ثقافة المقال

خبر الأحاد الأنجلوساكسوني وحروب المنطقة

بقلم: م أمير الصالح

كتب مؤلف رواية “حرب الكلب الثانية ” الحائز على جائزة البوكر للعام 2018 مجموعة عبارات في القسم الاول منها ونقتطف التالي منها:

– ” على الرغم من ان راشد بداء حياته مهتما بقضايا البشر ليس في وطنه فقط, بل في كل العالم….الا ان التغيرات الكثيرة التي عصفت العالم, وشيه الاجماع البشري على الغاء الماضي وذاكرته السوداء , بما يعنيه ذلك من انقلاب كوني للمرة الأولى في المعتقدات …… قد حرص على شي وحيد هو ان لا يخضع لرجال القلعة و ان يخرج مرفوع الرأس ” ص 20 ط الاولى/ دار العلوم العربية 2016.

– ” هو يريد ان يكون مثلهم , وهم لم يؤسسوا القلعة و اشياهها الا ليكون امثاله مثلهم.” ص 23

– ” بالعكس, لأني رأيت ان القوميين الذين بالغوا بقوميتهم قد تحولوا دائما الى فاشيين, وان لم يتحولوا, صاروا نقيضا للمبادئ التي يدافعون عنها دون ان يدروا؛ فاذا كانوا ديموقراطيين متشددين يصبحون طغاة لفرط دفاعهم عن فكرة الديمقراطية ، حين يبدؤون بتناسي جوهرها دفاعا عن تشددهم ، و دفاعا عن بقائهم مدافعين عنها ، و اذا كانوا مع المساواة و الرحمة يصبحون سفاحين ، لانهم يريدون تحقيق هذه المساواة و تلك الرحمة باي و سيلة حتى لو كان الثمن افناء انفسهم قبل افناء الاخرين لكي تتحقق مساواتهم و رحمتهم ، و بالتالي يصبحون وجه العملة الاخر لتلك الفاشية، هم والذين يعتقدون انهم لم يوجدوا الا لمقاومتها” ص 24.

هذه العبارات سطرها الراوي لتعبير عن شخصية “راشد” ، بطل الرواية ، الذي انقلب على قيمه و انخرط في قيم و منظومة “القلعة” . و القلعة هي كلمة اطلقها ابناء عامة الشعب للترميز عن منظومة مباني الأجهزة الامنية القاسية التعامل مع مواطني البلاد في بلد احداث الرواية. ومفهوم انخراط الضعيف في منظومة القوي هي ترجمان ل منطق نظرية ابن خلدون في سفره الاشهر مقدمة ابن خلدون و كتابه الشهير تاريخ ابن خلدون (الاسم الكامل للكتاب هو كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). الا ان مفهوم الانقلاب على القيم السامية ك العدل و رفض الظلم و مقارعة الفساد في ذات الفرد و العمل ضد اصحاب القناعات المشتركة في الزمن الماض شيء فيه المثير من العلوم النفسية و انتكاس النفس البشرية. طبعا قرائتي للرواية ” حرب الكلب الثانية ” جعلني أقسمها الى عدة أقسام لاستنطاق ما يمكن استنطاقه من حكم و فك شفرات. ففي الاجزاء الاولى من الرواية يمكن ان نقول بانها فيها ما يعبر عن بعض لمحات كتاب “السيطرة على الجماهير” و في جزئها الثاني ما يعبر عن رواية ” الرقص مع الشيطان ” و تطبيق عملي للمثل الانجليزي ” if you could not beat them , join them “ ; و في جزئها الثالث منها ما يعبرعن الخيال العلمي science fiction حيث امكانية تفصيل الانسان لنفسه كيفما يشاء و عبر الكاتب عن ذلك من خلال عملية التجميل التي اجريت على سكرتيرته لتكون نسخة طبق الاصل من زوجته سلام ؛ وهكذا ينخرط تقاسيم الرواية الى عدة مواضيع ، الا ان ما يهمني منها هو الجزء الذي يستنطق بعض اليات ” السيطرة على الجماهير ” من خلال سرد نثري ممزوج بعلم النفس و تفاصيل العراك النفسي لذات بطل الرواية في دولة بوليسية تملك تقنيات مراقبة عالية.

و لعل من غريب الطالع في الوقت الراهن هو ان الكثير من شعوب الارض كافة تشعر بمشاعر مختلطة و متضاربة ازاء السيطرة الاعلامية للانجلوساكسون (الامريكي – البريطاني( . ففي الحين الذي ترى ان معظم الروايات العالمية الفاعلة هي روسية المنشأ ترى ان الافلام الامريكية هي المسيطرة اعلاميا . و في الوقت الذي تشاهد بان المفكرين الفرنسيين هم اصحاب المبادرات الخلاقة الا انك تسجل حضور طاغ اعلاميا للعلماء البريطانيين و الامريكان . و في الوقت الذي تقرأ بصمات تجارية تاريخية قوية للهولنديين في تجارة العقار الا انك تشاهد تماهي إنتاجهم و تسويقهم امام الضخ التسويقي الاعلامي البريطاني و الأمريكي. وفي الوقت الذي ترصد بزوغ نجم الهنود الخيالي و الخصب في عالم البرمجيات و الحواسيب الا انك تشاهد انه تجير معظم انتاجهم الفكري للأمريكان و الشركات الامريكية.

هذا التامل يجرنا للحديث عن ما بعد الحرب العالمية الاولى و الثانية و طرق تجيير كل منتصر اعلاميا لانتصار قد يكون هو مشارك في صنعه و لم يكن منفردا في صنعه و ان ادعى اعلاميا ذلك. ففي نهاية الحرب العالمية الثانية، الكل في المعمورة يعلم بالدور الامريكي بسبب الضخ الاعلامي الكثيف و المحترف من قبل الاعلام الأنجلوساكسوني و لكن القلة من الناس بالذات في الوطن العربي تقف على دور الحلف السوفيتي الكبير في دحر النازية ؛ بل يكاد ان يختفي ذاك الدور من ذاكرة الكثير من الشعوب لشحة المادة الاعلامية او لانغماس الجهاز الاعلامي في الاتحاد السوفيتي آنذاك بتلميع صور زعماءه و تفوق الأداء للاعلام الانجلوساكسوني في ترويج مكتسباته.

كل تلكم الامثلة تفيد بان حسن التوظيف الاعلامي من الجبهات الأنجلوساكسونية تعتبر تجربة رائدة و نجحت في سحق الجبهات الفرانكفونية و الروسية فضلا عن العربية و الافريقية لمدة زمنية عتيدة و مازال ذاك التفرد متوجا ؛ مع تنوع وسائط التواصل و نجاح التنين الصيني جزئيا في كسر حاجز الاحتكار على نطاق ارضه ، لا نعلم اذا ماكان قادم الايام سيشهد حروب اعلامية ضروس ام سيستمر الحال على ما هو عليه و تستمر اعتماد شعوب العالم على خبر الأحاد الأنجلوساكسوني في كل اخباره و دولاره و امنه و اعلامه طبقا للمثل الانجلوساكسوني ” if you could not beat them, join them”.
من المفيد ان لا نخلط الحابل بالنابل وان لا يخلط المثقفون والكتاب بين الأصدقاء والأعداء ولا ان يتناسوا او يتنكروا لقضايا الامة وينغمسوا في الصحافة الصفراء والا ينتهي الامر بأبناء الشعوب المنهوبة الزج بهم في “حرب “جديدة على صعيد الاعلام او الواقع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق