ثقافة السرد

(عذبة) رواية المأساة الفلسطينية- جزء- 23

صبحي فحماوي

عمل عنان في سلك الشرطة البحرستانية، وأثبت حسن سيرة وسلوك، وتفانٍ في العمل، وحدث أن كان ضمن دورية شرطة، في المنطقة التي زارها والي بحرستان، عندما هاجم معارضون موكب الوالي، وأطلقو النار باتجاه الوالي شخصياً، فهجم عنان على الوالي، ورجاه أن ينبطح لحمايته، فانبطح الوالي أرضا، وارتمى عنان فوقه، ليحميه من الطلقات المنبعثة من وراء الكثبان الرملية، القريبة من حفارات وآليات النفط . وبعد أن انتهى الإعصار، قام الوالي، بعد أن ختم وجهه ولحيته برمال النفط، فظهر وجهه في صورة تبدو مضحكة، فمسح عنان الرمال الملتصقة بوجه الوالي، ثم نفض ما علق بثوبه من.. وتكاثر الحراس حوله، والعاملون في الشركة، ثم عاد إلى قصره بسلام! ولكنه طلب الشرطي الذي انبطح فوقه. وبعد حوار قصير معه، قرر أن يُرقي عنان إلى رتبة عقيد، وعيَّنه مديراً للأمن لشؤون الأجانب، في ولاية بحرستان.
وهكذا انتفخت أوداج العقيد عنان، وصار له كرش برميلي ، وشكل كبرميل النفط، وحصل على الجنسية البحرستانية. كان فخوراً بتلك الترقية، التي لم تكن على البال، ولا على الخاطر! ورُبّ رمية من غير رامٍ! فقال لنفسه:” أنا عربي أولاً وأخيراً، وبهذه الجنسية الجديدة، لم أفقد جنسيتي الفلسطينية، لأن فلسطين وبحرستان هما جزءان لا يتجزآن من الوطن العربي”. كانت هذه حُجّة! وأما السلوك فقد تغير، فالولائم والعزائم والهدايا التي صار يتورط بها كثيرة، والأتاوات مقابل إعطاء تأشيرات العمل للمغتربين، والعرب الذين يسمونهم هناك “أجانب”، وبالمقابل؛ فمن لم يكن يدفع بالتي هي أحسن، وعلى الأخص منهم الفلسطينيين، فلقد صار يعاملهم أسوأ معاملة، ليثبت لنفسه ولجماعته، أنه بحرستاني قلباً وقالباً! ولينطبق عليه قول الشاعر الجاهلي:” وظلم ذوي القربى.” صار العقيد عنان يتعامل مع إخوانه المغتربين الفلسطينيين، بكلِ تعالٍ وغرور:” يا أخي هذه تعليمات !أوامر! ممنوع يعني ممنوع !حِطّوه في السجن ! سفّروه ! قَدمِّوه للمحاكمة! ارموه في النظارة أسبوعين ثلاثة، خلّوه يتأدب !غرامة تأخير ! مخالفة” ! وكي لا يدخل كثير من الفلسطينيين تجربة المعاناة معه، فلقد تعلموا درساً، وصاروا يدفعون بالتي هي أحسن!
لم يستسلم ناجي السبع لبيع الترمس، وخدمة ملحمة أبو درويش التي ليس لها مستقبل حسب قوله، بل ترك الدراسة المضغوطة بالأعمال الشاقة، وهاجر إلى ولاية نفطستان، غير آسف إلا على فراقه لإبنة جيرانهم سلمى، وهناك اشتغل عاملاً، عتالا في الميناء، ونام هناك في غرفة خشبية إلى جوار قوارب الصيادين. بناها بنفسه من أخشاب الميناء التائهة، وصار في الليل يعمل حارساً للقوارب، ويتقاضى من كل صاحب قارب، خمسة دولارات في الشهر. وكثيراً ما كان يصطدم بجراذين الميناء، أو بأفاعٍ مخيفة، وأُناس مجهولين، يمرون متماوجين متناغمين مع الموج، بعضهم سكارى، وبعضهم ضالّون وخارجون على القانون، ومنحرفون ومجانين، وشاذّون وباحثون عن.. وفي هذا الليل المخيف، يقفل ناجي غرفته بالقفل، ولا ينام، بل يقضي الوقت مفكراً: “ماذا يحصل لو أنني جمعت هذا الخشب المقذوف حول الميناء، وبعته للنجارين بأرخص سعر؟ والله فكرة “! وفي الصباح، راح يجمع لوح خشب، فوق لوح خشب، من تلك المتناثرة من سفن وقوارب الشحن في الميناء، يلتقطه من الأمواج الصاخبة، ومن فوق الرمال الرطبة على شاطئ البحر، ويكوِّمها إلى جوار غرفته الخشبية، ثم يعرضها على النجار أبو خلف اللِّداوي ، الذي كانت منجرته خلف بلدية نفطستان، فاشتراها اللِّداوي، ودفع له دولارين مقابل كل حزمة من الأخشاب. هذان الدولاران فتحا شهيته لجمع المزيد من الأخشاب، وتوزيعها على مناجر المدينة ، فاستأجر سيارة شحن صغيرة للتوزيع، وبعدها صار يفاوض رُبان سفينة الشحن على تنظيف مخلفات السفينة الراسية في الميناء، مقابل أجور بسيطة، وكان هدفه من ذلك جمع طبليات وصناديق الخشب المفرغة، والألواح المتساقطة عند تنزيل البضائع في الميناء، فجمع قطع الخشب المتناثرة، مقابل بعض الأتاوات التي يدفعها لمسؤول الميناء، وازداد نفوذه عندما دفع بالتي هي أحسن لمدير الأمن، ومدير الجمارك في الميناء، فأصبح له عصابته التي تأتمر وتأمر الأوامر المأمورة بأمره، سواء كانوا مسؤولين أم عمالاً يعملون لصالحه. وبتسارع كبير، صار ناجي السبع “كبير تجار الخشب” في الميناء، وصار عمله يحتاج لمخازن كبيرة. وتطور الحال إلى أن أصبح تاجر الأخشاب المستعملة الأكبر في نفطستان، ومن ذلك العمل، ازدادت رؤوس أمواله في البنوك، فاستأجر شقة قريبة من الميناء، وفرشها ببعض المفروشات المستعملة، التي يهديها له أصحاب القوارب التي يحرسها، وملاحو البواخر العابرة، وبناءً على مطالبة أمه وأبيه، المنزرعين هناك في معسكر أنصار 13 بالزواج، من خلال رسائل عديدة؛ ذهاباً وإياباً، استطاعا الحصول على موافقته. ولكنه اشترط عليهم، إذا أرادا له أن يهنأ بزواجه، فليخطبا له يد الآنسة سلمى؛ ابنة اللحام أبو درويش، عروساً له، ففرح أبو ناجي وأم ناجي، وقال الأب لزوجته: “هذا الناجي مش قليل، وكاين حبِّيب من زمان، قبل ما يروح إلى بلاد نفطستان”! فضحكت أم ناجي، وأجابت ساخرة:
“ما حدا قليل يا أبو الحَبِّيب! ليش مكنتش تغازلني، قبل ما خطبتني، وأنا مش سائلة فيك؟” فثار أبو ناجي منفعلاً:
“أي ولك ما إنت كنت ذايبة فيِّ ذوب، وبتتلهّفي على رضاي”! فمصمصت شفتيها وهي تقول باسمة:
” أنا! ما فشرت!” وهنا هدّدها أبو ناجي بالضرب، فسكتت المرأة، وتركته، وذهبت تجلي صحون وأدوات الطعام ، وهي تلعن اليوم الذي شافته فيه! “كان يوم أسود ومنيَّل !” راحت تكلم نفسها وهي تجلي:
” ما شفنا بعد هذه الزيجة إلا الهجرة!”
أرسل لهم ناجي مصاريف شبكة العروس سلمى ومتطلباتها، إذ لم يكن لديه وقت لبحث مثل هذه التفاصيل، فكلّف أباه وأمه بها، وانتقل هناك من شقة الميناء إلى شقة محترمة، فرشها بمفروشات مستعملة، اختارها من المزاد العلني، وعندما تم كل شيء في المعسكر، استدعوه، فعاد على عجل، وعملوا له زفّة وعرساً بهيجاً.
وعند باب الملحمة، نحر ناجي وعمه أبو درويش خمسة خراف خاصة لطعام العرس، دفع ناجي ثمنها بالدولار النفطي، وعزم عليها كل أهل الحارة، كي يشاهدوا أن ناجي السبع، إبن أبو الناجي، وقد صار سبع إبن سبع! أكل الناس وحمدوا الله، وباركوا للعريس. وكانت النساء والبنات يباركن للعروس، ويدفعن لها “نقوط العروس”، وهي فرحة بتقبل التهاني والنقود. ولكن العرس- للأسف – تخلله بعض النكد، فعندما دخل العريس على غرفة عروسه، وقف له أقاربه بباب غرفة الفرح بالمرصاد، فضربه عمه أبو سلمان كفّاً حامياً على رقبته، أطار ضبان عقله! فعاد العريس وقد انطفأت اندفاعته وتغير لونه وقال لعمه:
“لماذا تضربني بهذه المناسبة المفترض أن تكون سعيدة “؟
“نحن نضربك” أجاب عمه مُكَشِّراً ” كي لا تدخل على عروسك ولهاناً بحبها، فتفقد هيبتك ورجولتك أمامها، فتبقى هكذا طوال عمرك؛ مركوباً لها، بدل أن تكون راكباً “! فتمتم ناجي السبع بشتائم يصعب شرحها الآن، بينما أهله وذووه يتضاحكون عليه فرحين بتنفيذ عاداتهم وتقاليدهم، حتى ولو كانت صعبة ومُرّة! دخل العريس مقهوراً بما حصل، غير شاعر بالفرحة مع عروسه سلمى التي كانت قاعدة بانتظار ناجي الذي كان يعمل صبياً عند أبيها، وهي ولهانة بحبه! وبدل أن يرفع الطرحة عن محياها، فاجأها بضربة كفٍّ على وجهها، أطار الشرر من عينيها، وضيّع عليها فرحتها بالليلة الموعودة، التي كانت طوال عمرها تحلم بها، وترقب تحققها! ولكنها عندما أضاءت نجوم السماء بين عينيها، انطفأ ضوؤها، ولم تفهم شيئاً، سوى البقاء قاعدة في مكانها! قعد العريس إلى جوارها، وهي ملخومة، لا تفهم ماذا ولماذا وكيف.
تم اختصار شهر العسل إلى ثلاثة أيام فقط، غادر بعدها العروسان إلى ولاية نفطستان، وعاد ناجي إلى عمله، وقعدت سلمى في شقتها الجديدة، وفرحت بمفروشاتها المدهشة، والتي لم تكن تحلم بها، ولم تفهم أنها مستعملة، فلم تكن لديها ثقافة المفروشات، لتقارن وتكتشف الجديد من المستعمل، حيث إنها انتقلت من بيت سراج الكاز، إلى كهرباء ومُكيِّف تبريد صحراوي، ينفث رطوبة باردة، فتفرغت لبيتها وزوجها؛ تطبخ وتنفخ ، وتحبل وتلد، ولا تجادله في شيء؛ يقول لها:
“قومي”، فتقوم. “اقعدي”، فتقعد. “نامي”، فتنام. وبعد عدّة سنوات من الشقاء والمتابعة، لاحظ أن رأسماله قد تعدى المليون دولار، فانتقل مع زوجته وأولاده إلى شقة فخمة، وهذا أهّله لتحسين وضعهم المعيشي، ولتطوير تجارته، وعلاقاته العامة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق