ثقافة المقال

بين أحمد شوقي ومفدي زكرياء

بقلم: الدكتور أمين الزاوي

أتساءل بكل حرقة، أين عاش شعراؤنا ومفكرونا وفنانونا يا تُرَى؟ ما هو البيت الصغير أو الكبير الذي ولدوا فيه؟ ما هو الشارع الذي فيه لعبوا وفيه صبوا مراهقاتهم وشيطناتهم وفيه كبرت أحلامهم لتلامس عنان السماء؟ في أي دشرة يحتفظون بأسرار قلب الطفولة؟ تحت أية وسادة أخفوا رسائلهم العاطفية؟ أتساءل عن كل ذلك فلا أجد سوى الصمت وبرودة الفراغ. للمكان مكانة كبيرة في الثقافة العربية وعلى رأسها الثقافة الشعرية التي هي مركز الثقافات جميعها. إذ لا سماء لنا إذا لم يكن لها عماد في الأرض وعليها، من يكسب ظل السماء يكسب السماء، السماء تُمْتَلَكُ من ظلها لا من عنانها. وقديما حيث كانت الجغرافيا مشاعا كالسماء سواء بسواء، كان العرب يحددون تاريخهم بأيامه بما فيها من حروب وسلام وحب وثراء وقحط وموت وميلاد.. كانوا يحددون ذلك بالأطلال بما حوته من أثاف ورماد وشجر وسيل وعجاج وقبور … كان المكان هو من يدلل على الوجود الفردي والجماعي القبلي، هو من يدلل على الحياة والأحياء. إذا كان شاعر العرب، بوصفه مثقف عصره بامتياز، قد جعل من الوقوف على الطلل وحدة أساسية في بنية القصيدة وعنصرا مركزيا من عناصرها الثابتة، وجعل منه أساس تعريفيته السيكولوجية والاجتماعية فما هو حجم المكان لدى مثقفي عصرنا هذا.

أقول هذا وأنا أراجع اليوم حجم هذا التراجع المهول الذي يُخِلّ بعملية تكريس فلسفة المكان كقوة في تثمير ثقافة الوطن بكل ما يميزها عن غيرها من الثقافات الأخرى. أتساءل، أين عاش شعراؤنا؟ ما هو البيت الصغير أو الكبير الذي ولدوا فيه؟ ما هو الشارع الذي فيه لعبوا وفيه صبوا مراهقاتهم وشيطناتهم وفيه كبرت أحلامهم لتلامس عنان السماء؟

الشاعر أكبر من وزارة دفاع، والبيت الذي عاش فيه شاعر على بساطته أعظم من أي ثكنة تكدس فيها أسلحة فاسدة أو فتاكة، كانت إسرائيل تخاف من قصيدة لدرويش أكثر من خوفها من أي جيش من جيوش العرب المتقاعدة. وفي إسرائيل، وخذ العبرة من عدوك، فبعد حصول شاعرها يوسف عجنون، وهو الذي صاغ بيان إنشاء دولتها، على جائزة نوبل 1966، أغلقت السلطات الإسرائيلية جزءا من الشارع المؤدي إلى بيته في وجه حركة السيارات وكتبت في مدخله: من فضلك الصمت إن عجنون يكتب، وحين توفي تحوّل بيته إلى مزار للجمهور

أدخل مدنا جزائرية من شرقها إلى غربها من شمالها إلى جنوبها، أتجوّل في قرانا ومداشرنا فلا أجد أثرا لمنزل أو شارع أو حارة تشير إلى أن هذا الفضاء عرف ميلاد عبقرية ثقافية أو سياسية أو علمية. أماكِنُنا لا تتكلم، أماكِنُنا صماء، أماكِنُنا عمياء، شوارعنا لا لسان لها، بيوتنا أطلال حتى وإن كانت مأهولة بكثافة بشرية.

في كل سنة نحتفل بيوم العلم، وفي كل سنة تندلق الألسن بكلام مكرور أو جديد عن الشيخ عبد الحميد بن باديس وفي كل سنة ومع كل يوم علم، من منّا لم يتساءل مثل هذه الأسئلة المحرقة والمفصلية: أين هو بيت الشيخ عبد الحميد بن باديس؟ أين هي أغراضه، ألبسته وعصاه وأشياؤه الخاصة؟ أين هي مكتبته وأقلامه وأوراقه؟ أين هو سريره وغطاؤه؟ إن هذه الأشياء التي أذكرها وأعددها ليست هامشية ولا غير ذات وزن، فبقدر ما ترتبط الأماكن بعلامات معينة لشخصيات ولدت أو مرت أو عاشت فيها فإنها تتحول إلى قوة في الذاكرة الفردية والجماعية، تتحول إلى رأسمال رمزي يتعاظم في الحقيقة وفي المتخَيَّل. نقول إن قسنطينة هي مدينة ابن باديس. ولكن أسأل على لسان شاب أو طفل يدخل قسنطينة الآن ويريد أن يشاهد بعض علامات مادية تدل على حياة الشيخ العلامة في هذه المدينة فإلى ماذا يا ترى سنوجهه؟ لن تقنعه المؤسسات الحديثة التي تنتمي إلى زمن غير زمن الشيخ والتي تأخذ من اسمه الكبير لافتة تسمية لها. ليس هذا ما أقصد ولا هذا ما يريده الشاب اليوم، إنه يرغب في زيارة المنزل الذي ولد فيه، والحارة التي كان يلعب فيها والمدرسة التي درس بها والبيت الذي كبر فيه والذي فيه تزوج والفراش الذي نام فيه والعصا التي عليها توكأ …وووو

قرأْنا كثيرا مما ورد في الإعلام من استهتار وانتهاك تعرض ويتعرض له منزل المفكر مالك بن نبي، قرأنا أنه تحوّل إلى مفسدة أو مهملة أو …. ولم يتحرك متحرك ولا ساكن وكأن الأمر لا يعدو أن يكون بيت مواطن عاد أمرُه وُضِع بين يدي العدالة وسلطة القانون، أنا أقول إن بيوت رموزنا الفكرية هي بيوتنا جميعا، إنها أكبر من القانون في حرفيته، وأن بيتا كبيت مالك بن نبي هو من محميات الدولة، من محميات رموز الدولة، وأعتقد أن التدخل لا من أجل الاستحواذ عليه، ولكن من أجل إعطاء هذا المكان بعده الذي يستحقه، إن فضاء مثل هذا الفضاء يعد قضية من القضايا التي تدخل في باب الأمن الوطني المهدد في رموزه الوطنية.

لا أحد منا لم يقرأ كتابا من كتب مالك بن نبي أو لم يقرأ كتابا عنه ودون شك كثيرون منا يتساءلون: أين رحلت، هجرت، سرقت، اختفت مكتبة مالك بن نبي

يحتفل هذا العام العالم الإسلامي بتلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية، وحين أقول تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية فهناك فرق بين أن تكون تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية وبين تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية في تلمسان. فرق شاسع بين هذا وذلك، لذلك ونحن نحيي هذه السنة الثقافية أتساءل: جميل جدا أن ننجز فيلما عن محمد ديب، ولكن هل تساءلنا لماذا اختار محمد ديب أن يرقد في تراب بلد كان مستعمرا لوطنه ولطالما حاربه في رواياته وأشعاره؟ في هذا الشريط الوثائقي هل سنصور قبره في فرنسا أم سنصور الفراغ في تلمسان موطنه ومسقط رأسه، حيث لا أثر لأثر له، أين هي الدار التي فيها ولد محمد ديب، هل صنفت وتمت حمايتها؟

لا تقل سياسة الأرض المحروقة التي مارسها الاستعمار قصدا ضد الشعب الجزائري العظيم عن سياسة الرموز المحروقة التي مارستها السياسات الجزائرية ضد رموزها الثقافية والفكرية والفنية والسياسية منذ الاستقلال وحتى الآن.

لا أعتقد أن دولتنا البترولية، دولة تغرق في الخير منذ وُجدت مستقلَّة، أي منذ نصف قرن، نعم نصف قرن؟؟؟؟؟ لا أعتقد أنها غير قادرة على شراء مثل هذه المواقع ليس شراء السماسرة أو شراء المصادرة، ولكن شراء الحضارة والنبل وإحقاق الحق في بعده القانوني والثقافي، وأنا متأكد أنه ومهما كانت الحاجة الاجتماعية إلى مثل هذه الفضاءات والبيوتات من قبل ورثتها، لكن إقناعا حضاريا مترافقا مع تعويض سخي من الدولة تضع رمزية المكان قبل القانون سيجعل الجميع راضيا وآنذاك نكون قد أعدنا للجزائر جزءا من ذاكرتها الثقافية والحضارية.

قلت كل هذا الكلام بلغة جريحة، نعم لِلّغةِ جراحُها أيضا، لها نزيفها، لأنني حين أزور متحف أحمد شوقي أتذكر مفدي زكريا، وأقول: لماذا ليس عندنا مثل هذا؟ ألم يكن الأول أميرا للشعراء وكان الثاني أمير قول الثورة الجزائرية.

حين أدخل متحف أم كلثوم أتذكر فضيلة دزيرية والريمتي ودحمان الحراشي وغيرهم أسماء لها الملايين من العشاق من كل مكان، فأتساءل أين عاشوا وأين ولدوا؟ وأشعر وكأن فنانينا كذبة اجتماعية وأنهم لا ينتمون إلى هذه الأرض وليس لهم عليها ظل.

حين ترى آلاف الزوار ومن كل الجهات والجنسيات والأجيال، يوميا، يجيئون وبكل خشوع بيت طه حسين أو العقاد اللذين تحولا إلى بيت-متحف أتذكر بيت عبد الحميد بن هدوڤة وبيت الطاهر وطار أتذكر هؤلاء وأتساءل ما مصيرهما الرمزي بعيدا عن الخدمة الاجتماعية للعائلتين الصغيرتين للكاتبين، وأشعر بالحزن والخوف من مستقبل يُؤَسس بلا ذاكرة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق