قراءات ودراسات

الحاج محسن علي بيج: وطنيٌّ مجاهد، أبدع في (الأدب الشعبي والعمارة)

جليل الخرزجي

مدينة النجف الأشرف التي تشرفت بمرقد أبي الأئمة علي بن أبي طالب (ع) قد وهبها الله منازل وشؤوناً لا تعد ولا تحصى، وواحدة منها قول الرسول الأعظم (ص): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) حيث توافد عليها طلاب العلم والفقه من مشارق الأرض ومغاربها فشيدت فيها مدارس ومؤسسات وجامعات علمية ودينية وثقافية تخرج منها العديد من العباقرة والعلماء وأمراء الشعر والخطابة، كما كان لدواوين النجف ومجالسها الأدبية الفضل في ظهور الكثير من الأدباء والشعراء – ومنهم شعراء الأدب الشعبي الذي كان مألوفاً قبل قرن من الزمان في النجف، ومحسن علي بيج واحداً منهم، فهو من مواليد 1907م، محلة العمارة، النجف الأشرف. لقد ولد وسط عائلة عريقة عربية مسلمة معروفة بولائها لوطنها ودينها محُبة للنبي وآله الطيبين..

ومحسن علي بيج هو ابن احد مجاهدي ثورة العشرين الذي قاتل المستعمرين الانكليز أثناء فترة احتلالهم للعراق، وطه ابن عباس كان فناناً بالعمارة والريازة الهندسية للبيوت والجوامع الإسلامية.

ولد في بيت جده (علي بيج) المسمى حينذاك بالبيت الكبير الذي يضم أكثر من عائلة وأخويه وأولاد عمه وأولادهم في محلة العمارة (رأس أربع عگود) وهي أزقة عددها أربعة تتقاطع بالقرب من بيت جده، وقد أدركت هذا البيت قبل خمسة عقود من الزمان، أما الآن فلا وجود له ولا للمنطقة بأكملها وذلك لإزالتها من قبل نظام طاغية العصر صدام حسين كونها معقل الثوار والعلماء والشعراء والفقهاء والعقلاء والفضلاء.

فترعرع الحاج محسن علي حب العمل وفنون البناء، ولما بلغ عمره ست سنوات ختم القرآن الكريم لشدة ذكائه وفطنته وذلك على يد الشيخ قفطان الذي كان يُدرّس في مسجد (النجارين) بسوق العمارة بجانب المدرسة الدينية المسماة بمدرسة (الخليلي). ولما بلغ عمر الشباب اشتغل مع أبيه أسطه طه بن عباس بالبناء وكان من حسن الصدف أن أمير الشعراء الشعبيين (عبود غفله) يعمل مع عمه خضير بن عباس وابنه علوان بن خضير والآخر شاعر شعبي ولكن لم يصلنا شيء من شعره، فكان أمير الشعراء الشعبيين (عبود غفله) والمرحوم علوان خضير يتباريان بالقصائد والمواويل، فكان الحاج محسن يحفظ ما يسمع منه ويكتبه بعد العمل حتى صارت عنده قريحة ورغبة في نظم الشعر.

بعدها أخذ يكتب الشعر ويعرضه على المرحومين عبود غفله وابن عمه علوان حتى حصل على التشجيع والدعم منهما وأصبح لديه خزين ادبي من الشعر الحسيني فكتب القصائد والمواويل والابوذيات والقريض بحق آل البيت (عليهم السلام) وبكل الأغراض وهو ما زال يعمل في البناء إضافة الى إبداعه في هذه المهنة حيث له واجهات مزخرفة لبيوت الله كالمساجد والأضرحة والحسينيات بفن وريازة معمارية إسلامية جميلة، وفي هذا التزاحم بين فن العمارة البناء والأدب الشعبي الحسيني أطلق لسانه الأدبي بذكر آل بيت النبوة (عليهم السلام) فأبدع بين الفنين (الأدب والعمارة). كيف لا وهو من عائلة معروفة بالفن المعماري والزهد والإيمان والأدب حيث أن عمه خضير وابن عمه علوان كانا شاعرين معروفين في زمانهما، ثم أن عبيد وهو جَدْ شريف الذي سيأتي ذكر نسبه، قد أوقف بيته فجعله مسجداً والآن يعرف (بمسجد عبيد الجبري) يقع في سوق الحويش مقابل مسجد الهندي، وقد زاد في صقل إمكانيته الشعرية أمير الشعراء عبود غفلة وقد رثى ابن عمه علوان بن خضير ببيت ابوذية:-

مجاني وياك يا علوان

ولفه

الك نعش ومال للغير

ولفه

گضه علوان سنة النون

ولفه

مضه للخلد ألف وثلثميه

مواقفه الوطنية:

له مواقف وطنية نابعة من حبّه للناس وأمن بلده، وعند صباه عندما أحتل الانكليز البلاد – كان الحاج محسن يحمل العتاد والطعام (بالزبلان) الخوص ويغطيها بالجص ليوحي الى عسكر المحتلين على أنه مادة جص لعمل البناء، وهكذا يوصل الطعام والعتاد والأخبار الى المجاهدين الثوار.

نسبه:

فهو محسن بن طه بن عباس بن علي بيج ( وبيج) وسام حصل عليه جده (علي) لإبداعه في فن البناء والزخرفة والريازة الإسلامية بالصحن الحيدري الشريف وصحن الحسين (ع) وبناء قبور الشهداء فلقبه الوالي التركي آنذاك لقب (بيك) وهي مرتبة رفيعة كنوط ووسام، فعلي بيج بن محمد بن شريف بن عبيد بن جبر الجبوري وعبيد هو الجد الأول الذي أنتقل إلى النجف من مدينة القاسم بالحلة وعمل ببناء أسوار النجف كأسطة للبناء.

إذن نحن أما شاعر وأديب قدير له أساس متين من البراعة الفنية والأدبية التي صقلت مع أساتذة الأدب والشعر آنذاك فكان من نتاج ذلك انفتاح قريحته بالشعر، فالنجف مدينة دينية علمية أدبية تحتضن فطاحل العلماء والأدباء والشعراء والذي كان الحاج محسن أحدهم، يقول ابن أخ الشاعر الحاج أحمد بن شاكر بن طه: لما لم يتسنى لنا جمع كل قصائده التي نظمها عبر ثلاثة أرباع القرن سوى قليل مما تمكنا جمعه وحفظه في آخر أيام حياته، حيث أكثر قصائده يهديها إلى القراء والرواديد والأصدقاء لكي ينال الثواب ولا يكون مرائي حسب ما كنت أظنه، فقد رحل وأبقى مآثر طيبة في فن الزخرفة وعشرات القصائد والأذكار الدينية والمواليد لآل البيت (عليهم السلام) وأكثر من سبع حجج الى بيت الله الحرام وعنده ولد واحد فقط وهو يحيى الذي وافاه الأجل قبل أبيه بحادث مروري.

رحل مودعاً هذه الدنيا عند عودته من الحج عند الحدود العراقية – السعودية في 18/ ذي الحجة سنة 1418هـ الموافق 18/4/1998م.

لذلك سعى ابن أخيه الحاج أحمد بن شاكر بكل جهده يجمع وترتيب ديوان الحاج محسن علي بيج وإخراجه وفاءً منه لعمه الراحل وهو في طريقه الى الطبع، والحاج أحمد لم يسعفنا بنماذج من شعر عمه عندما طلبت منه وقال: سوف يصدر الديوان الأول قريباً ويتم توزيعه.

وهكذا هي مدينة النجف كانت وما زالت منجماً للشعر والشعراء….     

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق