبهجة المشتهاة أصالة وهوية وصدق انتماء
جاؤوا جميعهم جاؤوا وحطوا أمامي على الورق البارد المسجى ببلاهة وحياد سقيم !! 
نظروا إلى ما سأخطه في يوم الثقافة الوطنية عن مدينة الصلاة والأحزان المغيّبة عن روحها * في وقت تذوب فيه كلماتي خجلا من سيمفونية الصمود في عينيّ أم كامل وعائلة الغاوي وأمهات الآسرى ودموع ربات المنازل المهدومة والمصادرة في كل بقعة من المدينة الحزينة.
القدس اليوم *قدسنا التي لنا * طبق الشهد المصفّى تجذب كل الأجناس وتستقطب كل النظريات …يديرها عقل جهنمي التوجه يطبخ مكائده على نار الهدوء .
القدس اليوم في الوجدان باقية . هي العنوان والمتن وناصية الكلام . هي البداية والمنتهى * ولا تتوجّه الكلمات لغيرها .
والثقافة حاملة الآمال وحارسة الأحلام وحاضنة الرؤى ودرّ الكلام : يكتب الكاتب * ويلحّن الموسيقي * وينشد المنشد . وتدقّ فرق الفنون الشعبية أرض الخيبة لتصحو أو يصحو أهلها ليحافظوا على رسالة البراق في طبق الشهد المصفّى ليعود المعنى أصيلا معافى والمكان زاهرا يحرس عظام الأجداد .
هي مركز الإبداع قبل أن ينسحب أو يسحب . وهي أم البدايات وأم النهايات
هي نفسها القدس التي تهوّد وتؤسرل وتصادر وتسحب وتغرّب هويتها الثقافية بتخطيط لا يقابله تخطيط معاكس في الاتجاه ولا مساو في القوة !!!
صودرت روح المبادرة منا * وغابت روح الانتماء والفعل بسكوتنا ووقوعنا في شرك اليأس والتسليم والاتكال
دعونا الآن نتصارح في حضرة القدس والثقافة ولنجرؤ على إعلان تقصيرنا وسوء تدبيرنا وتصديقنا لمعسول الكلام الذي يخفي السم الزعاف بين كلماته … لنعترف بأننا لا نفهم المقروء * يا لخيبتنا !!!!
في العشرين عاما الأخيرة حلّت بيننا ثقافات غريبة دخيلة على ثقافة القدس الأصيلة * فبرزت ثقافة الطوشة والنزق وانتشر الفلتان الاجتماعي والأخلاقي * ووجد تقليد بناء التجمعات العائلية والقبلية * واعتلت ثقافة اللاثقافة ساحة الفعل المقدسي : الفهلوة والغش والخداع والهروب …..
إنهم يسرقون الإنسان من القدس بالتوازي مع سرقة المكان !!
إنهم يسرقون القدس بناسها وبنائها ومستقبلها … 
لقد غابت روح التطوع من قاموس شبابنا * وتراجع مستوى التعليم والتعلّم والثقافة الروحية وقيم الإنسان المقدسي الوطني … ووجدت ثقافة الإيداع المعلبة ( ثقافة علبة السردين الجاهزة ) مكان ثقافة البحث والتفكير والتحليل والاستنتاج * حتى أضحت الدال اللعينة بالفهلوة والخداع مطلبا نسعى إليه !!
في عام الأسيرة الفلسطينية ما زالت القدس أسيرة . وما زال الانقسام بين شطري الوطن يؤلم إنساننا ويعمّق اغترابه ويدمي قلبه . وما زال الانفلات الاجتماعي المشبوه يعيث خرابا في نسيجنا الاجتماعي وفي قيمنا وثقافتنا ومستقبلنا
لقد انسحبنا من القدس . انسحب فعلنا المؤثر وغابت خططنا وتركنا الميدان للآخر الرابض منتظرا تخلّينا وعثرتنا … 

يلزمنا اليوم مشروع ثقافي شامل صادق يحيط بأبعاد المسألة الثقافية في القدس درّة الوطن وفؤاده وتاج بقائه .
ولأن الخير باق ما بقي الليل والنهار وما بقي إنسان هذه الأرض الصادق فإن المبادرات الشبابية وهي تقرع جدران الصمت والكسل قد وصلت إلى القدس بمبادرات شبابية واعية ومنتمية تعمل على كنس السلبيات من الشوارع والحواري ومن المفاهيم المعطوبة المشوهة .
ثقافة الصمود والفعل المنتمي والقيم هي ما يجب أن يعلو سلّم العمل في قدسنا ….
منذ أكثر من عشرين عاما ونحن نلتقي في أمسية الخميس الثقافية في القدس لنقرع الجدر الصماء * ولنشير إلى أهمية الفعل الثقافي في القدس بمبادرة ذاتية ورؤيا واعية وتوجّه صادق ونحن لا نريد غير رضا الله وخدمة القدس وفق طاقاتنا المحدودة … ولعل هذا من أضعف الإيمان
لقد أملنا أن نبقي خيط الودّ متصلا وخيط الرجاء ممدودا …. فهل نجحنا ؟؟

………………………………………………………………………………

الكلمة التي ألقيت في الاحتفال الذي أقيم لمرور عشرين عاما على ندوة اليوم السابع ( أمسية الخميس الثقافية) في المسرح الوطني الفلسطيني /الحكواتي

*كاتب فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق