قراءات ودراسات

عصر الموَحّدين من 515هــ إلى 666هــ / 1121م إلى 1269م

محاضرات في الأدب الجزائري من التأسيس إلى التّحْدِيث

أ.د شميسة غربي*

نظام الحكم:
أوّلُ خليفةٍ مُوَحِّدي هو محمّد المَهْدي بن عبْد الله تومَرت، تولَّى الخِلافةَ سنة 515هـ/1121م، و آخِرهُمْ هو عبْد الوَاحد الرّشيد بْن إدْريس، حَكَمَ إنْطِلاقاً منْ 630هـ/1232م.
نشأتِ الدّوْلة المُوَحّدية بمنطقة “تينملل” في المغرب الأقصى على يد الرّجُل السِّياسِي مُحمّد بْن عبْد الله الشّهير بِاسْمِ “تومَرْت” و معْنى” تُومَرت ” بلسان البَرْبَر، الفرَح، لأنَّ أمّهُ فرِحَتْ كثيراً بِموْلدِه… و كانتْ كُلّمَا سُئِلتْ عنْهُ، أجَابتْ بلِسانِها البَرْبَرِي: “ديك تومرت” و معْناهُ صارَ فرحا، فغلب عليْه ذلك اللقب.70
أقام “تومرت” دوْلتهُ على فِكْرَة المَهْدَوِية و أيّدَهُ رَجُلانِ من المغرب: أبُو مُحَمّد عبْد الله بن محسن المشهور بِاسْمِ البشير الوَانْشرِيسِي، و كان عالماً فصيحاً بِاللغَتيْنِ العربية و البَرْبَرِيَة وعبْد المُؤمن بْن عليّ التّاجري الكومِي النّدْرُومِي .
كان النّاسُ في هذه الدّوْلة « ثلاث طبقات: السّابقون الأوّلون وَ همْ الذين بَايَعُوا المَهْدي بن تومرت، ثمَّ يليهم الأتباعُ، ثمّ تأتِي الطبَقة الثالثة مِنَ العامّة. و لمْ يَكنْ يُطلق لقبُ “السّيد” عنْدهُم إلاّ على أعْضاءِ الأسْرة المَالِكة من أبناء عبْد المُؤمِن فقط، و قد فعلوا ذلك كيْ لا يتولّى الرِّئاسة مِنْهم إلاّ مَنْ كان سيِّداً حقّاً، فكان بذلك نظام الحكم في هذه الدولة أرسْتقرَاطياً مَحْضاً. »71 اعْتمدَ المُوَحِّدونَ لقبَ “المُؤمِنِيَة”، كناية عنِ الخَليفة “عبْد المُؤمن بْن عليّ” و قد كان هذا الرّجل دَاهية في السّياسَة و الحرْب، كفاءة في العِلْم و حِدّة الفِكْر، وهو صاحب القولة المشهورة: “العلماءُ أوْلَى منْكمْ أيُّها الأشْيَاخُ!72
خاض الرجل حروباً كثيرة، انتصر فيها… فاسْتوْلى على تلمسان، و وَهْران، ومَلْيانة، وَ جَدَّ في ُملاحَقة الأمير “عليّ بْن يُوسُف بْن تاشفين” حـتّى تـسَبّـبَ فـي هَـلاَكـهِ و نـقـل رأسـهُ إلـى
“تينملل” و استوْلَى على بِجاية، و أجْبرَ النّصارَى على الجلاء عن مدينة جيجل بعد أن مكثوا بها تسع سنوات… و يَمّمَ نحْوَ سْطيف فاشتدّتِ الحرْبُ بيْنه و بيْن رُؤساء النّوَاحِي الجَزَائِرية، حرْبٌ دامتْ ثلاثة أيّام فقط، و لكن الخسارة كانت فيها فادحة للثائرين المُتمرّدينَ على المُوَحّدين…
استطاع عبد المؤمن، بعد فتْح الجَزائر، أنْ يسْتولي على تونُس و أنْ يُخْضِعَ الأنْدَلس قبل وفاته؛ في مدينة “سَلاَ ” سنة 558هـ / 1163م و دُفن بإزاء ضريح المَهْدي مُحمّد بْن عبْد الله تومَرْت، بعْدَ أن نُقِل جُثمانُهُ إلى تينملل و بعْدَ أنْ بلغتْ ذرِّيَتُهُ 16 ذكَراً و بِنتيْنِ…
لمْ تصْفُ الأجْواءُ بيْن المُوَحّدين و بيْن بنِي عبْد الوَاد، الذين نازَعُوا المُوَحِّدِين حتّى تَغلّبَ “يغْمُرَاسَن بْن زيان” على الخليفة أبي الحسن المُلَقّب بالمعتصم و قتله سنة 646هـ/1348م، و دَفنَهُ بِالعبّاد و أصْبحتِ الجزَائرُ في يدِ بنِي زِيّان مِنْ بنِي عبْد الواد.
أمّا فيما يخُصُّ المذاهبَ و العَقائدَ، فقد عمل المُوَحّدونَ بمذهب الأشاعِرَة المُرْتكز على التأويل… و عمِلَ إبْنُ تومرت على تسهيل مقاصد الشريعة للناس « بما كتبه لهم من التأليف بلسانهم الشعبي فكتب (العقيدة) و (المرشدة) بلسانهم، و لمْ يتورّعْ فيهما عن ترجمة الآيات القرآنية باللغة البرْبرية، فكان بعمَلِهِ هذا يُعدُّ أوّلَ منْ قام بترْجمة القرْآن، إلى لغةٍ أجْنبية، كما أنّه اسْتحْدَث لهم الأذان للصلاة باللسان البربري، و كثيراً ما كانت الخطب الجمعية تلقى من أعلى منابر الجوَامِع بِلغة القوْم الشّلحية في الحثّ على الوُقوف عنْد نُصوص الكِتاب والسّنّة.»73.

الحياة الثقافية:
ازدهرت الثقافة في هذه الفترة… و السبب يتمثل في إهتمام ملوك الدولة بالعلم والأدب و الفلسفة، و يرجع الفضل إلى أبي يعقوب في نشر فلسفة أرسطو بين الناس و شرحها بواسطة ابن الطفيل و شرح ألفية ابن سينا في الطب بأمرٍ من أمير بجاية و تلمسان… و رُفِعَ الحظرُ عـن بـعض الـكتب الـتي حـذّرَ المُرَابِطون منها مثل كتب الغزالي… و اهْتمّوا بالقضاءِ
فبرَز فيه “أبو عبْد الله محمّد الوَهرَاني” و محمد بن حماد الصنهاجي المؤرخ الضليع، صاحب كتاب” أخبار ملوك بني عبيد – الفاطميين” – طبِعَ بِالجَزَائر سنة 1346هـ / 1927م و كتاب ” نبذ تاريخية في أخْبار البرْبَر” المطبوع برباط الفتح 1352هـ / 1933م.
من شعره في رثاء قلعة بني حمّاد74:
إن “العـــروسـين”75 لا رَسْمٌ و لا طللُ * فانْظرْ ترى ليْس إلاّ السّهْلُ و الجبَلُ
و قــصر “بـلارة”76 أوْدَى الزّمــانُ بهِ * فــأيْــن مـــا شــادَ منْها السّادةُ الأوّلُ
و لــيْسَ يُــبْهِــجُــنِي شـيء أُسّـــرُّ بــهِ * مِنْ بــعْدِ أنْ نهَجَــتْ بِالَمنْهَج السُّبُلُ
و قد عَــفَى قـــصْرُ حـمّــادٍ فـــليْس لهُ * رَسْـــمٌ و لا أثـــرٌ بـــاقٍ و لا طـلــلُ
و مَجْــلِسُ القـــوْم قـــدْ هبَّ الزّمانُ بهِ * بـــحَـــادثٍ قـــلَّ فــيه الحادِث الجَللُ
و إنَّ في القْصـر- قِصَرُ المُلكِ- مُعْتَبراً * لِـــمنْ تُــغــرِّرُهُ الأيّــــامُ والــــــدُّوَلُ
و اهتمَّ المُوحّدون بالعمرَان و بالأسْوار… و في ذلك يقولُ الشّاعرُ الجَزَائرِي “أبو علي الحسن بن الفكون القسنطيني”، وَاصِفاً مدينة النّاصرية (بِجاية):
دَعِ العِــــرَاق و بغْـدادَ وَ شَـامَهُـــــمَا * فــالنَّـــاِصرِيــةُ مـــا إن مْـــثلـهَـا بَلدُ
بَـــرٌّ و بــــحْــرٌ و مَــرْجٌ لـلعيون به * مســــارِحُ بــانَ عـــنْها الهَـمُّ و النّكدُ
حيْث الهوى و الهـواء الطلقُ مُجْتمِعٌ * حيْث الغِنَى و المُنَى و العِيشة الرَّغَدُ
إنْ تَـــنْـــظــرِ الــبَرَّ فالأزهــارُ يانِعة * أوْ تنْـــظــرِ الــبحــرَ فالأمواجُ تطّرِدُ
يـــا طــالباً وصفها إنْ كنتَ ذا نصَفٍ * قـــلْ جـــنـة الخلدِ فيها الأهلُ و الولدُ77
إلى جانب الشعر، ازْدهرَ النّثر… و لعلّ أبْلغ النّصوص التّمْثيليَة لِهذهِ الفتْرَة، مَا كتبَهُ “محّمد بن محرز الوَهْرَاني” المتوفى سنة 575هـ / 1179م و هو صاحب المنامات المعروفة في الأدب العربي بـ: “منامات الوهراني” و التي يمكن إدراجها ضمن ” العجَائبية” المُبَكِّرَة في الأدَبِ الجزائري القدِيم… و فيمَا يأتِي نمُوذجٌ منْ كِتابَاتِه:
قال الشيخ ركن الدين محمد بن محمد الوهراني المغربي عفا الله عنه يصف بغداد المحروسة وسفرته إليها ويمدح الخليفة.
قال الوهراني: « لما تعذرت مآربي، واضطربت مغاربي، ألقيتُ حبلي على غاربي، وجعلتُ مذْهبَات الشِّعر بضاعتي، ومن أخلاف الأدب رضاعتي. فما مررت بأمير إلا حللت ساحته، واستمطرت راحته، ولا وزير إلا قرعت بابه، وطلبت ثوابه، ولا بقاض إلا أخذت سَيْبَهُ، وأفرغت جيبه. فتقلَّبت بي الأعصار، وتقاذفت بي الأمصار، حتى قربت من العراق، وسئمت من الفراق. فقصدت مدينة السلام، لأقضي حجَّة الإسلام. فدخلها بعد مقاساة الضُّر، و مكابدة العيش المر. فلما قرَّ بها قراري، وانجلى فيها سراري، طفتها طواف المفتقد، وتأمَّلتها تأمُّل المنتقد، فرأيت بحراً لا يعبر زاخره، ولا يبصر آخره، وجنةً أبدع جنَّانُها، وفاز باللذة سكّانها، لا يميل عنها المتَّقون، و لا يرتقي إلى صفتها المرتقون، “كمثل الجنة التي وعد // المتقون “. فأرحتُ نفسي من سلوك الغور والفج، وجلست أنتظر أيام الحج، وتاقت نفسي إلى محادثة العقلاء، و إشتاقت إلى معاشرة الفضلاء فدَّلني بعض السادة الموالى، إلى دكان الشيخ أبي المعالي، فقال: هو بستان الأدب، وديوان العرب، يَرْجع إلى رأي مصيب، ويضرب في كل علم بنصيب. فقصدت قَصْده، حتى جلست عنده. فحين نظر إلي، ورأى أثر السَّفر عليّ، بدأني بالسلام، وبسطني بالكلام. و قال: من أيّ البلاد خرجت، وعن أيها دَرَجت؟ فقلت: من المغرب الأقصى، والأمد الذي لا يحصى، ومن البلد الذي لا تصل إليه الشمس حتى تَكِلُ أفلاكها، وتضجّ أملاكُها، ولا القمر حتى يتمزق سَرْجهُ، ويتداعى بُرجه، ولا الرياح حتى يحجم إقدامها، وتحفى أقدامها. قال: كيف معرفتُك بدهرك، ومن تركته وراء ظهرك؟ فقلت: أما البلاد فقد دُستها و جُستها / وأما الملوك فقد لقيت كبارها وحفظت أخبارها، وقد كتبت في ذلك مجلداً وتركت ذكرهم فيه مخلداً. فأي الدول تجهل، وعن أيها تسأل؟ فقال: أول ما أسألك عن دولة الملثمين و أبناء أمير المسلمين. فقلت هيهات، // يا بعد من مات خمدت نارهم، وبادت آثارهم، واسود ناديهم، وملكتهم أعاديهم.
جمالُ ذي الأرضِ كانوا في الحياة وهم * بـعد الممات جمالُ الكُتْبِ والسـِّيرِ
أفِلَتْ بُدورُها ، فتعطّلتْ صُدورُها ، و طلعتْ نُحوسُها، فغابتْ شُموسُها
أمـسـتْ خـــلاءً و أمسى أهلها احتملوا * أخْــنى عليها الذي أخْنى على لُبَدِ78 »79

الفترة الحفصية من 627 إلى 943هـــ؛ 1229 إلى 1526م
نظامها الحكومي:

بعْدَ سُقوط المُوَحّدين، ظهرتْ ثلاثُ إماراتٍ مغْربية، حاولتْ الاستيلاءَ على الشّمال الإفرِيقي، هي: دولةُ بني حفْص في الشرْق، ودوْلة بنِي مَرِين في الغرْب، و دوْلةُ بني زيّان في المغرب الأوْسَط.
وقد وقعت الجزائر في قبضة “الحفصيين” و “بني مرين” مُدّة منَ الزّمَن…
يرجع نسب الحفصيين إلى أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتي (نسبة إلى قبيلة هنتاتة من المصامدة بالمغرب الأقصى).
اتخذ الحفصيون لقب “السّلطان” شارَةً لهُمْ، وَ قدْ تلخّصتْ ِسياستُهُمْ في تلك الوَصية التي تركها الأمير”أبو زكريا يحْيى الأوّل” حين عقد لولده أبي يحيى على ولاية بجاية، و التي سمَّاهَا ابْنُ خلدون الوَصية المباركة:
« إعلمْ سدّدَكَ اللهُ و أرْشدَك، و هَدَاك لِمَا يُرْضِيه و أسْعَدَك، و جَعَلكَ مَحْمودَ السِّيرَة، مَأمُونَ السّرِيرَة: إنَّ أول ما يجب على منِ استرعاه الله في خلقه، و جعله مسؤولاً عن رعيته، في جُلِّ أمْرِهِمْ و دِقّهِ، أن يقدم رضى الله عز وجلّ في كل أمر يحاوله، و أنْ يَكِلَ أمرهُ و حوله وقوته لله، و يكون عمله و سعيه و ذبّهُ عنِ المسلمين، و حربه و جهاده للمؤمنين، بعد التوكل عليه، و البراءة من الحول و القوة إليه، و متى فاجأك أمر مقلق، أو ورد عليك نبأٌ مرهق، فرَيِّضْ لُبّكَ، وسكِّنْ جأشكَ، و ارْعَ عوَاقبَ أمرٍ تأتيه، و حاوِلْهُ قبْلَ أنْ ترُدّ عليه و تُفْشيه…
و اعلمْ أنّ من تواضع لله رفعه الله، و عليك بتفقد أحْوال رَعيّتك و البحْث عنْ عُمّالهم والسؤال عن سير قضاتهم فيهم، و لا تَنَمْ عنْ مصالحهم، و لا تُسامحْ أحداً فيهم، و مهما دُعيتَ لكشفِ ملمّةٍ فاكْشِفْها عنْهُمْ، و لا تُرَاعِ فيهم كبيراً و لا صغيراً إذا عدل عن الحقّ و لا تُراعِ في فاجرٍ و لا متصرّفٍ إلاًّ و لا ذِمّة، و لا تقتصرْ على شخصٍ واحدٍ في رفع مسائل الرعية و المتظلمين، و لا تقفْ عند مرادهِ في أحوالهم…
و اعلمْ أنَّ دماء المسلمين و أموالهم حرام على كل مؤمن بالله و اليوم الآخر، إلاّ في حق أوجبه الكتاب و السنة و عَضّدَتْهُ أقاويل الشرعية و الحجة، أو في مُفسد عائثٍ في طرقات المسلمين و أموالِهِمْ، جَارٍ على غيّهِ في فسادِ صَلاحهم و أحْوالهم، فليس إلاّ السيْف؛ فإنّ أثرَه عفاء، و وَقْعَه لِداءِ الأدْمِغة الفاسدة دوَاء، و لا تُقِلْ عثرَة حسودٍ على النّعم، عاجز عن السّعي، فإنّ إِقالتهُ تحْمله على القوْل، و القولُ يحْملهُ على الفعل، و وَبَالُ عمَلِهِ عائدٌ عليكَ، فاحْسِمْ داءَهُ قبْل انْتشاره، و تدارَكْ أمرهُ قبْلَ إظهاره، و اجعلْ الموت نصبَ عينيكَ، و لا تغتر بالدنيا و إِنْ كانتْ في يديْكَ، لا تنقلبْ إلى رَبّك إلاّ بما قدّمته من عملٍ صالح و متجرٍ في مرْضاته رَابح…»80
حدثتْ بالجزائر خلال حُكم الحفْصِيين، أحْداث و وقائع، أشهرُها و أخطرها حوادث أبي القاسم بن أبي زيد و حركة الدْوَاوْدَة من قبيلة رياح، التي جعلت السلطان المُسْتنْصر الأوّل، يخرج بنفسه من تونس، سنة 664هـ / 1265م على رَأس جيش عظيم، للقضاء على َموَاطن الثورة بالجزائر، و كان له ما أراد… « و قبض السلطان على رؤوس الفتنة، فضُرِبتْ أعْنَاقُهم و نُقِلَتْ إلى بسكرة، فنُصِبَتْ بها. »81 وفي سنة 728هـ / 1327م حدثتْ فتنٌ أخرى داخل الأسْرة الحفصية نفسها … حيْث تنازع أفرادها على الحكم؛ ممّا جعل الملك الحفصي يَسْتنجدُ بالسّلطان المرِيني “أبي سعيد” وتَفاهَمَ معَهُ على أنْ « يُقاسِمَهُ ولاية تلمسان (…) و ما كادتْ تمْضي خمسُ سنواتٍ؛ حتى تحرّك السلطان المريني أبو الحسن من عاصمة فاس، قاصداً غزو الجزائر (…) و كانت الحصيلة ثمانين ألف قتيل. و منذ ذلك الحين أخذ شأن المرينيين يعلو بالمغرب الأوسط، و نفوذهم ينتشر حتى عمّ سلطانهم القطر المغربي كله..»82 أمّا فيما يخص المذاهب و العقائد، فقد تمسكت الجزائر بالمذهب المالكي و العقيدة الأشعرية، وابتعدتْ عن الجدل الديني العقيم؛ وما ينتج عنه من خلافات و اضطرابات ورُبّما ِصرَاعاتٍ داميَة كما حدث في المشرِق…

الحياة الثقافية:
يقول محمد الطمار: « إذا أردتَ أنْ تُلمَّ بشيْء منَ التّفصيل عن كتب الدراسة و الفنون التي كانت تُدرّس يومئذ بالجزائر الحفصية، فعليك بعنوان الدّراية للغبْريني المتوَفى في 12 ذي القعدة سنة 714هـ. و يلاحظ أنَّ الفلسفة و العلوم العقلية كانت قليلة. »83 و الرّجل معه حقّ فيما يَقول…
و يبدو أنّ حركة التأليف كانت قوية بالجزائر، و تَجسّدَ ذلك في كُتب التّراجِم و الفهارس و قد ألف ابن خلدون ُمقدّمتَهُ في الجزائر بِقلعة بنِي سَلامة، بِالجنوب الغربي قرب مدينة “فرَنْدة” عام 776هـ / 1374م.
و تنوّعتْ ثقافةُ الجزائريين على عهْد الحفْصيّين… ففي النّحْوِ مثلاً؛ اشْتهرَ “أبو الحسين زين الدين أبو زكرياء يحي بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي” « تصدّر لِتدريس الأدب العربي بجامع القاهرة العتيق، فأقبل عليه جمهور المتأدبين يأخذون عنه و يستفيدون منه، وأجرى له الملك على ذلك جراية. فتمادى في التدريس، و أكبّ على التأليف، فأتحف مُعاصريه بالألفية في النحو المشهورة باسم “الدّرة الألفية في علم العربية” و هي التي أشار إليها ابن مالك في ديباجة خلاصته، وأثنى عليه فيها و هي منظومة مع بحْريْن، بعضها من السّريع و البعْض من الرّجز و مطلعها:
يقول راجي ربه الغفور * يحيى بن معطي بن عبد النور
و للِنّحاة عليْها شرُوحٌ كثيرة أشهرُها شرْح الشريْشي.84 و اشتهر في الفقه الإمام الفقيه أبو عبد الله بن حجاج بن عبد الله بن يوسف بن السكات الذي تتلمذ للإمام “ابن العربي” و له رواية عن “أبي موسى الجزولي”، الذي اشتغل بالقضاء بعد رجوعه إلى بجاية، قادِما منَ الأندلس…
و في الحديث ظهر الشيخ “أبو عبْد الله مُحمّد بن قاسم بن منْداس الأشيري”، و قـد التقى بأبي
موسى الجزولي و لازمه ملازمة ظله، و أخذ عنه علوم اللغة و الأدب… و أما في التاريخ؛ فيُمْكنُ ذِكر العلامة المؤرخ الفقيه أبو زيان ناصر بن أحمد بن مزني الفزازي البسكري، استقرّ بالقاهرة و الْتقى بعبْد الرّحمن بن خلدون و لازم “ابن حجر” طويلاً… و شرع في جمع تاريخٍ كبيرٍ للرّواة، ولكن لم يتممه بسبب الإصابة في عيْنيْهِ… ذكر “المقريزي” ذلك فقال: « إن صاحب الترجمة كان يتردّدُ إليْه و قال، ماذا فقدنا منْ فوَائده، عوّضَهُ اللهُ الجنّة.!»85
أمّا في ميدان الأدب؛ و الشعر على الخُصوص: فقد برز “محمد بن حسن القلعي” الذي نحا في شعره منحى “حبيب بن أوس”، صاحَبَ “أبا عبْد الله الأرِيسِي” الجزائري الذي سلك في شعره مسلك “المتنبي” و كانتِ المُرَاسلاتُ دائمة بيْن الشّاعرَيْنِ.
مِن جميلِ شعرِه في الزُّهْديات، قوله:
الخُبْرُ أصَدقُ في المرْأى مـن الخبَرِ * فـــمَــهْدُ العُذرِ ليْس الـعيْنُ كالأثرِ
هـــو الحِــمامُ فــلا تُــبعِدْ زيــــارته * و لا تــــقلْ لــيتـني منْه على حذرِ
يــــا ويــحَ مَنْ غــرّهُ دهرٌ فسُــرّ به * لـم يَخْلصِ الصّفوُ إلاَّ شِيبَ بِالكَدَرِ
و القصيدة طويلة … يقول في آخرها:
أفنـــاهـــمُ الدَّهْـرُ أولاهم و آخرهم * لم يبق منهم سوى الأسْماء و السِّيَرِ!
أختم هذه الجولة الحفصية بــ : أحمد بن أبي القاسم الخلوف، شاعرُ الحفْصيّين و الملقبُ “بذي الصناعتيْن” على غرار “أبي هلال العسكري”… يقول في إحدى قصائده:
لا أنْــثـني عــن حـــبِّ مَنْ لمْ يُثْنِهِ * عــنْــد الوَداعِ تــذلُّلُ الأشـــــــواق
لـــوْ كنتَ شاهدنا و قد حكم الهوى * بـــفراقــنا؛ لَــجزَعْـتَ منْ إشفاقي
و بــكــيــت مشــتـــاقاً بكى لبكائه * جــفــن الـغـمـــام بـدمعه الرّقراق
و وهى الفؤاد و طـار عقلي عندما * جــرتِ الامـورُ على خلاف وفاق
فجرت مـن الأجفان حمر مدامعي * حــــارت بسفـع الخدّ فضل سباق
فــبكـى و قال: أذاك دمع ، أمْ دم ؟ * و لَــرُبّ دمــعٍ كــالدّمــا مـهـراق
فــــأجـبـتـه و الــدمـع يظهره على * مـــا في الحشــا من شدة الإحراق
لا تـــحسبــنّ الــدمــع فاض وإنما * قـــلـبـي أذيـب فسـال من آماقي !
يــا أمــة الأشـواق هــل من منجد * يُـرْجــى لـدفع حوادث الأشواق ؟
أمْ هـــلْ لــِنــار تـلهّفي من مطفئ * أمْ هلْ لـِفيض مدامعي مِن واق ؟
أمْ هـــلْ لـِكسر حُشاشتي منْ جابر * أمْ هـــلْ لـِداء صبابتي منْ راق ؟
أمْ هــلْ لِأول لــــوعــتي مـنْ آخر * أمْ هــلْ لِذاهب مُهجتي منْ باق ؟
أمْ هــلْ لِــعـهد المـلتقى منْ موعد * فــلـقـد وهـى جــلدي و شُدّ وثاقي
آهـــــا، و مـــــا آهٍ بنــــافـعة و قدْ * أزِفَ الفراقُ، و لات حين تلاقي !86

*أستاذة جامعية وناقدة أكاديمية جزائرية

هذه دراسة بعنوان: محاضرات في الأدب الجزائري من التأسيس إلى التّحْدِيث ننشرها على حلقات، يمكنكم الاطلاع على الدراسة بالبحث في الموقع  

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “عصر الموَحّدين من 515هــ إلى 666هــ / 1121م إلى 1269م”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق