ثقافة المقال

خطوط لورنس المعذبة

هنري ميللر/ ترجمة: أسامة منزلجي

مسكين يا لورنس، كدت أبكي وأنا أقرأ أسطرك الرمزية، المذلّة، والإهانات، والفقدان التام للفهم. وأنت الذي وهبت نفسك هبة كاملة للعالم ولم تحصل منه إلا على أقل القليل. ومع ذلك حقّقتَ اكتمالك، ووصلتَ إلى الله، وكافحت لتبلغه من البداية. في “رؤيا” تحدّثتَ عن أسطورة التنين العظيمة، وصفتَ بحساسيّة فائقة، بفخر شديد، مغزى التنين. حاولتَ أن تعيد إلى العالم رمز التنين الذي يسوط ويلتف داخلك. وقد وضعت قدْراً من التنين داخل صورتك الذاتيّة. وذات مرة، وأنت في كوخ بائس مع فريدا قلت إنها أطلقتْ عليك وصفَ عقرب – كنت قد عثرت على عقرب في مبصقة بجوار السرير، المبصقة التي لم تستعملها أبداً. لكن فريدا، فريدا “الأرستقراطية” كانت تحب المبصقة الموضوعة هناك. كانت مناسبة. كانت تحتاجها لتضع فيها أعقاب السجائر وهي متمدّدة على السرير. كدحتَ، حفرتَ الأخاديد على وجنتيك، استجديت كسرة الخبز لكي لا تحرم فريدا منها. حينئذ علّقت قائلاً إن من الغريب أن تناديك بالعقرب – لم تتصوّر أن تعضَّ ذيلك بنفسك. لكنكَ فعلتَ في النهاية ؛ ابتلعْتَه كله، التهمتَ نفسك، الذيل وكل شيء، وحين فعلت التُهِمَ جزءٌ ثالثٌ من العالم وأُكِلَ ولن يُعْرَفَ أبدا بعد ذلك.

إن كلماتك ترافقني أينما اتّجهت، إنها تمسَسْني. واليوم، وأنا واقف في المتحف أتأمل أحصنةً رائعةً تخصّ الصينيين حين كانوا شعباً فتيّاً وحيويّاً، تذكّرتُ من جديد كلماتك، كلماتك الرمزية حول التنين، التنين الأحمر والذهب الذي يخافه الرجال ويعبدونه حين تزدهر الحياة ويجري الدم في عروق الرجال وليس هذه الصفراء المائعة، الثقيلة الحركة، ليس سائل اللنف الأخضر المرضيّ، وليس هذا الشحوب السلّي الأبيض- المتّسخ الأنيميّ المروّع الذي يغطي الأشياء. أذكر كيف أنك وسط غمرة حبك العظيم نظرتَ إلى فريدا فرأيتَ فيها لوحة لرينوار تحمل رأساً إغريقيّاً. وأعلم أيضاً ماذا شاهدت لاحقاً – صورة لبيرثا كوتس التي نهشت روحك – كيف حفر المنقار القاسي، الداعر، للمرأة التي أحببت في تقاطيع وجهك الصقريّة، وجعل وجهه الحسّاس المرهف يلتوي ليتحوّل إلى مخلب ضار. أعلم أنه حين تعرّضتْ كلماتك للتمزّق والتجريح فإن ذلك تم بمنقارها الداعـر القاسي هي التي نهشت روحك، وأصبحت صورة لذلك العالم الذي نبذته، لأنه نبذك. العالم الذي أراد أن يتملّكك لكي يحيا.

أنظرُ إلى صورتك الفوتوغرافية وأنت في منتصف العُمر. إلى اللحية التي نمّيتها لتخفي بها الخطوط المعذّبة، والخبث القاسي، والدعابات اللاذعة، والملاحظات الساخرة، والازدراء، والسخرية والاحتقار. أنظرُ إلى عينيك المتعبتين، الواهنتين اللتين كانتا تتّقدان بفيض من الرقّة – وقد عادتا إلى التوهج من جديد، برقّة فائقة، في “عشيـق الليـدي تشاترلي”. عينان واهنتان، متعبتان من طول التأمّل في العالم، والناس، شظايا من الناس. عينان متعبتان لأنهما كانتا تفتشان على الدوام عن منفذ، مهرب، عن وسيلة ما للفرار من الفوضى التي نعيث فيها وسنظل كذلك إلى أبد الآبدين. العينان اللتان أضاءتا ذات مرة حين استضاءتا بلوحة لرينوار، تدرّبتا برهة على سيزان، الفأر المذعور في وجه سيزان يطلّ من صورته الذاتيّة. فاشل، مثلك، في عالم الرجال. عيناك مرهقتان من طول البحث بين قبور الموتى عن أثر لحياة.

أتصوّر ملتون أعمى، وبيتهوفن أصمّ، ورينوار يرسم بجدعتيه الخشبيتين. وأنت تقول لدى اقتراب النهاية أنك لا تمانع إذا ما فقدتَ بصرك – لم تعد في حاجة إلى بصرك . وسواء أَفقدَ الفنانُ بصرَه أو سمعه أم لا، تبقى حقيقة أنه مع تقدّم تطوّره الداخلي يزداد عمى، وصمماً. إنه يختم على كل أعضاء الحس الخارجية، أعضاء اللمس والنظر والسمع النهائية، لكي يدرك حقائق الحياة بأحاسيسه الروحية.

والآن وصلنا إلى الرجل : “مصلوب الجنس”، “أبله الجنس”، “الواهن جنسياً تقريباً”، “الناضج روحياً قبل الأوان”، الخ، الخ. الرجل الذي أراد أن يجعل من نفسه إلها، كما قالت فريدا. الرجل الذي كان “جنتلماناً”، كما قالت فريدا في إحدى ثورات غضبها. الرجل الذي كان أرستقراطياً، أرستقراطياً في الروح، مثل أفلاطون، مثل يسوع، مثل بوذا.

فلنتأمّله برهة وهو يقوم بدوره التشابليني . فلننظر إليه كـ دون كيخوته معاصِر يشنُ هجومه على طواحين هواء من المثاليَّة البيضاء. فلننظر إليه كجوّال يهيم على وجهه في أرجاء الأرض. فلننظر إليه ” كعصابيّ خصب”.

حصيلته عشرون عاماً من الكتابة. وعندما نتفحّص ليس فقط الإنتاج الهائل، بل النوعية الجيدة لعمله، عندما نضع في حسباننا العصر الذي كتب فيه – عصر شديد العداء للإنتاج الفني، وصاعق، ومدمّر! – حين نضع هذه الأشياء في حسباننا بنزاهة تامة فمن الإنصاف أن نقول إنه كان عملاقاً، فناناً يستحق أن يوضع جنباً إلى جنب مع دانتى أو شيكسبير أو غوثه. لقد كان رجلاً فقيراً ولاهثاً وظل كذلك حتى آخر رمق في حياته. كان مريضاً معظم الوقت. وكان هشّا طوال حياته. وأُسيء فهمه، ونُبِذَ وأهمِلَ. ارتبط بزواج تعيس. جال في أغلب أرجاء الأرض. بنى بيوته بيديه. رتق جواربه بنفسه، وأشعل ناره، وخبز خبزه. كتب روايات، وقصصاً قصيرة، ومسرحيات، وكتباً في الرحلات والفلسفة. وكان يشن حرباً كيفما اتجه. ولّد لنفسه أعداء. وكان محبوباً أيضاً، لكنه كان مكروهاً في الغالب. نقّب بين الآثار الإترورية بحثاً عن حضارة أحبّها ؛ وترجم واحدة من أعظم روايات عصره . وكتب بعضاً من أشد ما كتب في نقد الأدب الأميركي حدّة، والمقالات التي كتبها عن بو، وويتمن وملفيل ربما لا يوجد ما يبزّها في النقد الأدبي كله. عاش بين الهنود ورقص معهم. ورسم وكتب لمجموع لوحاته مقدّمة قال فيها مرة أخرى أشياء من أشدّها عمقاً، أشياء عن سيزان خاصة لا يُعلى عليها. وقد أصيب بالسل لأسباب أعطى بنفسه وصفاً لها. وبعد أن فسّر رمزيتها، توفي متأثراً بالمرض الأبيض الذي صارعه طوال حياته. وعلى فراش موته كتب عدة مجلدات تحتوي من الحياة أكثر مما يوجد عند كل المؤلفين المعاصرين الأحياء الآن مجتمعين. لقد احترق بحيوية وبشدة بحيث لم يخلّف أي أثر لرماد. وهم لا يزالون يلملمون الجمرات من النار.

يبدو لي أنه خلال عشرين عاماً من الزمن أبدى ما يكفي من الحيوية ليثبت أنه كان حيّاً. ولو أننا، كما قال، ولدنا جميعاً جثثاً، فمن الصحيح أيضاً أنه كان أغنى الجثث قاطبة بالحياة. إن فضيلة الفنان الوحيدة هي أنه يُبرِز الحياة، كما قال. لقد جلب الحيـاة وأبرزَ الحياة. وكما التهموه وهو حي، امتصّوا الحياة منه، حسب قوله، سوف يظل الناس يقتاتون عليه طوال أجيال قادمة. ويعترف ريتشارد ألدنغتن قائلا “لا يمكن إلا لعبقري أن يجاريه في إنجازاته الحقيقية”

حين نتأمل الرجل يبدو أننا ننسى أنه كان أولا وقبل أي شيء فناناً، فناناً من نوع خاص، استنفذ الحياة، وكان عليه أن يجرعها حتى الثمالة. لم يسلّم بوجود أي شيء : كان يجرّب كل شيء بنفسه. وبما أنه تذوّق الحياة بنفسه، واختبر بنفسه حقيقة الأشياء، وصاغ بنفسه ضميراً من حديد، فإنه استطاع أن يقول بكل حماس روحه الإيجابية – ” تقول إنني على خطأ. مَنْ أنت، بل مَنْ أي إنسان، حتى يقول لي إنني على خطأ؟ أنا لست على خطأ! ” وحين يتوقف إعجاب لريتشارد ألدنغتن الفاتر أمام تطرّف لورنس العنيف، حين ترغب روحه الرقيقة، اللطيفة، في توبيخ العبقري الحي، يقول: “أخشى أن لورنس سيموت قبل أن يموت الثور”. في الواقع، إن السيد ألدنغتن مخطئ. د. ه لورنس سيبقى حيا كما بقي قيصر وشيشرون بعد انهيار روما. إن الإمبراطورية لا تبقى إلا حين تضم بين ظهرانيها عباقرة أحياء يزوّدونها بلهبهم – والثور البريطاني العظيم يبذل أقصى جهده لكي يلفظ أنفاسه الأخيرة ! كلا، إن الإمبراطورية البريطانية قد ماتت لتوها. إنها ليست خالدة. لكن الرجال الذين يمدّونها بأسباب الحياة هم الخالدون. وهذه حقيقة.

كفى كلاماً عن الجانب البطوليّ من شخصيته. إن له جانباً آخر – يدعو إلى الشفقة، بائس، محزن – ويثير السخرية. إن الدور الذي لعبه ككائن بشري خلّده تشابلن في كل فيلم من أفلامه. إنه الدور الإنساني، الإنسان القزم يشن معركته غير المتكافئة مع القدر. هنا نراه أشبه بقملة خالدة، شديد الضآلة، مزعجاً جداً، كريه الرائحة، ينجح بمكر غريزي في تفادي الإبهام الضخم الساحق للحياة العملاقة. هذا الجانب منه هو الذي يعجب العامة. إنهم يعشقون أن يروه يسخر من العملاق ويتحدّاه، أو يبرز له مؤخرته، أو يهرب وبنطاله ينزل إلى أسفل، أو ينزلق على قشرة موز، الصغير المذعور المسترق النظر يرتطم بالخطر، بالموت. والمتحدثون بلسان العامة هم المفكرون الذين يتأملون في الحياة المتخيّلة لقزم ليكتشفوا فيها الآثار الإنسانية، آثار ما يكاد يكون شيهماً إنسانياً خلّفها وراءه وهو يتلوّى ليتخلّص من قبضة العملاق. يأتون مع عدساتهم المكبّرة وآلات الاختبار والقياس ويعيدون تنظيم نشاط بقّة رائعة ويجعلون اللغز مفهوماً أكثر. يستطيعون أن يحلّلوا الأسطر وما بين الأسطر بحيث يغدو ممكناً إبلاغ الجميع بدون استثناء كيف فشل د. ه لورنس الرجل والقزم في ليلة معيّنة من شهر حزيران أو أيلول في أن يمارس الحب بشكل جيد مع زوجته وجلب على نفسه لذلك سلسلة من البؤس والكرب. بل يستطيعون حتى أن يجعلوا السرير يصرّ. يعرقون ويتصارعون مع هذه المآثر والأحداث لإضفاء واقع مقبول على حياة الرجل في حين كان الرجل نفسه طوال الوقت يحاول أن يضفي واقعاً آخر، يحاول أن يعطي السيرة الذاتية لروحه.

في أوقات فراغه، أوقاته الإنسانية جداً، كان شخصية تشابلينية. وتشابلن هو بطل الناس أجمعين – بطل الرعاع ! لورنس لم يكن بطلاً للرعاع، ولكن كانت له لحـظات تشابلينية. خاصة حين يحاط بنسائه، تماماً كما كان تشابلن يصبح في أشد مواقفه إثارة للسخرية حين يتخذ شخصية العاشق. فالمرأة تمثّل اختبار الواقع الرهيب. المرأة هي كذلك فعلاً. الرجل يدّعي. لورنس الفنان كاد ينجح في أن يغدو إلهاً. ولورنس الإنسان يتلقّى أطباقاً تحطّمها زوجته الحانقة على رأسه. لورنس الفنان، أو الفيلسوف، يستطيع أن يتحدث مثل سقراط ؛ يستطيع أن يتحدث عن تجاوز المرأة، يستطيع أن يقول أشياء رائعة عن هدف الإنسان الجادّ، الخ. ولكن في حياته الخاصة تجرّه زوجته معها من حزام المئزر كما فعلت أمه من قبلها. تستطيع أن تواجهه بجرأة وهي ترميه بنظرات تتطاير شرراً : ” إنني لا أقلُّ عنك أهميّة! “ونحن نعلم علم اليقين أن هذا كذب. “لماذا لستَ جنتلمانا؟”. هذا الكلام موجّه إلى رجل يبحث عن الله! ” أنت لست أرستقراطياً! ” وتعني بهذا أنها هي كذلك، ولكي تبرهن على ذلك تطيح بمجلة إلى رأسه علناً. وطبعاً إنْ كان خلعُ الجورب ورتقِهِ في القطار يدلُّ على شيء فإن لورنس لم يكن أرستقراطياً. كانت لغته أحياناً خشنة قليلاً، وربما كانت الكلمة المناسبة لوصفها هي فاحشة. ومع ذلك كان في إمكان ابن عامل المنجم الصغير الفظ هذا، بلكنةِ أهل ميدلند ونوبات غضبه الجامحة، أن يكتب أروع نثر، يستطيع أن يصف برقّة وسِعة خيال فائقين كيف يختفي الروح القدس في بذرة الهندباء البرّية تحت مظلّتها من الشعر. وقد كتب الكثير عن الروح القدُس، وهذا غريب بالنسبة إلى رجل ليس أرستقراطياً. كان في استطاعته أن يكتب عن لهب الحياة المقدس ومن ثم يتمخّط برسالة قديمة. هكذا قيل لنا. والحق أنه قد قيلت لنا أشياء كثيرة رائعة، تفاصيل شخصية صغيرة رائعة كوّنت الدجل اليومي لحياة إنسان عبقري، وردت على ألسنة الأبقار المعجبة التي كانت تحتشد حوله طوال حياته.

إن هدفي هو أن أعيد سردَ أكبرِ عدد ممكن من تلك المواد، بحيث نحصل، بالإضافة إلى الشخصية البطوليّة، على الشخصية اليومية، البقّة الدائمة التي ينبغي على الرعاع أن يشمّوا رائحتها لكي يصدّقوا عيونهم. ذلك أن جزءاً من هدفي هو أن أقحم د. ه لورنس، الفنان والبطل، بين حشود القطيع الغفيرة. ولكي أفعـل ذلـك، ينبغي أن أقدّم الجانب الإنساني “الجماعي” منه. فقد كان إنساناً أيضاً، وإلا لما كان صعد إلى قمة الجبل ومات هناك متأثراً بالمرض الأبيض. فقد أصيب بمرضه في السهول. الحب هو الذي قتله، على الرغم من أنه لكي يشرح ذلك تظاهر بأنه يعرض علينا حالة إدغار ألن بو. وسوف تلاحظ، بين هلالين، أنه حين يمقت لورنس رجلاً بعنف شديد يكون هناك عادة انجذاب قوي بين الرجل وبينه. إن بو يُشكّل، في عينيّ لورنس، علامةً فارقة بوصفه نبي الهلاك لا واعٍ، ويتحدث عن بو فيقول :

” يمكن للحب أن يكون شديد الفحش.

الحب يسبب العصاب في أثناء النهار. الحب هو السبب الرئيسي للعدوى بمرض السل.

الأعصاب التي تهتز بشدة أكبر في الانسجام الروحي هي مجموعة التعاطف في الصدر، والحنجرة، والدماغ الخلفي. اجعل هذا الاهتزاز شديداً جداً، فتضعف الأنسجة المتعاطفة للصدر – للرئتين – أو للحنجرة، أو للدماغ الأدنى، وتوفّر للدرنات مجالاً خصباً.

لكن بو أوصل الاهتزازات إلى طبقة صوتية تتجاوز التحمّل الإنساني لها”

*فصل من كتاب بعنوان “د.هـ. لورنس” صادر عن دار المدى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق