ثقافة المقال

العقل العربي ومآلاته -13-

الهزيمة ونتائجها

إن العقل العربي الذي غلب عليه الجانب الفقهي الجامد، لم يصمد أمام العقل الغربي المعتضد بالفكر الرياضي والفلسفي؛ لأن برهان الأخير آني راهن، في حين أن برهان الأول قد كاد يقطع مع الراهنية منذ زمن. وإن اعتبرنا العقل العربي شرقيا (وهو كذلك)، والعقل الأوروبي غربيا، فإننا سنجد أنفسنا أمام صنفين من العقل، سيتباريان في جميع المجالات المعرفية. والواجب علينا نحن من منطلق البحث عن الحق، هو أن ننظر في هذا التباري، بما يجعلنا نظفر منه بالحق في النهاية؛ وإلا فإنه العبث الذي يقضي على معنى العقل، والذي قد بدأت دائرته في الاتساع في عصر الحداثة، ليستفحل أمره فيما بعدها، بحسب الاصطلاح.

وقبل أن نستمر في الكلام، فلنعد إلى معنى الشرق والغرب من جهة العقل؛ لنقول إن العقل الشرقي يتراوح بين العقل الإشراقي والنبوة؛ وهذا هو ما جعل ظهور جل النبوات في الشرق. وأما العقل الغربي، فهو العقل المنوط بالمظاهر الكونية والقوانين الناظمة لها؛ لذلك فهو عقل كفري في غالبيته. هذا من جهة الظاهر والعموم؛ وأما من جهة الباطن وخصوص الأمة، فإن العقل الشرقي شرعي ظاهري؛ والعقل الغربي (المسلم)، عقل ولائي غيبي. وإن عقلين متمايزين، يغلب على أحدهما عكس ما يغلب على الثاني، لا يكونان إلا خصمين (بالمعنى المعرفي) إن وُجدا في حلبة واحدة.

ولما كان العقل العربي في أضعف حالاته عند دخول العقل الغربي في عصر نهضته، نتج عن هذه المواجهة تأثير للعقل الغربي على نظيره الشرقي، لا زال ساريا إلى الآن. وإن أهم ما أصاب العقل العربي عند انهزامه ما يلي:
1. أصبح كل علم يأخذ مكانته في حياة الناس، يكون ذلك بحسب ما يُدركون منه عن طريق البرهنة أو التجربة فحسب. وهذا سيُصادم منطق التسليم في مجال الدين، وسيدفع علماء الدين أنفسهم إلى تكلف منطق فكري له، توهموا معه أنهم به قد يُجددون الدين، ويجعلونه مسايرا للعصر. من ذلك، منطق الإعجاز العلمي في الوحي، الذي شاع في زماننا. والعلماء في الحقيقة، ما زادوا على أن أضعفوا المنطق الديني لدى الناس؛ خصوصا إن علمنا أن من العلوم الدينية، ما هو فوق العقل نفسه، وإن كان هذا العقل في أعلى مراتبه المجردة.
2. لقد أُعطيت الأسبقية في حياة الناس، لما هو ظاهر ومادي ملموس، على حساب ما هو غيبي. وهذا فيه انحياز مخل، لا يخدم الغاية القصوى، التي هي إصابة الحق، كما هو في نفسه؛ خصوصا إن علمنا أن من المخلوقات الطبيعية، ما لا يُدرك بالحواس، كالجن؛ والأمثلة كثيرة في هذا الباب. وهذا يعني أن العقول ستقصر عن إدراك شطر من المحسوسات في النهاية، فضلا عن قصورها عن إدراك الغيب ذاته.
3. ولقد كان لكل ذلك، نتيجة سياسية حتمية، هي الخروج من الدولة الدينية (خلافة أو ملك)، إلى الدولة التي تُدار بما يتوافق عليه الشعب (نظريا)، وإن كانت محض استبداد. ولقد عمل على تأسيس هذا التحول، نظام التعليم الموروث عن المستعمر، والذي حمل في طياته الخلفية الفلسفية الخاصة به، من دون أن تعي الشعوب العربية ذلك في البداية.
4. انحصار اعتبار الفوز والخسران فيما هو دنيوي محسوس. وهذا سيُضعف الإيمان بالآخرة لدى الشعوب، ليصل إلى أدنى حد له في المرحلة التي نعيش. بل إن المنفعلين على التمام لهذا التوجه، قد ألحدوا (نبذوا الدين) وصاروا من أتباع العقل الغربي، دون أن يبلغوا التغرب التام، الذي يكونون به غربيين. وهذا من أعجب ما يكون، لو تفطنوا!…

إن دخول العقل الغربي على الشرقي بهذا العنف، لن يُنهي الصراع بينهما، كما توقع الغربيون وأتباعهم، في مدة قصيرة؛ بل سيفتح موجات من المواجهة، ستزداد حدتها، مع بدوّ عجز العقل الغربي عن تفسير كثير من الظواهر الكونية؛ وعن ضمان قدر من تحكم الناس في حياتهم، بحسب ما يقتضيه المنهج الفكري؛ وإلا، فإن الأمر يحتاج إلى إعادة نظر من الجميع، وفي كل شيء…

إن الماديين، لا بد أن يكونوا قد لاحظوا تغير النظريات الفيزيائية، من النيوتونية، إلى النسبية، إلى فيزياء الكم، إلى غير ذلك مما لا ينتهي… إن النظريات التي كانت تؤسس لثبات المادة، حتى يثبت بها غيرها مما هو منبثق عنها، قد انتهى بعضها؛ بعد الغوص في الذرة بدءا من البروتون والإلكترون، ومرورا بالبوزون، إلى الفراغ، بحسب بعض الفيزيائيين. فإن كان الفراغ أصلا للمادة، فماذا سيبقى من المادة، بحسب التصور العام؟!…

إن العلوم المادية الخاضعة للتجريب والقياس، رغم التقدم الحاصل فيها، لم تساعد على الإجابة عن الأسئلة الوجودية؛ بل قد زادت من إلحاحها؛ لدى العلماء على الأقل. وإن الموت الذي ينتقل معه العباد من هذه الدنيا، التي عُلم منطق فيزيائها، إلى عالم ذي فيزياء مخالفة، لا بد أن يجعل الناسَ يعيدون النظر فيما كان من الثوابت لديهم، عندما تصير متغيرات!… من يمكن أن يُكلّمنا عن النفوس بعد الموت؟… وعن صفاتها والعلاقات التي بينها: الجاذبية، والتنافر، والأحجام، والنفاسة، والتركيب، وغير ذلك؟… أما من لا يؤمن بما بعد الموت، فلا كلام معه؛ لأنه يشبه الأعمى الذي ينكر الأشياء، لكونه لا يراها هو فحسب. وهذا المنطق، لا يُعتبر إلا عند أهله، إن كانوا قد جمعوا بين الحمق والعمى جميعا؛ وإلا فإن العاقل سيستدل بإدراك غيره من الناس على المبصرات ذاتها، التي لا يُدركها هو.

إن العلوم التي لا تُجاوز الدنيا، والتي هي مع ذلك نسبية وجزئية، لا يُمكن أن يُعتدّ بها، في عالم الأبد؛ ما دمنا نشاهد بالحس قِصر مكوثنا في الدنيا، ولا نشك فيه!… أيكون العلم متعلقا بما هو وقتي، مع تمام الجهل بما هو أبدي باق؟!… لا بد أن الإجابات عن هذه الأسئلة تعود إلى مقدار إدراك المرء للوجود، بما هو وجود؛ لا بما هو ظرف لحياة أولى…

رغم كل ما يقال وما يُظن، فإن العقل الغربي من أجهل العقول بالحقائق؛ والعقل العربي له في مقابل ذلك باب إليها، لو أنه عرف قدره، ولم يلهث خلف الأول يقتدي به على غير بصيرة…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق