ثقافة النثر والقصيد

لا أحدَ يفهم حزن الشّعراء

سحر أبوليل*

لا..

لم تبدأ السّماءُ من أسطورةٍ، لم يبدأ الموتُ من اقتتال أخوين..

كلّ ما في الأمرِ أن وردةً في تربةٍ مالحةٍ بكت، فصارت الدّمعةُ زرقاءَ زرقاء، وباتت أجسادُ الفصولِ ثيراناً تتعاركُ بقرونها وبغضبِ صحراء أرادت أن تكونَ خضراءَ خضراء..

والآن تأمل معي جيداً:

نمشُ حبّةُ التّوتِ يرتعشُ فوق الطاولة

أقراط ُ العنبِ لا تلمعُ

وجلدُ التّفاحةِ الباردة..

لا يتنفسُ

وها هنا..

عينُ الثّلجِ تذوبُ الآن في الكأس

وها هنا..

ضفيرةٌ تفكُّ حبلَ المشنقة..

وترنُّ ترنُّ وتحترق في المنفضة

والسّيجارةُ أيضاً لقيطةٌ في الهاوية

وها هنا..

هرّةُ السّاعةِ تقفزُ من الحائطِ وتبكي،

وفحيحُ نوايا سوداء يطلعُ من فم ِ شوكةٍ نبتت في حديقتي للتوِّ..

وها هنا..

سجّادةُ السّماءِ مطويةٌ وملقاةٌ في الزاوية،

والموتى..

الموتى الذين ينزلون فوق رأسي ولا يكسرونَهُ،

وأنا القبرُ المصابُ بالحمّى،

وتربةٌ منبوذةٌ لربيعٍ كان في بدايتهِ مشرقاً

وها هنا..

الأفاعي اللاتي ينزلنَ بمظلاتٍ فوق كنيسةٍ،

والمسجد..

المسجد الذي لا يطيقُ رائحةَ فم الامام الذي يكذب،

وقرصُ الشّمسِ الحديد،

وبوّابةُ العالمِ المغلقة،

والأرانب..

الأرانب التي تعيثُ فساداً في مخيّلتي وتقضمُ في العتمةِ قلبي،

والشّمعة

الشّمعةُ المستقيلةُ من مهمتها

يا الهي..

كم كان مضحكاً حين صدّقتُ أن العالمَ سمكةٌ سعيدةٌ وأن علمَ بلادي مختصرٌ بضحكة أطفالِهِ وأن الجوريةَ لا تذبلُ وأن الحروبَ أجسادُ عاهراتٍ منهكة..

يا إلهي..

خذني ، خذني

فابتسامتي لم تعد تصلحُ مورفينَ هذا الخراب..

ولا أحدَ يفهمُ حزنَ الشّاعرِ، لا أحد..

الآخرونَ مرآةٌ مكسورةٌ ومرآتهُ تكذبُ،

قلبُهُ في يدهِ والنّبضُ يدُ..

الآخرونَ عبّادُ شمسٍ وهو الشّمسُ التي تذوبُ مع كلِّ وردةٍ نقصت من حديقتِهِ،

وللوردِ روحٌ وفمُ..

شاماتُهُ تُنكرُهُ..

تقولُ إن هذا الجسدَ ملوّنٌ لغيرِ ضرورةٍ وإنّ هذه الروحَ الملساءَ فقمةٌ تبالغُ بتبييضِ أسنانِها وتنسى أن تزيّنَ بالنّهارِ عيونَها..

لا احدَ يفهمُ حزنَ الشّاعرِ..

لا نحلاتُهُ المستقيلاتُ من رقصةِ الثّمانية،

ولا شجرةُ الخروبِ التي مسحت بأظفارِها حفيفَها وصارت تعوي فجأة على نوافذِه..

والنوافذ النوافذ..

النوافذُ التي تخشى عليهِ السّقوطَ من علوٍّ شاهقٍ وهو السّروةُ الطّاعنةُ في الحزنِ والوحدة..

لا حبرُهُ يضمّده ولا خيالُهُ يسعفه..

الخيالُ معدنٌ ثمينٌ لكنّه ثقيلٌ أيضاً !

لا أحدَ يفهمُ حزنَ الشّاعرِ..

لا خطوتُهُ الرّقيقةُ فوقَ الارضِ ولا أشياؤهُ البسيطةُ،

قصيدتُهُ تظنُّ أنّه بهلوانٌ مضحكٌ وسطورُهُ جبالٌ يتأرجحُ بينها ومع كلّ شهقةٍ يخشى أن يسقطَ في بئرِ لغةٍ تشبهُهُ ولا يشبهها،

فرشاةُ أسنانِهِ تقولُ إنّه زائرٌ غريبٌ وإنّ هذهِ أسنانُ شخصٍ آخرَ غير الشّخص الذي راقصها البارحة في ساحةِ فمٍ أحبّت زينته،

قهوتُهُ تنكرُ أّها حرّضتهُ على المشي في حقلٍ من الألغام،

وحذاؤهُ يخاف الخروجَ من البيتِ دونما عودة!

لا أحدَ يفهمُ حزنَ الشّاعرِ..

لا زهرةُ النّارِ الملتهبةِ في خصرِهِ ولا دمُهُ المُقاتلُ..

لا قلمُ رصاصِهِ المكسورِ ولا كأسُ نبيذِهِ الغاضبُ..

نبيٌ يمشي من آخر الارضِ الى اولِّها، ومن اولها الى آخرِها، شرقُ الارضِ غربُهُ، شمالُ الوجعِ يسارُ صدرِهِ وجنوبُ قارّةِ الثّلجِ في عظمهِ..

لو يصعد الى السّماءِ مرةً يهبطُ نيزكاً من دمعٍ فوق جسدِ الحقول..

لو يهبطُ يصعدُ، يعيشُ، يموتُ ثم كولدٍ تعثّرَ بقطةٍ يعتذرُ ثم يقومُ ثم يموتُ ثم كمسيحٍ يُبعثُ، ولا يحملُ صليباً ولا يحملُ ضغينة،

ومثلُ اصابع البيانو يصنع حباً ولا يشكو قسوةَ لحنٍ ولا قمةَ جرحٍ ولكنّهُ حين يعودُ الى بيتِه الاولِ

يصيرُ عودَ ملحٍ ويذوبُ، يذوب ويبكي..

لا أحد يفهمُ حزنَ الشّعراءِ..

فحُزن الشّعراء مثلُ حفنةِ سكّرٍ لذيذةٌ ومدمّرة،

وحزنُ الشّعراء مثلُ دمعِ القصيدِ يشعُّ لكنّه لا يُرى،

وحزنُ الشّعراءِ مثلُ بكاءِ الاطفالِ صاخبٌ صاخبٌ ولا يفهمُه أحد!

*كاتبة من فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق