ثقافة السرد

على حافة الجنون

 غادة عبدالله ناجي*

تسللت بخفة كعادتها عازمة على أن تمدهم بقليل من دفئها…أجسادٌ ملقاة ﺑﺈﻫﻤﺎﻝ على ﺃرصفة الشوارع وﻓﻲ ازقة الحارات…بذلت جهداً مضاعفاً لتتغلغل بخيوط ﺃشعتها الحارة متجاوزة ما بعد مسامات بشرتهم المتجمدة و برغم صعوبة هذه المهمة ها هي تنجح أخيراً ويبدأ الدفء يدب في أطرافهم .
استفاقوا مستهلين يوماً جديداً في البحث عما يضمن بقاءهم على قيد الحياة.
أسرع احدهم صوب برميل قمامة يقع بطرف الشارع غير أن الذباب كان اسرع اليه،كميات مهولة منها محشورة في كل جزءٍ ﺑﺪﺍﺧله ،حملقت ﻓﻴﻪ متعجبةوهي ترسم سؤالاً بديهياً :” كيف لهذا المخلوق أن يشاركنا هذه القذاره”؟؟.!!!
عبر آخر الشارع كان أكثر حظاً من رفيقه فقد جاد عليه ﺃحدهم بما تبقى من طعام ﺇفطاره عقب انتهائه منه في أحد المطاعم.
ثالثهم ذهب هو الآخر في مهمة البحث عن طعامه تلك المهمة اليومية الشاقة وها هو يلمح فجأة بضع حبات خبز متعفنة ملقاة على رصيف الشارع غير أن كلب الحارﺓ الجائع أيضاً نافسه عليها.
نظرات مشتركة بينهما أظهرت استماتة كل طرف منهما في سبيل ما حصل عليه . أخيراً توصلا لإتفاق بينهما وأكلا منها سوياً !!
مضى كلٌ في طريقه لايعرف أحد منهم أين يذهب،ولماذا، وكيف،وأين ؟؟
فقط مستمرون في المضي قدماً شبه عراة وحفاة يقطعون المسافات الطويلة سيراً على أقدامهم المتصلبة ﻛﺎﻟﺼﺨﺮ ، ﻭكما لو كانوا يملكون أحذية بالفعل.
أطل شخص من نافذة سيارته ليرمي أحدهم بسيل من الشتائم عند قطعه الشارع “كيف تجرؤ على قطع الطريق واعاقة تقدم سيارتي أيها المجنون الغبي..ماذا لو اصابها شيء ما بسببك” ؟؟
في مكان آخر ترى أطفال الحارة يلعبون ، أصبحت لعبتهم المسلية جداً عندما يثيرون أحدهم فيفقد أعصابه ويبدأون بملاحقته وسط ضحكاتهم المجلجلة يركضون ويحومون حوله بإستفزاز ويشاركهم أحياناً بعض شباب الحارة ورجالها
“انها لعبة مسلية بحق”.
هكذا يختمون كل مطارة بعد أن يبلغ بهم الاجهاد مبلغه .
هنا يظهر الاذكى بحسب ما يرى هو حين يغافل أحدهم ويسرق منه لحافه البالي الذي يقيه بعض برودة الليل. أخيراً تودعهم الشمس بحزن معلنة انتهاء يوم شاق آخر من عداد أيامهم الباهتة .
آلياً يعودون لأماكنهم التي غادروها صباحاً بشوق وألم بعد أن يكون كل منهم قد أثخن ضرباً أو جوعاً أو إهانة
لهفتهم في العودة تشعرك بأن برودة الليل وقسوته مساءً أخف وطأة عليهم بالرغم من لطف الشمس ودفئها صباحاً .

*كاتبة من اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق