ثقافة السرد

صفحات نفس -5-

رواية ننشرها مسلسلة

مامون احمد مصطفى

لو كنت حيا يومها، لحملت الفأس وغرزتها برؤوس الملوك، الذين كانوا يظنون أن قماءتهم ونتانتهم أغلى وأقيم من عذاب الناس المفارقة تحت لسع السياط والعبودية.

وهذا ما فعلته تماما مع الميت، حين كان يستجدي الحياة من حركة قدمي، لم أكن بحاجة لفأس لأزرعه برأسه، كل ما كنت بحاجة إليه أن اترك قدمي تتقدم وتتأخر، وكنت إذ ذاك أدرك معنى العجز والرعب والهلع القادمة كلها من خطوات الموت، لكنه لم يكن يدرك ذلك حين مارس جريمته، وذبح من ذبح بدم ابرد من دماء الانجليز، الفرق بالعينين هائل، لا يمكن حصره بكلمات أو عبارات، ولكن يمكن إدراكه بالتصور المراقب للاختلاف والتوزع بين شخصيتين لا يمكن الجمع بينهما في إنسان واحد.

لكنها رغم استحالتها، تتحول إلى حقيقة، ناطقة، يمكن سماع همساتها وصراخها الأبدي عبر العيون وعبر الصمت الساكن في النفس والروح، سكون الغموض الذي يجلل الصحارى والمحيطات، يمكن للإنسان أن يعرف كيف يتحول من طاقة قادرة على تدمير الكون، إلى كتلة من الخوف والرعب والهلع والجبن، إلى عينين تضخان التوسل والاستجداء من حركة قدم تنتعل حذاء باليا تملأه الثقوب ويغطيه العفن.

انتم كما النقاد، تبحثون عن الكلمات، عن الرصف والتنضيد للجمل، لكنكم ما زلتم لا تعرفون تماما ما أريد، ولا زلتم داخل ضمائركم تهزءون من هذا التبعثر غير المتصل وغير الممنطق، لكن الحقيقة التي لا تقبل الشك مطلقا، إن كثيرا منكم يعرف بالإحساس معنى القماءة والنتانة، يستشعرها بشكل قوي، لكنه يطردها بأوهام التفاؤل والأمل، بأوهام يصطنعها الشعور، ويبنيها الإحساس ، الشعور القائم على العجز، والإحساس المؤسس على الكساح المخلوق من العقل والضمير.

سيقول قائل: ما الفرق بينك وبين القاتل الميت؟ نعم هو سؤال يستحق أن يطرح، ولكن هل علي أن أجد له أجابه؟ وهذا سؤال يستحق أن يبقى بعقولكم قبل أن تطرحوا سؤالكم، ومع ذلك فهناك فرق عظيم بيني وبينه، وبيني وبين أولئك القتلة المنتصبة قبورهم وسط صحراء مصر، وهو فرق واضح، أنني لم اخطط لجريمة بحياتي، ولا اعرف كيف يتم التخطيط لها، كل ما حدث، أنني وجدت جسدا مطروحا فوق الأرض، ينزف من كل المسامات موتا محققا، موتا كان قد أذاقه لأناس ببرودة تفوق برودة الانجليز حين يذبحون ويدمرون، برودة تنحني لها برودة القطبين، وجدته مطروحا، الموت يتمسك بكل ما فيه، يسحبه نحو هاويته العاجة بالدموس، وأنا كنت على خطوات بسيطة، أستطيع أن امنحه أملا بلحظات حياة.

ولكني لم افعل ، وقفت قريبا منه، لأراقب الخوف والهلع النابت من عينيه وهو يدور بين الألم واليأس والأمل والنجاة، وهذا حق من حقوقي، ولولا هذا الحق لما كنت الآن اكتب هذه القصة، التي تلتهم عيونكم ومشاعركم، وتوزعكم بين انفعالات وتراكمات لا يمكن أبدا حصرها أو عدها.

وكانت قدماي، وكذلك حذائي المثقب العفن، يشاركان بطريقة رائعة في رسم معالم العيون الموزعة بين الموت المحقق والنجاة القادمة من حذاء يمكنه لو تقدم أن يغير مستقبل نفس كاملة، مستقبل نفس عاشت فوق الأرض والوجود، ونبضت مع الثواني والهنيهات نبضات لا يمكن للكون أن ينساها.

أتحملون الشفقة على الميت؟ لقد مات ، انتهى دوره في الحياة ، تلاشى من الوجود ، تبخر، وانتهى إلى اللاشيء ، غاص في عالم جديد، نسمع عنه ، لكننا لم نختبره أبدا، هل أشفقتم على ضحاياه؟ أولئك الذين انتزعوا من الحياة بقرار صغير من عقله؟

الحقيقة انه لم يقتل أحدا أبدا، ومن يدري؟ فربما كان قاتلا رائعا، ينهي حياة الناس بلحظة نشوة أو لحظة غضب، فهو تميز بالغضب الشديد لأتفه الأمور، كان يثور كثور محموم إذا مرت ذبابة قرب انفه ووجهه، ليس هذا هو المهم ، المهم هو الشيء الذي لا نعلمه، ولا نود أن نعلمه.

انتهى الدفن، رصت الحجارة على حواف القبر، وقبل أن يبدأ العزاء، لمحت الرجل الذي كنت ازرع فكرة الموت بعقله يقف بجانبي، يحاول بصورة ما أن يجعلني اشعر بوجوده، حدقت فيه، فوجدته شاحبا تماما، مصفرا ومهشما كأرواق الشجر المتناثر بصورة عشوائية على ارض المقبرة.

تبسمت له ابتسامه صفراء خبيثة ، كنت بحاجة لرفع نسبة القماءة بذاتي ، كي أستطيع أن أتنفس ، وكي ابعد طيبة الأم من ذاكرتي إلى زمن غير موجود بمساحة الذاكرة، شعرت بحاجته للبقاء بجانبي، أصبحت محوره الذي لا يمكنه الابتعاد عنه، اقتربت من أذنه، همست، أتعلم بان الجنازة القادمة ربما لن تكون جنازتك ، بل وبكل تأكيد أنها لن تكون كذلك ، ولكن ، عليك ألا تثق بكلامي مطلقا ، لأنك تعرف باني أخبرتك قبل وقت ما ، بأنها ستكون جنازتك التي لن أشارك فيها ، الآن قررت أن أشارك فيها بكل ما املك من طاقة القماءة والنتانة والعفن ، وسأشفي غليلي الذي لا يشفى أبدا من منظر جسدك المطروح فوق النعش القديم المتشقق ، كما القبور المتشققة الآن .

تدحرجت الشمس لتسقط في عينيه ، شعرت برأسه يغلي ، نظرت جانبا ، كانت هناك حفرة لقبر لم يكتمل ، رسمت بخيالي ، وبسرعة متناهية ، معالم الحفرة ، وتقاسيم تكوينه ، تطابقت الأشياء والمكونات والتقاسم كلها تطابق التشابه والمحاكاة ، راودتني فكرة سريعة ، أنا حقا يمكن أن أقوده إلى تلك الحفرة لو تماديت قليلا ، بل أصبحت على يقين باني أحث روحه للخروج من الجسد .

قلت لكم باني سأمنحكم مفتاح الخلاص مني مرة أخرى ، هذا وعد قطعته القماءة على تكوينها وجوهرها ، ونبهتكم ، بان الفترة الزمنية للخلاص مني ، ستكون اقل زمنا من الفترة السابقة ، وحذرتكم من إفلاتها ، أو الانغماس في السطور التالية ، حتى لا تضيع الفرصة عليكم ضياعا لا تملكون بعده قدرة الخلاص مني أو من ذاتي ، وأنا الآن أخبركم ، كرما ، بان هذا الأمر يقترب ، لذلك عليكم التركيز بفحوى السطور والكلمات أكثر ، حتى لا تفلت اللحظة الحاسمة من بين أيديكم .

الرجل ما زال بجانبي ، ينازع اللحظات والهول والرعب الذي أسكنته بداخله ، صعوبة التقاط النفس تقود إلى الموت أحيانا ، لكنه كان يجاهد للموازنة بين قدرته على التنفس ، وبين تشبثه في الحياة .
قال لي :- أتدري ما هو الموت ؟ ونظر نحو الأفق المفتوح ، ثم أكمل : الموت ذاته لا يخيف ، لكن أن تشعر به يتسرب بين أطرافك ، في دمك ، أن تعرف انك مغادر الدنيا ، وأنت بكامل قواك العقلية ، خلال لحظات قليلة ، ربما لا تتعدى الهنيهات ، أن تعرف ذلك ، وأنت فوق الوجود ، دون التعرض لرصاصة سريعة تخترق الرأس لتوقف الدماغ عن العمل ، أو يخطئك صاروخ كان بإمكانه أن يوزع شظايا شظاياك على الأفق المفتوح أمامك ، أن تعرف انك خلال لحظات ستفارق الوجود ، ويكون بإمكانك ومقدورك – وهذا ما لا تستطيعه – أن تخترق الماضي كله ، لتلمه وتجمعه في ذاكرة قصيرة العمر ، ممتدة التصور والخيال ، قادرة وبصورة ما ، على استدعاء لحظات العمر كله ، بكل ما فيها من أحداث وشخصيات ، من الم وأمل ، من دموع وقهقهة ، ثم تشعر , وبلحظة مخطوفة من تلك اللحظات ، انك لن تستطيع أن تكمل وداع المشهد القادم من نهايات التصور والاستدعاء .

وبلحظة ، كنت أنت تعتقد أنها اللحظة القادرة على إتمام اللوحة ، لتسدل الستارة بصورة منتظمة ، تأتي اللحظة التي تسبق الستارة ، لتوقف كل شيء ، والى الأبد .

هذه اللحظة ، التي لا يستطيع العالم فهمها أو إدراكها ، حسابها أو ضبطها ، هذه اللحظة هي الموت .

وأنت ، أنت بإيحاءتك تقودني إلى تلك اللحظة ، لكن الفرق بين ما قلت وما أنا فيه ، أنني أصبحت موزعا بين لحظة استدعاء المشهد بكل ما فيه ، وبين العجز عن استدعاءه بسبب تفكيري بالموت والحياة في نفس الآن .

أستطيع أن أؤكد لك ، وبوعي مطلق ، بان اللحظة التي تختطف الروح قبل إنزال الستارة ، أهون بكثير من اللحظة التي تمنعني من تكوين المشهد حين اقفز بذاتي وروحي بين الموت والحياة .

أنت اشد قسوة وعنفا من الموت ذاته ، الموت البطيء ، أو الموت القادم على مراحل ، يمنحك على اقل تقدير أملا غير مؤطر بلحظة النهاية ، لذلك تسترسل في محاولة تكوين مشهد الحياة ، وأنت تملك أملا بأنك ستستطيع أن تنهي المشهد ، ثم تموت .

لكن حين تقف الروح كفاصل بين الحياة أو الموت ، فأنت تبدأ في تكوين المشهد النهائي ، وقبل أن تتم القسم الأول منه ، تأتي الحياة ، أو لنقل الشعور بالحياة ، يأتي ليهدم ما أسست من المشهد ، ثم تحاول إعادة البناء من جديد ، فيتهدم ، وتحاول فيتهدم .

قلت :- أنت مذهل حقا ، إلى حد انك تستطيع الآن التحكم بقماءتي ، تستطيع أن تجعلها تختفي ، أو تتلاشى ، وما يوحي به كلامك ، انك دخلت الموت يوما ، بطريقة ما ، ثم خرجت منه ، فأنت تتحدث عن فاصل لا يمكن إدراكه خارج التجربة .

قال :- أنت اضعف مما كنت أتصور ، ظننت بادئ الأمر انك ستقودني حقا إلى الموت ، حتى أن فكرة غريبة خطرت ببالي وأنا أقف هنا ، أترى تلك الحفرة التي لم تكتمل ؟ خطر ببالي وأنا مستغرق في التفكير بالموت ، إنها تشبهني تماما ، حتى ظننت أن لها وجها وفما ويدا ، وأنها توأم جسدي المنتصب على الأرض ، وللحظة شعرت بأنها ستضمني إليها ، لان التوائم لا تحب أن تفترق ، ولكن حين دققت جيدا ، عرفت بأنها لا تشبهني بشيء ، كنت إذ ذاك مدفوعا بشعور فوار بالحياة ، واكتشفت أخيرا بأنها توأمك أنت ، فلا فرق أبدا بين كل ما فيك وما فيها .

التشابه لا يكون فقط بين الجنس وذاته ، وهذه معضلة لم يتنبه العالم لها من قبل ، لأنها تتكون خارج لحظات الحياة العادية ، تتشكل في مخاض عسير لا ينذر بولادة طبيعية أو قيصرية ، بل يزداد إمعانا في تكوين الجنين داخل الرحم ، منذ مرحلة التكوين الأولى ، إلى مراحل التكون المتتالية ، لذلك لم تستطع أنت وغيرك أن تحددوا ملامح الجنين فالشاب فالعجوز المتصل بالرحم .

انتم تعرفون لحظات الميلاد العادية ، وتبدأ معرفتكم فقط في اللحظة التي يشق الجنين طريقه إلى الكون بصراخ الرفض ودموع الحزن على مفارقة ظلمات ثلاث ، وكلما نما وازداد بكاءه وألمه ورفضه للوجود ، حنينا وشوقا لتلك الظلمات ، كلما تماديتم بادعائكم أنكم تعرفون تفاصيل الملامح التي يحملها من أبيه وأمه .

لكنكم لا تدركون بأنه يحيا وهو يغذ الخطى من اجل العودة إلى تلك الظلمات ، وان التشابه الحقيقي إنما يقوم بينه وبين الأشخاص والأشياء واللحظات والأيام ، التشابه بينه وبين حركة الزمن المتلولبة في كنه الأشياء ، هي اشد اقترابا ووضوحا ، بل اشد نقاء وصفاء من تشابه الملامح مع الأشخاص .

قبل لحظات قلت لك بان القبر المحفور هنا أوحى لي أولا بالشبه القائم بيني وبينه ، لكن الزمن حين تحرك ، وأدار اللحظات بطريقته ، نقلني إلى الاقتراب منك ، وأنا اعترف ، وهذا أمر معقد ، باني كنت اقترب رغبة بسماع مفردة الموت من فمك ، لأنك وببساطة تامة استطعت أن تربكني ، ونحن نسير خلف الموت المسكون بالنعش ، ولكني أيضا ، وبدافع من فضول كنت اشعر بحاجتي للالتصاق بك ، لا اعلم تماما لماذا ؟ ولكني كنت مزروعا بكم من غموض مبهم .

المهم ، مع استدارة الزمن ، كانت الشمس قد حزمت أشعتها فوق القبر غير المكتمل ، في تلك اللحظة ، غزتني فكرة الجنين الرافض للخروج من الرحم منذ تكون الخلق ، وبشكل متواز مع هذا الشعور ، تفحصت تفاصيل وجهك وجسدك ، بنفس القدرة التي تمكنني من رؤية الجنين القابع في الرحم منذ أزمان طويلة .

فماذا شاهدت ؟ شاهدت مسامات القبر وهي تتحرك بشكل غير مرئي لتستقر في جوف مساماتك ، وكذلك الملامح والتقاسيم ، كل شيء كان يخرج من القبر ليتوحد في كل شيء فيك .

وكذلك كان يحدث مع مكوناتك ، هي الأخرى كانت تنسحب لتتوحد مع مكونات القبر .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق