ثقافة السرد

صفحات نفس -4-

رواية ننشرها مسلسلة

مامون احمد مصطفى

المضاد دخل جسدي ، تبرعم ونمى وكبر وتجذر، كان عليكم أن تتركوا الصفحات والأسطر، وتعلنوا شفقتكم وتعاطفكم معي، حتى يمتد داءكم إلى روحي وقلبي، لكنكم بقيتم أكثر أنانية وضعفا من ترك الحروف والكلمات، كنتم أكثر عجزا من ممارسة الفعل، وقبعتم خلف رغبة جامحة بالتواصل مع القصة ، لماذا؟ وقد سلمتكم مفتاح وجودي وعدمي، التصقتم بالعجز والأنانية؟

سأمنحكم فرصة أخرى ، يوما ما، لملاحقة وجودي وكياني، وسأعطيكم وعن طيب حقد وضغينة، مفتاح وجودي وعدمي، ولكن يبقى الفعل منوطا بكم، بقدرتكم على الانسلاخ من بين الكلمات والسطور، لتستخدموا المفتاح، ولكن الفاصل الزمني بين منحي المفتاح لكم، وبين ضرورة استخدامه ستكون اشد قصرا مما مضى، وأنا بخبرة الدهاء والمكر، أمنحكم ما أنا على يقين مطلق ومتناه بأنكم لن تستطيعوا استخدامه أو معالجة أمره.

وأمارس كل ذلك لأخلق وقودا دافعا ومتجددا للحقد والضغينة والقماءة التي تكاد تذبل كلما شعرت باقترابي من تكوينكم المجهول والغامض.

في الحقيقة أنا أسوقكم سوقا إلى موارد تكويني، لأستطيع أن استل من بين جنباتكم ما احتاج من وقود، ولا يهمني أبدا حجم الضمور والتلاشي الذي سيلتصق بكم، فوجودكم وعدمكم لا يعنياني بأي صورة من الصور.

كثير من النقاد، وانتبهوا الآن جيدا لما سأقول، فليس من عادتي تكرار القول، ولا من عادتي الاهتمام بمدى نضجكم لفهم ما سأقول، وإنما بدافع من فرحة الألم الخارج من عيونكم، أحببت أن أنبهكم لما سأقول.

كثير من النقاد سيقف أمام هذه القصة، سيحاولون الغوص بالمفهوم والدلالات، بالمغازي والمعاني، بالبناء الهيكلي للقصة، باللفظ المختار في هذا الموقع أو ذاك الوصف، وسيخرجون بعد جهد طويل، بصفحات تغص بالتحليل، ربما ساقرأها، وربما لا أستطيع ذلك، الأمر منوط باستخدامكم للمفتاح القادم، والذي سأمنحكم إياه بلحظة حاسمة من لحظات وجودي، فان استخدمتموه جيدا، فلن أستطيع أن اقرأ ما كتب عني وعن القصة، وان أخفقتم، وهذا ما اعرف وما أثق به، سأقرأ الكثير الكثير من النقد، وربما بدافع من الحقد والضغينة ، أقوم بالرد على بعض ما اقرأ.

سيقول بعض النقاد، بان العمق الكامن بالفكرة، تجاوز حدود الكلمات، وانطلق ليعانق النفس الإنسانية ويتوغل بمكنوناتها، بطريقة تدني وتبعد، تقصي وتقرب، وان الكاتب استطاع أن يأخذنا برحلة ضياع فيها من الوضوح والشفافية ما يجعلنا نشعر بان الضياع والمجهول والغامض مكونات نستطيع ارتيادها بثقة تؤصل معرفتنا بما هو واقع خلف الحدود والسدود.

وسيقول بعض آخر، بان الكاتب حار بين الفكرة وبين الكلمة، فكانت الإسقاطات القادمة كوميض من ضوء مجهول ، تتوهج وتخمد، تماما كاقتراب الفكرة من لحظة الميلاد، وابتعادها عن عنق الرحم.

وسيقول بعض آخر، بان الكاتب لم يملك شيئا ليقول، لذلك وقع في مأزق اللافكرة واللاقصة واللاهدف.

الجميع على حق، أتدرون لماذا؟ لأني اعرف يقينا ما أريد من الفكرة، واعرف وبيقين متصاعد، الدلالات المرسومة بين الحروف والكلمات.

ولأني أيضا أتوهم باني عرفت ما أريد حقا، اعتقد بان ما يقال هو الصحيح.

ولأني لا اعرف ما أريد ، يكون الأمر هنا قد انتهى.

أتريدون الحقيقة، كانت هناك جنازة، ضخمة تمتد من أول الشارع إلى آخره، وكنت أنا احد السائرين بها، خطوات الناس كانت سريعة إلى حد لا يصدق، وكأنهم يودون الخلاص من الجثة بأسرع ما يمكن، بعض الناس قال : بان سرعة الخطى تدل على نقاء روح الميت، والبعض قال : إن سرعة الجنازة تدل على حجم العذاب الهائل الذي ينتظر الميت، والبعض كان موزعا بين النقاء وبين العذاب، لكن الخطى تثاقلت فجأة، ووصل إلى يميني رجل كان يحمل النعش، تأفف بشدة، واشتكى من ثقل الجثة غير المعهود، وود لو يستطيع أن يجلل الجثة بالنقمة والغضب.

على يساري تماما، كان رجل آخر يحمل بالنعش، أبدى تعجبه من خفة الجثة، وعلق كأن التابوت بلا جثة، نظرت بوجهيهما، حاولت الغوص بتفاصيل النفس المخبأة خلف الألفاظ ، ولكني عجزت.

احد المشاركين بالجنازة، رآني، قال : يقتل القتيل ويمشي بجنازته ، نظرت إليه وابتسمت، أشاح بوجهه عني، لكني اقتربت منه وهمست بأذنه، سأمشي بجنازتك خلال أيام، فانا أشاهد جثتك المطروحة على كومة من نفايات المدينة، وسيسبك من يغسلك، وكل من سيشارك بغسلك، وستكون لعنة على ذاتك مذ لحظة الوفاة وحتى تنزل القبر.

حتى الدود الحقير، سيأكلك كرها، حتى لا تمتد لعنتك إلى تراب القبر، أو جذور النبات المزروع بالمقبرة.

نظر إلي وهو يدفن الرعب النافر من عينيه، ود لو يسمع ما يدور بصدري، تنبه إلى خطورة القول من البريق الملتهب الصاعد من العينين، لكن صوت الناس وهي تكبر وتهلل نقله إلى موضع آخر.

الجنازة كانت كبيرة، تضاهي جنازة احد الأغنياء المنافقين، أو جنازة ملك من ملوك العرب، وربما جنازة رئيس أو سلطان أو أمير أو حاكم ، لكم أن تختاروا من جميع هذه المسميات مسمى، تحبون وتستعذبون، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أبدا، أنني انتقلت إلى وجوه الناس في الجنازة، والى ألفاظهم وهمهماتهم، كلهم كانوا يسيرون نحو هدف.

نقل الجثة المنهكة المعفرة بالعناء واللوم والانشداه، نحو قبر عميق، تتكوم فيه الظلمة والعتمة، تكوم الجنين وسط الرحم المنزوع من ذاكرة الإنسان، ربما لأنه رحم امرأة سوداء حطمها الجوع والعطش، ونفاها المجهول والغامض إلى مناطق لا يستطيع اكتشافها إلا إنسان قميء مثلي.

الرجل الذي أنهك النعش كتفه، كان يحمل نوعا من القماءة، لا يمت لقماءتي بصلة، فانا وقفت أمام إنسان يحاول أن يتخلص من الموت، أن يهرب من براثن الفناء، وكنت حقا قادرا على انتشاله من هذا الإحساس المتراكم الساقط فوق بعضه كطبقات من ظلام موغل في السواد والعتمة، ربما لدقائق، أو أيام، وربما سنين طويلة، ولكن، الم يكن ذلك خيانة للموت القادم من مساحات مجهولة، وهو متهلل الأسارير، يحلم بغذاء مقذوف فوق الرمال بلا حول ولا قوة، الخيار كان اشد صعوبة مما تتصورون، أضف إلى ذلك شعور القماءة والنتانة المتكونة بشكل تصاعدي داخل ذاتي.

ماذا علي أن افعل، اعترض الموت واقف مع الحياة؟

أم اعترض مجهول ذاتي المتصاعد بنمو الغابة ومجهول الصحارى؟

أأقف مع الحياة؟

ولماذا علي أن اختار بين كل ذلك، فالرجل الذي قال ” يقتل القتيل ويمشي في جنازته ” امتلأ رعبا وهلعا، حين أخبرته بأنه سيكون جثة معزولة فوق كومه من النفايات العفنة ، ابتعد عني وكأن مسا من نار الجنون والصرع اقتحم تكوينه الداخلي، تماما كالبركان المتفجر للحظات من بين أنياب الصخر وطبقات الأرض.

البركان يظل يضغط على ذاته، على تكوينه وبؤرته، ليستجمع كل قوته وعظمته، فيشق الأرض ويندفع، تماما كالموت الذي كان يتقدم نحو الجثة المسجاة على النعش المحمول.

ظل يقترب قليلا قليلا، يتجول بين ضلوع الرجل، وينسحب في حبات الرمل، وفي تكوين اللحظة، كنت اشعر بخفقاته وأنينه، بشهيقه وزفيره، وكنت استشعر القماءة وهي تراقب المشهد، والنتانة وهي تلتحم في ذات النواة المكونة للأشياء، وكنت أنا موزعا بين الشيء واللاشيء، بين المجهول والمعلوم، رغم أن المعلوم ليس له أي وجود في تلك اللحظات.

الرجل صعق حين سمع ما قلت، وأكاد اجزم يقينا، بأنه استجمع بطريقة مذهلة تشبه سرعة الصوت والضوء، جثته المكومة على نفايات قذرة ، تشبه ذاته وتكوينه، ولا تختلف عن ذات وتكوين الكثير ممن يسيرون في الجنازة وهم يفكرون بصعوبة العودة للمدينة مشيا على الأقدام.
جزء ممن يسير بالجنازة كان يحمل هم العودة إلى المدينة مشيا على الأقدام، وكان يتحدث بأسلوب المقهور العاجز عن تبديل طريقة العودة، وكان الأسى على تلك العودة، تحت سياط الشمس اللاهبه للجسد، يقطر سوء وقماءة، لا تتشابه أبدا مع مكون القماءة الذي اعرفه.

تقدمت من الرجل مرة أخرى، وهمست له بفحيح الشمس ولزوجة العرق الهاطل، سيكون نعشك اشد قدما من هذا النعش، لان هذا النعش الجميل المنمنم سيكون من نصيب ميت آخر، ستصدمه سيارة نقل الموتى، على باب مقهى مزدحم، ووسط نداءات سوق الخضار الملاصق للرصيف الذي تتكوم فوقه بسطات الأحذية والنثريات.

أصبح على حافة البكاء، حاول أن يبتعد عني، لكن انهيار الشيء بداخله دفعه للبقاء القسري بجانبي، لم يكن يملك من الإرادة والشجاعة ما يؤهله لان يتجاهل كلامي، وأنا بما املك من خبرة الخبث، كنت اعرف أن صدى جملي لن يفارق دماغه بأي شكل من الأشكال.

تحركت القماءة الممزوجة بالخبث، شعرت باللذة تتفاقم وتتعاظم بذاتي، فانا قبل ساعات، وقفت مدافعا عن الموت وتركت الجسد المسجى بالتابوت ينال من الألم والأمل عذابا لا يوصف، ثم تركته يموت، تماما كأي دودة حقيرة يسحقها المتقزز بقدمه.

وها أنذا وببراعة لا توصف ازرع شعور الموت وهاجس الفناء بشخص يسير مع الميت إلى حيث تنتهي الأجساد وتتلاشى.

المعادلة لا تتسق ولا تنتظم، فصوت الزغاريد القادمة من عرس على تقاطع الطريق المؤدي إلى المقبرة، أصابني بشعور الغثيان المرافق للتقيؤ، حتى الأكتاف التي كانت تحمل الجثة، تراخت قليلا على صوت الموسيقى الصاخبة الضاربة للأجواء.

وفجأة صمتت الموسيقى، وأقفلت حناجر الزغاريد وكأنها غُطِسَتْ بحنظل وشيح، وبدأت أسراب البوم والغربان تحلق فوق مساحات المشهد، لم يكن امام الموسيقى سوى الانزلاق نحو الصمت، نحو الخضوع للجنازة التي كانت بدايتها تشق الشارع الصاعد نحو المقبرة، هنا، يمكننا ملازمة الموت الذي يستطيع ان يسحق ملامح الحياة بمن هم يخفقون بالروح، فالجنازة شكلا ومضمونا تقود الى فكرة الموت، الفناء، التحلل، المجهول، الغامض، ونحن كبشر نخاف مثل هذه المفردات وما تحمل من احاسيس تنبت فينا عندما تلتصق بجنازة او بجثة مكومة هنا وهناك، لأننا وفجأة، نهبط الى الشعور الخفي الذي يلازم الموت، المجهول الذي لم نحاول ملامسته او اقتحامه في يوم من الايام، وانما تركناه يعشش في افكارنا، في هواجسنا، حتى تحول الى كائن مرعب، نحسه فننهار امام قوة تأثيره، لكننا لا نراه، او حتى لم نفكر يوما بعقد صداقة تقودنا للتقدم نحو تكوينه بفرحة واندفاع، لأننا ما زلنا نحمل الطين على انه المكون الاساسي لشخصيتنا ووجودنا، ولم نفكر بالروح التي منحت الطين الحياة والتشكل بالصورة التي نحيا عليها.
ربما، بل وانا اعتقد بشكل جازم، بان من كانوا في الحفلة، فكروا بطريقة متناقضة، منهم من تمنى زوال صورة الجنازة بسرعة حتى يتخلص من شعور الفناء، ويعود الى شعور الطين، ومنهم من تلوت نفسه ألما على الميت واهله، ومنهم من لم يهتم باي فكرة، بل ظل صامتا وواقفا احتراما للموت كما عودته التقاليد، لكن بين هؤلاء جميعا، من شعر برجفة مفاجئة قذفته باتون الخوف والرعب، فانسل من بين الجميع وهو يكدس ذاته بين الالم والرعب والهول من الساعة التي سيكون محمولا بهذه الطريقة فوق الاكتاف نحو المرفأ الاخير، حيث لا موسيقى، ولا بشر، فقط عتمة شديدة الدموس، وعالم مجهول لا يستطيع البشر الاقتراب منه او معرفة تفاصيله، لكنه بالتاكيد لن يكون النهاية، لن يكون الفناء، والا لانقلبت معادلة الحياة، وقوانين العدالة، اذن، ما هو شكل الحياة بعد ان يغادر الناس المقبرة؟
لفتحه الفكرة بقوة ضارية، وبدل الانسلال نحو المدينة، حول قدميه، وتبع الجنازة، لم يكن هو الوحيد الذي سلخ الطرب والنشوة من ذاته، وجاء ليرقب اللحظة التي يهال التراب فيها على الجثة، لتغلق صفحة من معلوم، وتفتح صفحات من مجهول.

اقتربت من الرجل مرة أخرى وهمست له، أترى أسراب الشؤم فوق المساحة التي نسير عليها؟ هي تستعد لموتك القادم، تحمل رسالة الفناء الزاحف من المجهول إليك عبر مساحات صوتها الذي اصمت الحناجر.
نظر إلي وقد تمكن الرعب من التجوال في كل مفاصله، الموت ليس بالكلمة التي يمكن الفكاك من براثنها، وخاصة إذا التحمت بالنفس والروح بلحظات سيطرة الموت على الموقف والحدث الرافد للحظات المتكومة برحم مجهول ما نعرف عن مجهول القبر ووحشته.

الحفرة الصغيرة، التي يسجى بها الجسد، لا تؤثر بمخيلة المجنون والمصروع، ولا تؤثر حتى بمخيلة الطفل، لكنها تبدأ بالنمو والتركز كلما بدأ الوعي بالنمو والنهوض، وهي عند الجميع مجهولة، قد يحاول البعض إيجاد طقوس وفلسفات تحاول أن تضعه على حافة معلوم، لكنها في النهاية، حفرة تغص بالظلام الهابط من العقل قبل أن تلتحم بظلمة التراب المهال جوفها.

اقتربت من الرجل من جديد ، قلت له :- أتعلم بان الدود يستطيع التهام الجثة خلال ثلاثة أيام، حسب حجمها ووزنها طبعا، ولو فتحت القبر، لتعانقت الرائحة مع كم كبير من الحرارة، فالدود – حين تنزل إليه – وهو الآن بانتظارك – يقوم بإفراز كميات من الحرارة حتى تفسد الجثة وتتفسخ، ليتمكن من هضم اللحم بسهولة وسرعة، الدود يعرف ما يريد حقا منك، ويعرف كيف يمتصك حتى النهاية، الفراعنة ربما أدركوا ذلك بصورة ما، فقادهم الرعب إلى ابتكار التحنيط المبكر، ولو دققت قليلا في المعادلة الفرعونية، لعرفت بان ملوكهم ضحوا بأجساد الشعب من اجل حفظ أجسادهم، وانتزعوا العرق والنصب والجهد والأمل من أرواح الناس من اجل إنشاء مقابر، ظنوا أنها ستنقلهم إلى حياة أخرى.

وانتم تشاركون اليوم باحتقار الملايين ممن سقطوا في تلك الحفر تنفيذا لرغبة الملوك الذين عاشوا يفكرون فقط – بالخوف والهلع والرعب – من فكرة الفناء.

الأهرام – المقابر – من عجائب الدنيا، لماذا؟ لان القماءة والنتانة والعفن المركزة فيكم، منذ عصور المجهول، تتغذى على الإعجاب بالجماد، الجماد الذي روًى الظلم، وفتح مساحات الألم للملايين التي كانت تقضي تحت وهج الشمس ولفحها، فوق فحيح الصحراء وسمها، خوفو وخفرع ومنقرع حثالة من حثالات الظلم، وعلومهم كلها كانت نابعة من جبنهم الذي تحول إلى سطوة فوق رقاب الناس التي كانت تتساقط فوق الرمال بلا حول أو قوة.

أنا اعترفت منذ البداية باني قميء، وأنني لسبب مجهول أتمتع بعذابات الناس وهي تغادر الجسد لتتمحور في العيون، اعترفت بذلك عن رغبة مني واختيار، ولكن هل تتساوى قماءتي مع قماءتكم حقا، لا اعتقد ذلك، وأنا هنا اشد صدقا منكم، لأنني وببساطه مطلقه اعترف بان القماءة جزء من تكويني، لكنكم حولتم عذابات الناس وآلامهم إلى مفخرة وعجيبة من عجائب الكون.

نظرات الرجل كانت تغوص في الموت، وكنت أنا اشعر بذلك، بل والمسه بنظراتي المركزة وسط الرعب المتحمور في عينيه، صفار شديد اقتحم تقاسيم وجهه وسحنته لكنه – وهذا ما يبدو بوضوح شديد – كان عاجزا تماما عن الابتعاد عني ولو خطوة واحدة، شيء ما كان يشده نحوي، تماما كالجثة المحمولة إلى مثواها الأخير، حيث الدود بدأ يستعد للخروج منها لالتهامها، الفرق الوحيد أن صاحب الجثة كان يقترب من الموت دون أمل في الحياة، إلا الأمل الذي يبزغ من حركة قدمي وهي تتقدم نحوه إمعانا بتعذيبه، أما هذا فانه كان بشعور ما، يحس بالموت والحياة بنفس المقدار، وكان يتوزع بين الألم والأمل، وما كان ينقله إلى الموت كلامي المغرق بالتشاؤم والسواد.

دخلت الجثة المقبرة، بعد طريق مليء بالتناقضات، الوحشة والرهبة تجلل المكان، والشمس المتدلية كبركان مثقوب، تشارك في تلويح النفوس والأفكار، الأعشاب مصلية، والحراذين تنتشر بين شقوق القبور المتصدعة، وشجيرات موزعة هنا وهناك تنازع الوجود والشمس، وسكان المقابر يلوذون بصمت عميق، موغل بالصمت والمجهول، ترى لو نبشنا الآن بعض القبور، بصورة عشوائية، هل تستطيع الجثث أن تدافع عن نفسها؟

توزع الناس، منهم من انشغل بقراءة الفاتحة على قبر قريب أو عزيز، ومنهم من التجأ إلى سور المقبرة أو ظل شجرة جرداء ليشعل دخينة، ومنهم من بدأ بنبش سيرة الميت والاستهزاء من وجوده السابق على صفحة الحياة، ومنهم من كان يتأفف من ورطته في الجنازة.

بدأ التراب يهال بعد أن أغلق اللحد، اقتربت من الرجل، وهمست بأذنه، هنا ستكون أنت قريبا، وسيهال التراب على جسدك كما يهال الآن، ولكني لن آتي أبدا لأراك وأنت تغادر الأرض إلى جوفها.

وفجأة بدأت القماءة تنزل إلى مستوى خطير في ذاتي، وترافق هبوط مستواها مع سؤال بدأ يلح علي بقسوة، لماذا لم تحاول إنقاذه؟ وما قيمة القماءة قياسا بقيمة الروح والنفس؟

لا اعرف كيف تلاقت عيناي بعيني أخ الميت، فهو رجل طويل القامة، منتصب الصدر، في خديه كسوف واضح، وشحوب موصول بنظرة تتمايل وتتراقص بين المجهول والحيرة، انفه طويل مستدق، معقوف نحو الأسفل بشكل علامة ذكاء كما يقول البعض، يرتدي ملابس تميل نحو السواد، تتناسب وتتناسق مع لحيته الغزيرة الضاجة بالسواد.

لم تكن علاقته بالميت علاقة وطيدة، وحتى أنها لم تصل إلى علاقة المودة، كانا منفصلان في كل شيء، ومختلفان في كل شيء.

حتى التقاسيم، لم تتمكن الوراثة من المزج بينهما، ولو بصورة بعيدة، هذا فارع الطول، أما الميت فكان ينزل إلى القصر بشكل تدريجي، حتى ليخيل إليك أحيانا انه يتقزم يوما خلف يوم، ضعيف البنية، وان بدا ذو شكيمة قوية، فيه غضب لا يوصف، فهو ملتهب كبركان متقد، ممتلئا بحيوية مفرطة، وما يميزه بوضوح غير مشوب بشيء، انه يملك نظرة تستطيع اختراق الجدران والجبال.

أخوه، كان رغم كل الصفات الجسدية التي تقود إلى قوة يجب أن تتساوق مع ذلك الجسد الرحب، كان يبدو ساهما، وكانت عضلاته المفتولة البضة اللامعة تخضع إلى عجز غير معروف، نظرته تحمل انكسارا جليا، كفارس مهزوم، موبوء بالهزيمة.

اليوم، تبدلت النظرة الموجهة نحوي، بدت قوية، تشع عزيمة وتفيض متانة، ولوهلة شعرت بأنها ستقود نظراتي نحو هزيمة مخزية، لذلك تراخت مشاعر القماءة وتضاءلت، وكان عليه وعلي، أن نصمد أمام التحدي، فإما أن يتلاشى شعور القماءة من ذاتي، وبذلك ينخسف وجودي ويتلاشى، وإما أن تصعقه قماءتي، فيعود ذلك الفارس المهزوم الموبوء والغارق بالهزيمة.

ترى ، هل عرف كيف عذبت أخاه قبل الموت؟ وحتى لو عرف، ماذا بإمكانه أن يفعل الآن؟ نحن الاثنان في المقبرة، أمام الموت، وفي حضور المجهول، وهيبة الصمت، نتحدى بعضنا بالعيون، نجلد اللهب المتساقط من الشمس بأفكار ونوازع تتقاسمها قماءتي مع ما لا اعلم من كنه ذاته في هذه اللحظة.

أمهما كانت امرأة طيبة، مفرطة بالطيبة، تحمل من الأرض والظل والندى الكثير، لديها بسمة محشوة بالبراءة والعفوية، وحين تحدق بوجهها تشعر بشيء غامض، تنتشي، تزدهر، تحس بالانبعاث، لم تشاهد في يوم من الأيام تذرف دمعا، لكنها كانت تعتصر الألم والدموع بقلبها النابض بالمأساة والهول، حتى لحظة وداع ابنها قبل خروجه إلى المقبرة لم تسقط دمعة واحدة.

كانت شاحبة كورقة شجر أسقطها الخريف، قابلة للتكسر والتشظي، أدارت وجهها بين الجميع، تفحصت الوجوه، وحين التقت عيناها بعيني، أحسست بانفجار الكون كله، ضجيج هائل غطى المكان، لف الوجود، كانت على وشك أن تنتزع قماءتي من ذاتي، لكنها، وبلحظة أسرع من لحظات الوجود، أشاحت ببصرها عني.

لو استمرت لحظة واحدة، لكانت الجنازة مزدوجة، لكنت أنا وابنها نسير بنفس الركب نحو المقبرة.

لكنها تراجعت، بتوقيت لا تعرف كل علوم الدنيا حسابه، قبلت جبهة الجثة، لم تذرف دمعة، وخرجت إلى ساحة البيت، لتشاهد النعش وهو يغادر المكان إلى غير رجعة.

بين نظرة الأخ والأم، اختلاف جذري، فهذا يستمر بالتحدي، لكنه لا يملك أبدا مقوما للانتصار، وأنا بدأت قماءتي تتصاعد، تتكثف، تتوالد، تترتب، وإذا ما أمعنت النظر فيه، وهذا أكيد، سأقوده إلى حفرة مجاوره لحفرة أخيه.

هاجمتني طيبة الأم، ردتني إلى مناطق خالية من القدرة على الاستمرار، وحولتني بطريقة ما إلى شخص يمكن له أن يطرف بعينيه، يمكن أن يتنازل عن التحديق المجذر بالنفس والعقل في آن ، ترجرجت القماءة واهتزت، بدأت تجول بالصدر كنار حارقة لاسعة، حالة الانهيار والتساقط بدأت تغزو ذاتي، بطريقة ملفتة للقماءة ذاتها، راحت الأفكار تتشابك وتتصارع ، تلتحم وتتناقض، الحفرة القادمة لن تكون حفرة الرجل أو الأخ، بل ستكون حفرتي، على القماءة أن تتحرك بأسلوب جديد، مغاير تماما للعهد السابق، عليها أن تخوض معركة الوجود أو اللاوجود، معركة البقاء أو الفناء.

المعركة ليست معركتي وحدي، وأنا الآن أدرك باني إنسان غير قميء كما أخبرتكم وكما كنت اعتقد، المسالة لا يمكن فهمها أو شرحها بأي طريقة من الطرق ، أو بأي أسلوب من الأساليب، هي اكبر من قدراتي وقدراتكم، أو هكذا نظن، وربما نحن أردنا وعشقنا مثل هذا الظن، فالقماءة التي احملها أنا – أو هكذا كنت أظن – تولدت من واقع يغص ويمتلئ بما هو مسكون فينا، فينا جميعا، نعم هذا هو الصحيح، وهكذا تجري الأمور.

مالي اصدع رأسكم بما لا تفهمون ولا أدرك، فانتم لا زلتم تعتقدون أن الميت حمل جراحه من معركة، وانه كان بطلا بصورة من الصور، وهذا غير صحيح، فهو كان قميئا إلى حد لا يمكن تصوره، تماما كأصحاب الأهرامات، الذين حاولوا أن يحفظوا أجسادهم للانتقال إلى حياة أخرى، دون أن يفكروا للحظة بأجساد العمال والفقراء الذين تلوحت قلوبهم وأرواحهم تحت وهج شمس تصلي الأفئدة والأرواح، دون أن يفكروا لماذا كانوا هم أحق بالبقاء من أولئك الذين عذبتهم الشمس وعذبتهم رياح الصحراء الباردة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق