حوارات المجلة

النقد بين الحداثة والتقليد

الدكتور محمد أزلماط (المغرب)

إن التيار التقليدي في النقد، له حضور منذ العصور القديمة، منذ عهد أرسطو الذي اعتبر كل أجناس الشعر والملاحم التراجيدية والنفخ بالناي واللعب بالقيثارة أنها من المحاكاة، بذلك يتم التأكيد على أن الطبيعة هي مصدر الإبداع وإصدار الأحكام. والتقليد عبارة عن اتباع الناقد فيما يقول ويفعل بدون حجة ولا دليل، أو هو منهج أو إجراء تم تناوله، حيث لا زال النقاد المحافظون يحافظون عليه ويعودون بأصوله إلى الماضي، كما فعل (النقد الأحيائي) في عصر النهضة… فالنقد الأدبي العربي لم يكن في دائرة التقليد، بل كان في دائرة التجديد والتحديث، لأن النقد القديم لا يتضمن في نصوصه التقليد، بل يحتوي على التجديد لأعمال ابن قتيبة والجرجاني والقرطاجني تميزت بالتقليد وبالتجديد في آن واحد. فالنقد الأدبي المعاصر تجديدي لم يدخل في تقليد الغرب، وإنما استنبط منه آليات وأبدعها في مجال تتحكم فيه تيارات واتجاهات فكرية، تتمثل في الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة والحداثة الخلاقة… فالنقد الأدبي المعاصر يحاول كشف المكونات الجمالية والفنية للنص، تفكيكها وتحليلها عبر آليات الوصف والتفسير بواسطة مناهج، أو وضع من خلال النصوص الأدبية نظريات أو تاريخ قضاياها… ففي هذه الحالة، إذا كان النقد الأدبي قد استمدّ آلياته من الفلسفة والمنطق والبلاغة، ففي الوقت المعاصر استعار أدواته ومناهجه من العلوم الإنسانية والدراسات البينية، فأصبح في نظري النقد الأدبي يعني تصوراً فكرياً يتأسس على هندسة ذهنية تقيم تنقلات بين الماهية الثقافية الكلية المكررة برؤيا في النص الأدبي، لاعتبار الرابطة الاجتماعية والثقافية والجمالية والفنية، التي تجمع كل القراء والمتلقين بدون انتماء إلى المجال الجغرافي والسياسي الذي تشكل فيه النص الأدبي، لكونه يتكون من تناصات مستوحاة من الميراث التاريخي الإنساني، ومن الهندسة الذهنية، تتبلور خريطة عقل النقد الأدبي التي تجمع بين الكيان النظري المنهجي من أجل الكشف عن العناصر الجمالية والفنية للنص الإبداعي عبر آليات مصوغة في نسق منظم بلغتين: لغة واصفة، ولغة ما وراء واصفة.
فخريطة عقل النقد الأدبي العربي هي تجديدية، تتبين على خصوصيات المجال العربي باعتبارها شبكة من تصورات تحدد آليات عقلية وعصبية من خلال مرشحات الدرامية واستراتيجيات فكرية ونظم تعبيرية، لاستخراج من النص الادبي رؤيا للعالم التي تمتزج ما بين رؤى التشكيل ورؤى التحريك والتحويل ورؤى المجال ونسق قياسي واطار معرفي ولبناء بناء النص الأدبي وآليات الصياغة.
يتضح لدينا أنه كلما تغير النص الأدبي واكبه تغيير في التعامل معه، بذلك نبحث عن آليات جديدة للتعامل مع النصوص الأدبية الابداعية، فلا يعقل أن نطبق آليات عمود الشعر على قصيدة النثر أو الخاطرة، بل يتم إجبار الناقد على استدعاء مناهج وتقنيات للتعامل مع النص وإعداد تصورات الاستنباط نظريات جديدة من النصوص الأدبية التي تقوم على اللفظة والتركيب والدلالة التداولية في إطار التشكيل.

هل النقد الثقافي يختلف بين الغرب والشرق؟
قبل الحديث عن (النقد الثقافي) أو ما أسميه بالدراسات المجالية النقدية الثقافية، لا بأس أن أشير في عجالة أن النقد الادبي ينقسم إلى أنواع وأصناف. فمن ناحية الأنواع يمكن تحديدها في التنظير النقدي الذي تنضوي تحته مجموعة من النظريات، والمنهج النقدي تندرج تحته مجموعة من المناهج النقدية، والتأريخ النقدي الذي يؤرخ الظواهر الأدبية حسب مناهج التاريخية المتداولة. أما بخصوص التصنيف، يندرج تحت النقد الأدبي أصناف تتمثل في (نقد النقد، والنقد البيني، والنقد اللغوي، والنقد الثقافي). وهذا الأخير هو المقصود في السؤال الذي تبلور في فكر ما بعد الحداثة، وهو يتبلور في نشأته تحت ما يسمى بالنقد الحضاري، الذي يضم إلى جانب النقد الثقافي الدراسات الثقافية وجماليات الثقافية أو التاريخانية الجديدة. وهو ورد كرد فعلي في النقد الحداثي الذي ارتكز في دراسته على الجانب الجمالي الشكلي والبحث عن الأدبية أو الاعتماد على الجانب البلاغي، بذلك توخى (النقد الثقافي) بناء هندسة ذهنية تقوم على كشف الأنساق الثقافية النص مرة، ودراسة الممارسات الثقافية في النص بأبعاد اقتصادية وبالطريقة والعرق وبالجنوسة بالسياسة والحاجة والرغبة. والتركيز على إبراز المعنى من خلال دراسة النص من حيث الشكل والبنيات والسياق وأسس التنظير. والكشف عن شبكة العلاقات الارتباطات والاختلافات والتواصل داخل النص. وبالرغم من انتقاده الرؤى النقدية السالفة الذكر، فإنه استفد منها آليات التحليل سيما المنهج التفكيكي لجاك دريدا لأجل استنباط الانساق الثقافية وسياقات موضوعات النص الأدبي، وأيضاً استرداد من الفكر الماركسي الجديد ومن التاريخانية الجديدة، وداخل النقد الثقافي تبلورت فيه تيارات نقدية ثقافية تكمن في النقد ما بعد الاستعماري والنقد النسوي.
(فالنقد الثقافي) تواصلي والتفاعلي بين الغرب والعرب بالرغم أن هناك اختلاف في الوسائل والغايات واحدة، لأن (النقد الثقافي) يهدف إلى تحليل النصوص في ضوء معايير ثقافية وسياسية واجتماعية وأخلاقية، الكامنة في المؤلف والسياق والمقصدية والقارئ والناقد والعقيدة.
– وقد تجلّى (النقد الثقافي)، كتصور منهجي في العالم العربي مع (الناقد والشاعر الدكتور عزالدين المناصرة)، الذي استخدم مصطلح (المثاقفة)، موازياً لمصطلح (النقد الثقافي)، حيث عرّف (المثاقفة) بأنها: (التفاعل، والتداخل والحوار والاحتكاك بين الثقافات المتنوعة والمختلفة – الطوعي والندّي، والتبادل الثقافي الطبيعي، بما يؤدي إلى تغير في الأنماط الثقافية السائدة، بعيداً عن المفهوم الأنثربولوجي، أي هيمنة ثقافية على أخرى). وكان ذلك قد ورد في محاضرته (المثاقفة: الإحساس بالعالم والتلذذ بالتبعية: تفاعل المركز والأطراف)، التي ألقاها في المؤتمر الثاني للرابطة العربية للأدب المقارن (دمشق، 9 تموز، 1986)، وقد أعيد نشرها في كتابه (مقدمة في نظرية المقارنة، 1988). كذلك أعيد نشرها مرّة ثانية في كتابه (المثاقفة والنقد المقارن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996). وفي هذا الإطار ابتدع (المناصرة) مصطلحاً في المجال نفسه سمّاه (النقد الثقافي المقارن) عام 1986، وعام 2004. ثم تلاه (إدوارد سعيد) في كتابه (الإمبريالية والثقافة، 1992). ثم تلاهما (عبدالله الغذامي) في كتابه (النقد الثقافي، عام 2000). وقد أصدر (فنسان ليتش) كتابه (النقد الثقافي، 1992). ومن خلال هذه التواريخ، نلاحظ أن (العرب) لهم السبق في إظهار (النقد الثقافي) قبل الغرب. ويتكون (النقد الثقافي العربي) من المكونات الكامنة في الوظيفة النسقية والدلالة النسبية التي تقوم على ثلاث: هي الدلالة الحرفية، والدلالة الجمالية، والدلالة الرمزية الثقافية، والجملة الثقافية القائمة على الجملة النحوية مدلولات تداولية والجملة الأدبية مدلولها ايحائية والجملة الثقافية ذات دلالة اكتنازية وتعبير مكثف. والمجاز الكلي والتورية الثقافية تتضمن معنى قريب غيرمقصود ومعنى بعيد مضمار والمؤلف المزدوج.
– إن النقد الثقافي يحاول تسجيل حضوره في الفضاء الثقافي. ولقد سبق لي أن أشرت سلفاً إلى توالدات الاتجاهات النقدية سيما مع فكر ما بعد الحداثة، والحداثة الخلاقة. بداخل النقد الثقافي انبثقت اتجاهات من معطفه ومعرفته. فهذا لا يعني تطوره وإنما ظهور الاختلاف في وجهة النظر، مما يؤدي إلى ظهور التنوع والتعدد النقد الثقافي. وتتجلى في المادية الثقافية وهي منهج للتعامل مع النصوص الأدبية، وتبناه في الغرب كل من ريموند ويليامز وجونثان دوليمور وآلان سنفيلد. ويطرح هذا المنهج القراءة المقاومة والانشقاق والانفصال، وبموازاته ظهر منهج التاريخانية الجديدة، الذي ينطلق من الفكر الماركسي الجديد، لاحتواء الأفكار المعارضة والتواصل معها. وهذان الاتجاهان تأثرا بمنهج الأركيولجيا المعرفية لمشيل فوكو، كما ظهرت اتجاهات أخرى مثل النقد التأهيلي والنقد النسوي.
لقد ارتبط (النقد الثقافي) بمدرسة فرانكفورت، التي ربطت الخيال الأدبي بالوجود الاجتماعي داخل النقد الثقافي، لأن الأدب يعكس التجربة الاجتماعية والارتكاز على التحليل على الأسس الاجتماعية انطلاقاً من الجماليات والأسلوبيات والتحليل والنفسي. ومدرسة النقد الجديد تميل إلى الاسترداد من التحليل السوسيولوجي والتحليل النفسي والتحليل البنيوي. أما مركز برنمغهام للدراسات الثقافية المعاصرة. وتعتمد في تحليلها على التاريخية والفلسفة والسوسيولوجيا والأدبية النقدية. لأن في نظر المركز أن النص عبارة عن مادة خام تستعمل لإبراز أنماط معينة ثقافية. وأما عملية التنوع والتدخل داخل النقد الثقافي يمكن استخلاصهما من خلال تناصات وإحالات ومرجعيات التي نهل منها، وتتمثل في نظرية الأدب والجمال والفلسفة والسيميائيات وتحليل النفس ونظريات ماركسية وأركيولوجيا. وعلى هذا الأساس، فالنقد الثقافي هو وعاء تنظيمي وتشكيلي لمجموعة من المناهج والمقاربات المتداخلة الاختصاصات قصد استنباط الأنساق الثقافية.
أما بخصوص الانتقال من النص المقروء إلى النص المرئي أدى إلى ظهور نقد رقمي. ومن أهم الكتب التي صدرت بخصوص النص الرقمي الموسوم بـ(من النص إلى النص المترابط مدخل إلى جماليات الابداع التفاعلي) لسعيد يقطين، حيث يرى على أن النص الربط يتحدد في المبدع لأن دوره يتعدى الكتابة إلى الابداع بواسطة الحاسوب الذي يتسع لممارسات أخرى غير الكتابة. والقارئ إلى جانب القراءة يقوم بأعمال أخرى تتصل بتوظيف الحاسوب والنص المترابط جاء تطويرها للنص والإبداع بمعنى هنا القديم. (فالنقد الرقمي) يحاول القيام بتعريف بالنصوص الابداعية الرقمية، ووضع لها مفاهيم ومصطلحات وتقنيات نقدية، ووضع تصورات ومناهج وآليات إجرائية، لإبراز خصوصيات النص الإبداعي الرقمي وتحديد مواصفات الناقد الرقمي الذي عليه أن يتصف بالموسوعية على أساس أن يكون عارفاً بأسرار الحاسوب والمعلوميات ولغة البرمجة والتعرف على الآليات في التنشيط والكتابة بالصورة المتحركة والثابتة، وأن يكون ملماً بمكونات الكتابة الشعرية والسردية وسيناريوهات والمسرح، وأن يكون عارفاً بخصوصيات مراحل التقنيات التكنولوجيا والتواصل سيبرنيتيكي. وأن النقد الرقمي يتطور بتطور النص الأدبي الرقمي، حيث من خلاله يتم استنباط بنيات وخصوصيات النص وجمالياته. فالنقد السيميائي اعتبره نقداً الذي يمكن أن يتعامل مع النص الرقمي لأنه يرصد العلامات اللغوية وغير اللغوية وكشف عن الأبعاد والوظائف الدلالية الاستفاد منها الأنساق الثقافية سيبرنيتيكية والسباقات الافتراضية.

عناصر الحداثة في النقد الثقافي هل أصابها تغير جذري أم مجرد نظريات وبعض الأفكار؟
إن (النقد الثقافي) تبلور في كنف ما بعد الحداثة التي ظهرت قصد انتقاد الحداثة والاعتراض على قيمها وعلى سردياتها الكبرى المتمثلة في الأيديولوجيا وظهور ما بعد الايديولوجيا حيث انطلقت من الشك والتشكك في العلوم الإنسانية، والتركيز على تداخل التخصصات وعدم، التقيد في الإبداع والنقد بالقواعد حتى يتم كنا من صياغة وإبداع قواعد جديدة بذلك فالنقد الثقافي لا صلة له الحداثة، لأنه تكون في فكر ما بعد الحداثة الذي شكل قطيعة مع الحداثة، حيث شكل نوعاً من اليسار الجديد الذي نجد حضوره في النقد الثقافي الذي ظهر في ثناياه النقد النسوي، والنقد ما بعد الاستعمار، والنقد المادية الثقافية فالنقد الثقافي، فهو يتعارض مع الحداثة القائمة على العقل الأداتي. فما بعد الحداثة حين اعترضت عن الحداثة فهي اعترضت ضمنياً على النقد الأدبي وعن مناهجه المستوحاة من العلوم الإنسانية حيث مع حضورها ظهر تداخل وتعدد التخصصات التي تجلت معها مناهج ورؤى نقدية جديدة منها النقد الثقافي الذي يتضمن في ثناياه نظريات واتجاهات كما سلف ذكرها.
– أنا لم ولن أقوم بتقييم الشعر، لأن هذه العملية تحتاج إلى معايير دقيقة والإبداع يقوم على الخيال يصعب تطبيقها، لذا أود أن أعطي تصوري للشعر الذي هو فن تواصلي يبرمج تفكيراً ورؤى من خلال الذات التي تتفاعل مع العالم الخارجي لتنمية الشخصية وتشكيل سلوكيات وقيم لتغيير أو تخريب أو استمالة أو استجابة لأفق انتظار المتلقي والناقد… فالشعر ميال إلى الإبداع والتفكير لكونه يترجم التجربة الشخصية المتضمنة ما يدور داخل عقل الشاعر وما يجول في العالم من حوله، لأن التجربة الشخصية متمايزة متباينة من شخص لآخر، حيث تكون مدارك الإنسان عن العالم الذي يعيشه بشكل فريد. فلكل شاعر اتجاهه وقيمه ومعتقداته التي تساهم في تكوين المقدرة العقلية الخاصة بكل مبدع شاعر، كما أن النظم التعبيرية المتجلية في المشاهدة والسمع والشعور الداخلي تستدعي الذكريات لتكوين التجربة التخيلية التي يمكن استغلالها، الإبداع تجربة جديدة لإحداث تغيير الشخصي.. فكل ما يصل إلى العقل من خلال النظم التعبيرية تترجم إلى هندسة ذهنية إبداعية، التي هي وسيلة فعلية تجديدية نابعة من المخيلة والرؤيا تشمل الأفكار غير مألوفة تقوم على تصورات وتصميمات وتمزج بين المستوى الإجرائي والاستشرافي مع إدماج حقول علوم الآلة بحثوا فنية لتحويل الهندسة الذهنية الإبداعية إلى النص عبر اللغة والتعبير والتصوير, وتستخدم الإيقاع الموسيقي والأدلة الثقافية والتجريبية والنفسية والاجتماعية والعمليات العصبية المعرفية، لاعتبارها الطاقة المواتية لإبداع الشعر يقوم على تصميم النص وتشكيل الهياكل النصية ونسيج البنية العمومية والتجريبية الشعرية التشكيلية والجنائية الإيقاعية وفق نظام معرفي يقوم على إستراتيجية فكرية وتصورات ورؤى والارتكاز على شبكة عتبات ووحدات نصية والرموز والشفرات ونظام القيم وقصيدة النص الشعري.. فكل هندسة النص الشعري للشاعر تتمتع بالتميز والاختلاف مما يصعب على الناقد أن يقوم بتقييم، لأنه بالرغم التعامل معه بمناهج تحليلية فإن الذوق يتدخل في عملية التقييم.

هل هناك اختلاف في المصطلحات الأدبية والنقدية ؟
بما أن المصطلحات والمفاهيم من مكونات اللغة وأن النصوص الأدبية لا تعتمد على المصطلحات الأدبية، وإنما على المعاجم الأدبية القائمة على المقولات والحقول الدلالية. وبما أن النظريات الأدبية هي من أنواع النقد الأدبي، فهي تستخدم المصطلحات تختلف عن النقد، وذلك ما يأتي لاحقاً، وفي هذا المضمار أود أن أتكلم عن الاختلاف بين اللغة الإبداعية واللغة الواصفة المكونة من التصورات والمفاهيم والمصطلحات. فاللغة الإبداعية تبدعها النصوص الأدبية لاعتبارها علامة، لأن الدال حامل المعنى، والمدلول حامل إشارات مضمونية. وتتشكل في نظام يتكون من المعجم والتركيب والدلالة والإيقاع واللغة الواصفة التي يبتكرها النقد الأدبي تعكس الانزياح الجمالي والفني المصوغ في اللغة الأدبية التي تختلف معاجمها باختلاف الأجناس الأدبية المتمثلة في الشعر والسرديات والنثر والمسرح، فوجود اللغة الواصفة رهين ومرتبط باللغة الأدبية، واللغة الواصفة تقوم على المفهوم والمصطلح. فهذا الأخير علامة يتأسس من خلال أسّين استراتيجيين: الأول يتضمن الشكل والتنمية، والثاني يكمن في المعنى المفهوم، أي وصف الكلمة لتصور ذهني ووظيفته المتجلية في التواصل بين أهل الاختصاص في النقد والأدب. والمصطلح علاقة تفاعلية بين المصطلح النقدي والمنهج النقدي والنظرية الأدبية التي تعتمد على مصطلحات استنبطتها من منجزات العلوم الحديثة ومن المناخ الفكري والفلسفة ومن النظريات الجمالية والفنية، حيث كان لها دوراً في تشكيل المصطلحات الأدبية التنظيرية، وهي تختلف عن المصطلحات النقدية. فالأولى مرتبطة بالتصورات والفرضيات وتبحث عن الاختلاف القائم بين المعاجم الأدبية وتراكيبها، والثانية تمثل صلة بالمنهج النقدي وتهتم بالتحليل والتفسير والشرح والتأويل.. ويتبين أن المصطلحات الأدبية التنظيرية والمصطلحات النقدية ليس بينهما تعارض ومقاطع، وإنما اختلاف في وجهة النظر، حيث إن للمصالح علاقة تفاعلية بين المنهج النقدي والنظريات الأدبية، فالاختلاف في دلالة المصطلح يكمن في قراءة المنظر والناقد والمتلقي.
– المصطلح هو عتبة تنظيمية وثيق بالمنهج والنظرية، حيث يتشكل من لفظة أو لفظتين للإشارة إلى المفهوم المحقق في الذهن باعتباره توضيح أو تعريف ويكون مكثفاً. أما المفهوم يكون موضع التصورات مختلفة بالمصطلحات التنظيمية الأدبية، والمصطلحات النقدية الأدبية تقوم على اللغة والمعرفة والمنهجية والتواصل، وتتفاعل مع السياق الفكري، فهي تشير إلى مجموعة من أفكار وتصورات ورؤى ذات سياقات متنوعة وكانت مهيمنة وحاضرة في الزمن ترسخت بين أهل الأختصاص وتم تداولها. وأن النقد الأدبي استعار من العلوم الإنسانية مصطلحات، مما أدى إلى ظهور خطاب على خطاب، وهذا الأمر وارد في النقد الأدبي ونظريات الأدبية، وكلاهما ينحدرون من ما يسمى باللغة الواصفة، حيث أنه من خلال النص الأدبي الذي يستعمل اللغة الأدبية يتم إنتاج خطاب يستعمل مصطلحات غير التي تم استخدامها في النص الأدبي. ومن هنا يترتب التباس ما بين النص الأول والنص الثاني، حيث تكون بينهما علاقة تداخلية والتفاعلية ليؤكد له على كينونته ووجوده استمراريته بلغة واصفة.
والنقد الأدبي والنظريات الأدبية ينشأ عنهما خطاب آخر بلغة ما وراء الواصفة، ميتا لغة، يتبلور ما يسمى نقد النقد الذي يتوخى من حضوره تحديد هوية النقد الأدبي ونظرية الأدب.
وعلى هذا الاساس، نلاحظ أن الأدب موضوع النقد ويختلف عنه، ونفس الشيء بالنسبة لنقد النقد الذي موضوعه النقد الادبي. لمصطلح النقد أين ما تموضع في السياق تتغير دلالته ووظيفته وآلياته مفاهيمه. فحين يرتبط بالأدب ويكون مصطلح تركيبي النقد الادبي في ولد مصطلحات للتعامل مع النص الأدبي للتأمل فيه وتحويله والكشف عن عناصر فنيته وجماليته. وحين يتم وضعه خلف النقد الأدبي ووسائله تتغير، وإن بدل لأن مجال موضوعه مختلف لأن الأدب يستعمل لغة إبداعية، والنقد الأدبي ونظريات الأدب تستعمل لغة واصفة، التي هي عبارة عن مصطلحات ومفاهيم تتفاعل في أنساق وسياقات لإنتاج مدلولات تؤدي وظائف التواصل والشرح والتفسير والتحليل والتاويل.
– (النقد الثقافي) حامل في ثناياه تصورات قائمة على مقولات تنظيمية وهندسات ذهنية تصويرية وصفية تقويمية، ويتضمن أيضاً ميكنزمات منهجية أتت بمتغيرات وتحولات مستنبطة من نصوص ثقافية المتضمنة نصوص أدبية التي أضحت في فكر ما بعد الحداثة عبارة عن أشكال من انتاج رمزي نتيجة لتغيرات في أنساق الإدراك والتفكير والتصور. هذا لا يعني ثورة لأنه لا يهيمن على الفضاء الثقافي بمقارنة مع المناهج النقدية النصية المتجلية في الدراسات البينية، وكان لها حضور فعال وقوي وحاولت القيام بثورة حيث اكتسحت كل مكونات الثقافية مجالاتها وحللتها، مثل السيميائيات التي عقد معها النقد الثقافي إلى جانب مناهج الدراسات البينية والسوسيولوجيا وعلم النفس حلفاً استخلص من النقد الأدبي والحداثة التي كانت هي منشأ النقد الأدبي حيث حددت خصوصيتها ممارسات الشرح والتفسير والتحليل وحد النص ورسم خارطة الأجناس الأدبية. والتخلص استند أيضاً إلى ولادته التي كانت في كنف فكر ما بعد الحداثة التي غير اشكال القيم والأنماط العيش وسبل الحياة، وفي هذا المضمار، إن ما بعد الحداثة هي التي قامت بثورة على قيم الحداثة الايديولوجية والقومية والعلمانية والاستعمار. فالنقد الثقافي فهو سوى قناة لتمرير أفكار ما بعد الايديولوجية وما بعد القومية وما بعد العلمانية وما بعد الاستعمار، التي حملت آليات تفكير جديدة داخل فكر ما بعد الحداثة المعتمدة على التعددية التفاعلية التخصصات وتداخلها والموسوعية، واستناد على التواصل وجمالية التلقي بين الأنظمة الخطابية والعقلية واللاعقلانية الانساق التشريحية والحفرية النصوصية.
ففي العالم العربي ولا سيّما شمال إفريقيا، فالنقد الثقافي ليس له حضور فعال في الفضاء الثقافي حيث نجد الدراسات النصية التابعة للدراسات البينية ومنها (التفكيكية والسيميائية والحفرية) حاضرة بقوة في كل المجالات، وساهمت في تغيير خارطة عقل أهل الاختصاص، وتغيير أفق انتظارهم، ولم تستطع الهيمنة على كل المجتمعات وعلى الإنسان، لأن هذا الأخير سجين للمفاهيم التقليدية المحاكاتية الموروثة من الثقافة التراثية العربية، أو منبهر بالمصطلحات والرؤيا الغربية التي لا يتم هدمها وتقصيها. وكما لا يحسن ترجمتها واستغلالها تناصياً. وعدم التمييز ما بين الحداثة وما بعد الحداثة وأثرهما على النقد الحداثي والدراسات البينية فإن البعض ما زال يخلط بين آلياتهما للتعامل.
– النقد هو فن تواصلي إبداعي تحليلي، يسترد مادته من مرجعيات العلوم الإنسانية والدراسات البينية، التي انفصلت عن الفلسفية، وليس بشكل قطعي، بل كان هناك تطعيم من العلوم لتأسيس فكر فلسفي يقوم على العقلانية الحداثية واللاعقلانية ما بعد الحداثة، التي تعتمد على الشك. بالفلسفة تسعى إلى اكتشاف الحقيقة من خلال التساؤل والبحث عن العلل. والنقد يبحث عن جمالية وفنية وإشكالية موضوعية من خلال أسئلة. وبذلك فالنقد في عمقه رؤيا فلسفية لكونه يستند إلى السؤال: إما عقلاني أو اللاعقلاني. فالنقد يقوم بالتمييز والتقويم والتاريخ. وأن النقد الأدبي أفاد من العلوم الإنسانية ومن العلوم الاجتماعية حيث تم إغناء النقد بمفاهيم لتقديم وجهة نظر للتعامل مع النصوص تعاملاً دينامياً، فتبلورت أنواع من النقد أهمها النقد التكويني، والنقد النفسي، والنقد الموضوعاتي، والنقد الاجتماعي، والنقد البنيوي، والدراسات البينية، وجمالية التلقي. وداخل هذه الأنواع النقدية تم الاعتماد على مجموعة من الطرق والآليات المنهجية والفرضيات للتعامل مع النصوص الأدبية.
____________

• مقتطفات من حوار طويل مع الدكتور محمد أزلماط (جريدة الجمهور العربي)، أجرته روعة محسن الدندن (سوريا).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق