ثقافة السرد

3 قصص قصيرة للكاتبة الجزائرية: آسيا علي موسى

فنجان قهوة: ” أستلطفك ، متى أردت مري على بيتي لنشرب فنجان قهوة معا . سيسعدني جدا ذلك .” تبتسم جارتي التي لا اعرفها و تمضي .ألمحها تقطع الطريق ، أبتسم لظهرها ، تفر رغما عني تنهيدة كبيرة . أصعد سلالم البيت ، أعدها ببطء ، فنجان ، فنجانان ، ثلاثة ،  كم فنجانا احتسيت و كم فراقا جربت ، يا جارتي التي لا أريد أن تعرفني ، حفزت بداخلي جراحا قديمة أحاول ألا أنظر إلى آثارها و أخرى جديدة ما زالت تنزف روحي حسراتها ، كرهت طعم القهوة الحلوة و صينيتها المذهبة المكتظة بأشياء  تزينها ، تبهر ، تذهل ، لكن تصنع في النهاية أعباء كان يمكن الاستغناء عنها . تبدأ بالسكر وشتى أنواع الحلويات و تنتهي بفنجان هجر مر أسود . فتحت باب البيت وأنا أسرح في آخر فنجان تجرعت…. كان مرا ، ما زلت أجتر مرارته كلما وضعت رأسي على وسادتي ، كلما بسطت أوراقي البيضاء و حملت القلم ، كلما فتحت كتابا لأقراه ، كلما غشتني لعنة الإلهام.

قبل أن أغلق الباب ورائي … يفر مني ، أسمع صوت اصطدامه ، يقع قلبي في الأرض ، ليت كل الأبواب   التي نريد أن نغلق ، تنزلق من ذاكرتنا ، ندفعها بقوة ،نوصدها و نمحق القلب المعلق بما يختبئ وراءها بأقدامنا ، بأقلامنا ، بسواد القلم الذي يغتصب بياض أوراقنا، كما اغتصبت فناجين القهوة الحلوة مساحات وحدتنا ، و صينية أدواتها المنمقة عبأت فراغات أرواحنا .

يعود طعم آخر فنجان يا جارتي ،أدخل البيت ، أترنح في الرواق مثقلة بجراحي ، متخمة بفناجين القهوة الكابسة على أنفاسي، ألقي حذائي ، ألقي همومي على البلاط ، أرتمي على أريكتي المجاورة لمكتبي ، تنبسط أمامي كتب منمقة كصينية عربية عتيقة ، يقابلني آخر فنجان شربت ، على غلاف الكتاب الذي قرأت عشرات المرات  ، تنطلق منه رائحة عطر أدمنته طويلا ،  و ها أنا أشيح وجهي عنه و أحس به يخنقني ،، عطر فنجان قهوتي الأخير يتغلغل في مسام الفؤاد ، يتسرب إلى أعماق خذلتها عطور سبقته ، يبصم في القلب وشما عميقا ثم يمضي و قد خلف لي حالة من الغيبوبة .

أنهض من أريكتي متثاقلة ، خائفة ، مضطربة ، أتقدم من الكتاب ، ترتجف مكامن نفسي ، منذ أيام لم أقترب منه ، منذ تكسر آخر الفناجين تركته حيث كان .

كنت أرتب مكتبي ،كل يوم ، أجمع أوراقي ، أصففها ، أصنفها ، أقلب كتبي كلها ، لكنني كنت أتحاشاه ، حيث كان بقى .

أرتبك و أنا أقرب يدي منه ، كأن أناملي تتوجس فيه الاحتراق ، أتراجع خطوتين ، و عيناي المرتجفتان تحاولان الهرب ، لكنهما كفأرين جننهما الذعر تدوران حول نفسيهما ، تحومان حول الكتاب .

أذرع الغرفة بجنون ، كأني أقدم على خطيئة ، تتصارع بداخلي الرغبة و النزق .

صحيح أنني أدمنت قهوتي هذه و يصعب علي كبح جماحي و عطرها يتسرب إلى أحشائي ، لكنني ما عدت سيدة القرار، هي تأباني وترفض الجلوس على طاولتي ، ليست قوة ، انصرافي عنها ، لكن حتى القهوة تعرف من تختار .

أعود إلى كتبي ونار الغضب تأجج نفسي ، أختطف شوقاً، احتراقاً ، ألماً فظيعاً ، ندماً كبيراً ، لوماً وعتاباً ،

أبحث عني بين أوراقه ، أتفحص كقارئة فنجان ما رسب في القاع ، أحاول أن أقرأ ما يداريه المستقبل ، أبحث عن اسمي بين سطوره ، متلهفة أبحث عن الخاتمة ، أعرج على الإهداء ، أستنطق أحرفا خرساء متواطئة علي ، أجد كل شيء ، أجد كل من يحبون القهوة الحلوة ، و الصينيات المنمقة ، أجد مجالس  السمر ، أجد كلمات قيلت لي كثيرا و ظننتها ملكي وحدي  ، أجد …

خيبتي و انكساري .

و مذاق قهوة مر ، يحبس رغبتي في البكاء .

***

خاطب: أقف أمام مرآتي ،أرتب هندامي ، أعدل ياقة تنورتي ، أضع احمر شفاه باهت على شفتي ، أمر على شعري أمشطه مرات ومرات ، أعود إلى غرفة الجلوس أعدل المزهرية ، أرتب زهورها بدقة ، اخترت للمناسبة لونين فقط ، الوردي و الأبيض  أحب الألوان الخافتة الهادئة ، تحاشيت اللون الأحمر رغم أن البائع سألني  بلؤم العارف

– ما المناسبة ؟لكل مناسبة أزهارها ، مثلا لعيد المرأة يمكنك أن تختاري الألوان الفاقعة للحرية. للصلح يمكنك أن تختاري اللون الأبيض ، لمولود جديد اللون الوردي ، يمكن كذلك اختيار باقة متنوعة للأعراس و الخطبة ، للوصال اللون الأحمر، الناس عادة يفضلونه لاعتقادهم أنه أكثر الألوان تأثيرا و جاذبية ، أنا شخصيا لا أحبه لون وقح ، مبالغ ، فض ، لو أردت رأيي ، مجرد رأي فقط ، أنصحك بانتقاء لونين محايدين ، الأبيض و البنفسجي ، زهور الكاميليا ساحرة ، محايدة . بائع الورود ثرثر كثيرا و أنصت إليه ، لكنني رأيت أن الكاميليا زهور وديعة عذبة تعني الكثير من الأشياء ، ليست بالحياد الذي يتكلم عنه صاحبنا ، فأبعدت الفكرة مستبدلة إياها بزهور وردية بريئة أو فقط مسالمة.

في طريقي إلى المطبخ حيث تتربع الحلويات المتنوعة على طاولته و أدوات ثمينة تستعمل للمناسبات الخاصة جدا ، ألمح وجهي ثانية أو ثالثة أو للمرة المشكوك فيها ، أرى طيف الخوف يحط على رأسي ، لكنني أتذكر ” المكتوبة على الجبين ما ينحوها اليدين” أستعيد همتي و يولد الأمل كبيرا في صدري و الثقة ضخمة في نفسي ، و الإرادة  فولاذية و الإيمان مبالغا، مغرورا ، ساذجا .

” الجمال في الروح ، الأخلاق ،كوني امرأة وديعة مطيعة ذكية ، صبورة ، و سترين ” هكذا تقول جميلة صديقة الطفولة ، ذات العيون العسلية و الشعر الأشقر و القوام الرشيق.أحاول أن أصدقها  أجد كل المقومات لا تنقصني ، روح صافية شفافة ، بداخلي كنوز الحب الدفين تبحث عن منفذ لتطفو على السطح ، مسامحة إلى ابعد الحدود،  ذكية ؟ نعم أظن ذلك ،

مطيعة ؟ لست ادري ، لكن يمكنني أن أجد منطلقا للتفاهم ، على كل لست مستحيلة …

صبورة ؟

آه الصبر أملك منه  ، خمسة وعشرين سنة ، أظن لا أتقن شيئا كما لعبة الصبر هذه ، لم أتعلم في حياتي شيئا مثله .

تحملت  أول ما تحملت .. قسوة مخلوق يمكن للكثيرين أن يشهدوا انه ولدني ، حملني تسعة اشهر، خرجت من بطنه ، و شربت حليبه ، و ترعرعت في بيته كل العمر ، لكن لا أعلم هل أسميه ” أمي ” ؟

أفتش عن شيء آخر يجعل منها أما ، فلا أجد غير ما ذكرت ،و أمورا مقيتة تنم عن قلب قاس ، لا نسيت أهم ما أعطتني ،

أعطتني عيونها الضيقة ، و انفها المكور ، و بشرتها الزرقاء ، قامتها القصيرة أيضا ، وبدانة جسمها …

ربما لأجل هذا ، تنقم علي هذه المخلوقة التعيسة .. أو .. لأن أبي طلقها مباشرة بعد ميلادي ، خطبتها أمه ، لم يرها حتى يوم العرس .

الكل يقول أنها قبيحة ،لكنني لم أرث عليها قسوتها و نقمتها ، أحب الحياة و أحب الأمل. لدي من الصبر أكثر ،

أحلم فقط بأطفال لا يهم شكلهم ،، فقط سأكون لهم الأم التي تمنيتها لنفسي .سيكونون في عيني أجمل الأطفال،

…. طرق على الباب … جاء ..

……………………………………

دخلت على استحياء ، قابلني وجه حسن ، و نظرة باردة ، لم أطل النظر، لدي ما يكفي من الذكاء ..

حييت رد التحية و سكت .. لم أكترث، لدي ما يكفي من الصبر ..صمت طويلا ،، لم أستطع المبادرة بالحديث ،الأخلاق تريد ذلك،و أنا بنت الأصول لا يجوز أن أفعل ذلك .  تململ في كرسيه ، تنحنح قليلا ، تظاهر بالسعال أسرعت إلى كوب الماء ،، هكذا تكون المرأة المطيعة … رأسه تسرح في السقف ، ورأسي مطرقة  في الأرض ،، كقطة وديعة ..

– قهوتك ، كيف تريدها ؟( سيدة بيت ممتازة قلت في سري )

– بدون حليب أو سكر.

– لكن هذا مضر بالصحة ( بدأت ألعب دور الزوجة المحبة بهذه السرعة راق لي الدور )

لم يعلق ، ابتسم، ابتسامة خفيفة .

الصمت ثانية ..

ارتشف فنجانه على عجل ،

أما أنا فبقيت أنتظر ..

– الجو حار اليوم ( بدأت افقد صبري )

– نعم الجو حار .

– يمكنك أن تنزع سترتك ، أعلقها، ( بدأت في عرض خدماتي)

– لا شكرا ، كم الساعة الآن ؟ لدي موعد مع صديق ، علي أن أغادر.

– كما تريد  ( انكسر بداخلي  أمل شحيح ، سمعت صوت تكسره ..كتمت بداخلي صرخة ، أشفقت لحظتها على أمي )

***

موقف أخرس: كان علي أن أقول شيئا ،لكنني  ترددت ، توجست قلقه ، راعتني عصبيته ، اللعاب يسيل من فمه ، يده تلوح في وجهي ، صراخه يصل آخر الشارع ، أكاد أرى عيون الجارات خلف النوافذ و آذانهم مركزة نحو شرفتي.  الصغير يبكي ، يضرب برجليه الأرض، يرمي لعبته فيكسرها ثم يجهز على ما تبقى عليها بحذائه أنا ، كان علي أن أقول شيئا ، لكنني  ترددت .. أسمع نعوته ..و قلبي يئن ألما،،يسب أمي المسكينة ، و أبي الذي مات منذ سنين ، يلعن سلالتي كلها ، سلالة الكلاب ، هكذا يقول، و كان علي أن أقول شيئا لكنني ترددت،  يزداد صراخه ..

– لماذا لا تجيبيني ؟  ردي علي ، هل أنا كلب ينبح ردي يا بنت أل..

كان علي أن أقول له..أنت وحش .ليتك كنت كلبا لكان بالإمكان معاشرتك ، لكنك وحش ظالم  .

قبل أن تتبلور الفكرة في رأسي ، هزني من كتفي رفعني  ثم قذفني على الجدار ، سقطت على الأرض ، أحسست شيئاً مالحاً في فمي ، تلمست ، دمائي تسيل ساخنة ، كنت سأقول له شيئا ،لكنه،،، صفق الباب بقوة و غادر .. طفلي الصغير اقترب مني و .. رفع يده الصغيرة جدا ، ضربني على رأسي،و هو يميل برأسه ليراقب  تعابير وجهي ، كان يبتسم ، و يومئ لي أن أشاركه اللعبة ..

كنت سأقول له شيئا لكنني ، بكيت .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق