ثقافة السرد

(عذبة) رواية المأساة الفلسطينية- جزء- 22

صبحي فحماوي

كانت جارتنا أم بهجت المريضة بفقر الدم تناديني وتعطيني قرشين ونصف، لأشتري لها طحالاً من عند اللحام أبو درويش، لأنه مليء بالدم حسب قولها، وكنت أحضره لها، فتكافئني بقولها: ” الله يرضى عليك يا عماد. ” وكان جارنا أبو حارث يعود إلى خيمته، وهو منحني الظهر، هزيل الجسد، يلبس معطفاً ورثه من بقجة وكالة، يلتف به في عز الصيف ليقيه من مضاعفات مرض السل الذي يفتك برئتيه، والذي صار ينتشر بين الكثير من الفقراء. لم يكن يومها مرض اسمه إيدز، ولا جنس رخيص، ولا نيلة تتسبب بانتشار المرض! ولكن هناك جوع يجعل مرض السل يتسلل إلى عظام الجوعى، وأبو حارث يتسلل إلى خيمته، متثاقلاً بانكسار، وهو يحمل بيده ضُمّة فجل، اشتراها بقرش.
داخل الخيمة، حضّرت أم حارث مائدة الطعام، فوضعت ملعقتين من دبس التمر العراقي، في دبسيّة واسعة، وأضافت إليهما كأس ماء وملعقة سكر، وحرّكتهما، ثم وضعت الدبسيّة والفجل على صينية قش مخصصة للطعام، إلى جوار رغيفي خبز، وجلست العائلة المكونة من ثمانية أنفار، لتناول ذلك الغداء، وعندها دخلت الدرويشة أم جمعة، فقالت لأبو حارث بلهفة وحسد: ” ولّ عليك يا ابو حارث! هذه صينية دبس ملآنة “! فقال لها أبو حارث بصوت معلول:” يا درويشة، دبساتنا ماء “! فتحوّلت الدرويشة إلى أم حارث، التي كانت تجحظها باحتقار: ” سمعت أنك ستغادرين المعسكر إلى الصحراء الشرقية”! فقالت أم حارث مقهورة:” سنذهب نحن ثلة من النساء للحصاد، لعلنا نعود بشيء يسد رمق أطفالنا الجياع! ماذا نفعل لإطعام هذه الأسرة المعدمة! مضطرة للذهاب والعمل في الغربة، فلقمة خبزنا مغمسة بالعرق والدم!”
لم يدخل كل هذا الكلام عقل الدرويشة، التي لا تفكر إلا في طلباتها، فقالت لأم حارث: ” ماذا ستحضرين لي معك هدية من هناك؟ ” وكانت أم حارث في تلك اللحظات تفكر بالشقاء، وفي حرارة صيف الصحراء، وحشرات البرغش التي تدخل الآذان، والإهانة والتعب والمرارة، والأفاعي المختبئة تحت غمار القش، وضغط صاحب العمل الذي لا يرحم، والنوم ليلاً على حصيرة مشققة، هي الفراش، وهي الغطاء، في العراء، وما يتبعها من معاناة، تتعرض لها النساء العاملات، والباحثات عن لقمة عيش شريفة! فكادت تنفجر وهي تسمع طلب الهديّة، وتلاحظ عين الدرويشة الفارغة، تحسدهم على ملعقتي دبس، مذاب في الماء، كغداء لعائلة كاملة! فقالت لها ساخطة:” سأحضر لك من هناك جن يركبك ! ثم قالت لها مهاجمة: ” امشي اطلعي من هون! إمرأة لا تستحي!” فخرجت الدرويشة مولولة، وهي تهذي بكلام لا يُفهَم منه شيء ! أكل أفراد العائلة غداءهم، وحمدوا الله الذي لا.. !
وفي ليلة معتمة ليس فيها ضوء قمر، صرخت أم سيف بأعلى صوتها:”يا خيبتك يا ام سيف! يا خيبتك! ياباييه! يابييه! ياناس ياعالم! تعالوا شوفوا”! صحا الجيران، وهجم والدي، وتبعناه إلى الحارة خلف بيتنا، كان صوت أم سيف يلعلع، وهي تصرخ وتولول، خارجة من دكان زوجها أبو سيف، وعندما واجهها أبي، وحوله عدة رجال ونساء وأطفال من أهالي الحارة، قال لها:” ما الموضوع يا امرأة “؟ فصرخت قائلة: ” أبو سيف النجس! مسكته مسك اليد في الدكان، مع محاسن، مرت أبو الفهد! ليش! ليش! ليش يا عمي؟ ولا أنا بشعة، حتى يدوِّر على غيري “؟ وفي فورة دم، شقّت أم سيف ثوبها من فوق نهديها، فقفز من ثوبها المشقوق بدران أبيضان يشعان نوراً في عز الليل أمام الملأ! وقالت:” شو مالي يا عمَّي؟ عاطلة، على شان يدوِّر جوزي على واحدة غيري”؟ فضربها أبي على وجهها، وقال لها: “روحي انضبي، واستري على حالك يا امرأة! امشي! هذا حرام، حرام”! لم تكن الأحداث بالألوان، لأن الليل بهيم، فعادت أم سيف إلى بيتها وهي تلطم خديها وتولول، ولكن بصوت أخفض من ذي قبل. وبسرعة التأم الجرح، وتوقفت الفوضى في الحارة، وعاد الناس إلى بيوتهم، ودخل والدي إلى دكان أبو سيف، فوجده جالساً، ورأسه في الأرض، فقال له:” مالك يارجل، وما هذه الفضائح”؟ فأجابه أبو سيف ورأسه في الأرض:” لعنة الله على الشيطان، يا أبو عنان “! وعندما أحس بحرجه، سأله أبي:” ماذا حصل”؟ فأجاب بصوت مهزوم:”جاءت محاسن، امرأة أبو الفهد تشتري، وأنا كنت نائما في الدكان، وأنت تعرف الليل يغري، والمرأة جميلة، وشابة وحامية! وأنا لم يكن أمامي إلا الاستسلام!ولكن أم سيف جاءت في الوقت ال.! استغفر الله العظيم”! ومن يومها منعت أم سيف زوجها من النوم في الدكان منفرداً، إلا مع محرم من أولاده، سيف أو أحد إخوته. كانت دون ترتيب معلن تجعل أحد أولادها يرافقه في السهر في الدكان، ثم النوم إلى جواره، بحجة أن أباهم بحاجة لمن يسلِّيه، أو يساعده أو يقف معه. ومن يومها استسلم أبو سيف، ولم تعد محاسن للشراء من ذلك الدكان، إلى أن أخذ الله وديعته، بعد عمر مليء بالمتاعب .
في موسم قطاف الزيتون يا عذبة ذهب ماجد حسن نصار، هو وصاحبه علي حامد، للبحث عن عمل في مزارع قرية أنصار19، وعلى الطريق مرّا برجُل “وطني”، كبير السن، هو وزوجه، يقطفان ثمار زيتونهما، فعرض عليهما ماجد أن يعمل؛ هو ورفيقه معهما بالأجرة، فوافقت المرأة، فعملا بقطف ثمار الزيتون، من الصباح وحتى المساء. وعندما غابت الشمس، أعطت المرأة الوطنية لكلِّ منهما أجرته، عبوة صحن صغير من ثمار الزيتون، وقالت لهما: ” مع السلامة “! فدهش ماجد وعلي .وقال ماجد للرجل العجوز:” هذه الحبات التافهة، هي أجرة طوال اليوم من العمل الشاق”؟ فنهرهما الرجل صائحاً: “انصرفا من هنا! أولاد لاجئين! ووقحين كمان”! فانصرفا خائفين من بطش جماعة الوطني، ولكنهما توقفا بعد مسافة قصيرة، وتناقشا في الموضوع، فقال ماجد:” معقول نرجع إلى البيت، ومع كل منا أوقية زيتون، أجرة شغل يوم كامل “؟
“مش معقول طبعا”! أجاب علي يائساً. “ولكن ماذا نفعل؟ ما باليد حيلة “! فأشار عليه ماجد:” اسمع يا علي، الآن الوقت مساءً، والرجل العجوز وزوجته في غفلة من جمع أشيائهم. ما رأيك أن ندخل المزرعة، فنقطف ثمار زيتونة واحدة، ونأخذها أجرة لنا؟”
” نسرق!” قال علي خائفاً ! “ليست سرقة يامغفل”! ضحك ماجد ليخفف من رهبة الفعل “هذا حقنا! لو أعطيانا أجورنا، لما أخذناها بالقوة”! فقال علي:” والله فكرة “! فشجعه ماجد بقوله ” يا الله”!
انحرف ماجد وعلي من على الطريق، ودخلا المزرعة من جديد بعيداً عن أعين العجوزين، وقطفا ثمار شجرة صغيرة، كانت قطوفها دانية، ففرحا بتعبئة أكثر من ثلاثة كيلو غرامات لكل منهما، وقبل أن يخرجا من جاذبية شجرة الزيتون، فاجأهما وجهاً لوجه، شاب عملاق كالبغل، يصرخ فيهما …فهما أنه ابن صاحب المزرعة!: ” شو بتعملوا هون” ؟ قال البغل، “بتسرقوا”! تجمد الدم في عروق الصغيرين عندما أمسكهما البغل من عنقيهما! ” امشوا قدامي يا أولاد الـ…. لاجئين خونة، ادخلا معي هنا” !. حشرهما في مغارة داخل المزرعة، وانهال عليهما ضرباً، بلكمات قوية بيديه، وركلات برجليه . كان الصغيران في الثالثة عشرة من العمر، والبغل في السابعة والعشرين! لم يقاوما ضرباته، لأن المقاومة هناك تعني الموت! فهما في مغارة مهجورة داخل مزرعة زيتون جبلية، لايعلم فيها إلا الله والضباع التائهة. وبعد أن أنهكهما من الضرب، جلب حبلاً طويلاً، فربطه حول كتفي وذراعي وقدمي كل منهما. كان الظلام دامساً، فخرج البغل من المغارة، ولم يتركهما مربوطين فقط، بل نقل حجارة كانت مكومة أمام باب المغارة، وبدأ يبني سلسلة من الصخور، فسد فوهة المغارة، وقال لهما:” غداً سأرجع، وآخذكما معي إلى الشرطة، ناما هنا يا لاجئين، يا أولاد اللاجئين.” وبعد نصف ساعة، برد الدم في عروق ماجد وعلي، فنهر ماجد رفيقه قائلاً:”ماذا سنفعل؟ أتريدنا أن نموت هنا داخل المغارة”؟ فقال لاعلي:”ما نستطيع أن نفعل ؟”
” ساعدني وفكّ وثاقي بأسنانك ، وأنا أساعدك فأفكّ وثاقك بأسناني.” وبعد ثلاث ساعات من العمل الدؤوب، تمكنا من فكِّ وثاقيهما، وأن يدفعا صخور باب المغارة، ويخرجا منها، أشباح طفلين يافعين .المضحك أن البغل ترك آثار الجريمة في المغارة، ترك ثمار الزيتون التي سرقاها بجوارهما، كي يأخذوها معهم صباح غدٍ إلى الشرطة، لتشاهد الشرطة فظاعة سرقات أولاد اللاجئين! حمل ماجد وعلي ثمار الزيتون التي قطفاها عنوة ، كأجور عمل، إضافة لأوقية الزيتون الـ…، ونزلا من الجبل إلى الشارع. كان الوقت قبل منتصف الليل بقليل، حيث قابلهما جمع من أهاليهما، يحملون المشاعل ويبحثون عن طفليهما.
في الدكان المجاور لبيتنا، كان أبو سيف صاحب الدكان يلعب (المنقلة) مع الأستاذ فالح، بحضور جابر البخاري، الذي كان يراقب لعبة المنقلة، ويسمع حوار الرجلين، وكنت عندما أشاهد فالح وأسمعه يتفلسف في أي مكان، أنصت لحديثه، لعلِّي أسمع منه جديداً، ويومها كان يقول لأبو سيف:” هذا والي غربستان الذي يزور القدس حالياً رجل مش وطني “! فقال أبو سيف وهو يوزع الحصى على جُوَر المنقلة:” ليش يا رجل؟ والي غربستان، كان قائداً شعبياً ضد الفرنسيين”! فقال فالح وهو يراقب دِقّة أبو سيف في اللعب:” تصور يا رجل أنه اليوم يُصرِّح بالقلم العريض وهو يزور القدس قائلاً: أتمنى أن أرى القدس موحدة الأديان للعرب واليهود! القدس يا رجل عربية منذ سبعة آلآف سنة، والمسيحيون كرّمهم عمر، فجعل حُرّاس كنيسة القيامة من المسلمين، ليحفظ حقوق أهلها، والمسيحيون أنفسهم، طلبوا من عمر أن لا يسكن القدس يهودي واحد، حسب العهدة العمرية. فكيف بدُّه إياها هذا الوالي الغربستاني أن تصير يهودية، كما هي للمسلمين والنصارى”؟ فقال له أبو سيف:
” إذا قال هيك، فعلاً إنه مش وطني”؟ وأعاد فالح تأكيد وجهة نظره قائلاً:
” أكيد إنه مش وطني”! فتدخّل جابر البخاري قائلاً:
” هو يا جماعة والي غربستان؛ وطني، ولاّ لاجي؟”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق