ثقافة المقال

المثقف الثوري..الرائد لا يكذب أهله

أسعد العزوني

المثقف الثوري هو الحالة المتفردة في الراهن ،وهو الذي يستحق أن يوصف بأنه “الرائد الذي لا يكذب أهله”،لإتصافه بصفات النزاهة والشفافية والإلتزام بالقضية التي نذر نفسه للدفاع عنها ،وإمتلاك رؤية واضحة تتعلق بتلك القضية ،ويمتاز هذا المثقف بالثبات على الموقف ،والبعد عن الإنتهازية والسعي لتحقيق المكاسب الضيقة ،على حساب العام.
هذا المثقف هو أيضا من يستطيع الإجابة على الأسئلة الحرجة ذات العلاقة بالواقع أو لنقل على أسئلة الثورة وهي:ماذا بعد في اليوم التالي ؟ وإلى أين؟ وماذا نريد؟وكيف نحقق الطموح؟ وبطبيعة الحال فإن الأجوبة المقبولة هي تلك التي لا تتسم بالتعقيد ولا بالطوباوية ،وتبتعد عن الحماقة لعدم إمكانية التطبيق.
سؤال الثورة الأول هو :ماذا بعد في اليوم التالي؟ يتطلب إجابة دقيقة فمثلا في حال حققت الثورة إختراقا ما على أرض الواقع ،كتحرير مساحة صغيرة ،أو تحقيق إختراق ديبلوماسي مهم ،كأن تنجح الثورة في إستمالة قطب دولي كبير إلى جانبها ،يتم طرح مثل هذا السؤال ،ولا يستطيع الإجابة عليه سوى المثقف الثوري الناضج.
أما سؤال الثورة إلى أين ؟فإن جوابه يكون حسب معتقد وإيمان المثقف الثوري هو الإستمرارية في النضال مع الثبات على المواقف ،وعدم التفرد في إتخاذ القرار من أي قائد مهما بلغت رمزيته عند الشعب ،فهو في نهاية المطاف يبقى شخصا واحدا وإن كان يمتلك عقلا كبيرا ،وهذا لا يمنعه من التشاور مع الآخرين من القيادات السياسية والعسكرية الميدانية والمثقفين الثوريين الذين لهم رؤية واضحة.
يعمل المثقف الثوري على إنجاز البناء الفكري النظري والعملي للثورة ،ويعمل وفق إطار النظرية والتطبيق ،ويعمل على تفحص النظرية جيدا وبدقة لضمان تطبيق سليم ،وإلا أصبح هناك خلل كبير يعيق المسيرة ويخلق لها المتاعب ويحرفها عن مسارها الصحيح بتعطيل بوصلتها ،وهو الذي يثبت للجميعأن بندقة الثورة ليست قاطعة طريق ،وان الثوار ليسوا لصوصا،وفي حال تعطلت البوصلة فإن الهدف لن يتحقق ،فحذار من”النطنطة”في إتخاذ القرارات بعيدا عن إستشارة المثقف الثوري.
يؤمن المثقف الثوري إيمانا منقطع النظير ،ويعمل على تعميق نظرية النقد الذاتي والنقد في أوساط الثورة ،بأن يكون النقد الذاتي أي محاسبة وسؤال الذات قبل محاسبة وسؤال الآخرين ،وعندها نضمن مسلكية ثورية ولا أصلب ،تكون قائمة على أسس سليمة مدروسة ومتخذة بروية بعيدا عن الإنفعال.
يتقن المثقف الثوري فهم الإستراتيجية والتكتيك ،ويعمل على خلق علاقة موازاة بين الطرفين بحيث لا يطغى طرف على آخر، حتى لا تختل المعادة ونجد أنفسنا أسرى للعبث ،فالإستراتيجية هي رديف التكتيك والعكس صحيح ،إن نحن أحسنا إستغلالهما ،ليخدم كل منهما الآخر .
يركز المثقف الثوري على أهمية القضية وقداستها ،وليس على أهمية الرمز وقداسته ،وفق نظرية الثابت والمتحرك ،والثابت هنا هو القضية بينما الرمز يندرج في خانة المتحرك ،لأن القادة يروحون ويأتون بينما تبقى القضية ثابتة ،ولذلك فإن المثقف الثوري يكون معنيا بعدالة القضية والحفاظ عليها وصنع سياج قوي حولها ،ربما ليحميها من الداخل لأن عدو الداخل هو الأخطر.
يمتلك المثق الثوري نظة ثاقبة لكافة الأمور التي تتعلق بالقضية وهو الدليل للقيادة من أجل السير في الطريق السليم ،وحمايتها من الإنخداع بطروحات البعض ووعودهم الزائفة التي تودي بالقضية إلى الهاوية كما هو الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية ،التي إرتهنت لوعود الصهاينة العرب بأنهم يضمنون الموافقة الأمريكية على إقامة دولة فلسطينية في حال تنازلت القيادة .
يناط بالمثقف الثوري أيضا مهمة صعبة وهي إعداد جيل ثوري سليم صلب ،ويكون ذلك بالإختيار السليم والتركيز على الأطفال ومواصلة تثقيفهم ثوريا من خلال المحاضرات وورش العمل ،والنزول إلى أرض الواقح لحمل السلاح ليكونوا على وعي كامل بالنظرية والتطبيق ،ويتوجب هنا تثقيفهم جيدا حول الأسس السليمة للتعامل مع الجماهير الذي يعدون حواضن الثورة وحماتها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق