ثقافة السرد

وحـيــد ا ن

للروائي المصري: فـؤ ا د قـند يـل

وحيدان .. نجلس معا  في شرفتنا الفسيحة ، نتأمل العصافير التي تتعانق فوق  غصون الشجرة الكبيرة ، تلفها وتقلبها نسمات الحب والمرح الجميل . أمسك يد زوجتي الطرية  المثقلة بالأيام والشجن .. تصطدم أناملي ببعض  الخشونة في ظاهر يدها  .. تسقط نظراتي عليها ، فتتعثر في بقع الشيخوخة  البنية  التي تزداد كل يوم على جلدها وجلدي. أهم بالنهوض .. تسألني عن السبب  .. أقول :…

–       سأحضر الجلسرين

لا تسمع . تعيد سؤالها .. أعيد عبارتي وأكملها :

–       يدي خشنة من الوضوء

تقول :

–  وأنا أيضا

لكنها تستطرد  بعد لحظة :

–       ابق أنت وأحضره بدلا عنك .. ركبتاك تؤلمانك

أربت على كتفها  بحنان حتى تبقى

–  أنا من يجب أن يقوم

أصلب طولي بصعوبة  . جسدي ثقيل برغم نحولي وعظامي المفككة .. أجر قدمي على بلاط الأرضية الذي يشبه قطع الشطرنج .. قدماي في شبشب من قماش صوفي أخضر ، والنعل من الجلد الخفيف .. شرع النعل في التآكل بسبب زحف أقدامي .. أمسك بيدي المرتعشة زجاجة الجلسرين ، محاذرا ألا تفلت ، فكم أفلت غيرها !

أعود إلى جلسة الشرفة حيث  رفيقتي  التي تنتظرني هناك وفي أحضانها حياتي .. أصب قطرات من السائل الشفاف الثقيل على ظاهر يدي اليسرى ، وأمر بظاهر يمناي عليه .. أمسد كل المواضع الخشنة .. تمد زوجتي يدها  المعروقة  ..أصب على ظاهر يدها من  السائل الثقيل .. تفعل به مثل ما فعلت .

أضع زجاجة الجلسرين على المنضدة  الخيزران ، وأرتاح في الكرسي الخيزران.. مستمتعا بشمس الشتاء وأشعتها الدافئة اللذيذة .. أتأمل مع أم شادي حركة العصافير  واهتزاز الغصون  الرفيعة  التي تبادل العصافير المرح ، وتفرح بلهوها عليها وغنائها .. الطيور الصغيرة لا تكف عن الطيران والعناق والزقزقة التي لا نكاد نسمعها .. تقول أم شادي فجأة وهي تحدق في العصافير  :

–       اشتقت إلى الأولاد

أتنهد وأتذكر أنني كنت  أحس إلى عهد قريب أن الأولاد عزوة ، أي جمع كبير يستند إليه الآباء ، وكما كان الأسلاف يقولون .:

–  عز الدنيا في العيال ..

ماذا جرى ؟ .. العيال لا تسأل عنا .. كيف انتزعت  من صدورهم القلوب  التي كانت عليها أصابع الرب ، وحشيت مكانها قلوب من حجارة أو البلاستيك ؟

جاء شادي يزورنا من شهر .. تهللت أم شادي . اكتشفت  بعد دقائق وقبلات باردة ، أنه جاء يسأل عن إحدى أوراقه  القديمة .. صورة من شهادة الميلاد .. أو شهادة الإعفاء من التجنيد .. أخوه جاء الأسبوع الماضي ، فأسرعت أمه تسأله :

–       أين الأولاد ؟ .. لماذا لم تحضرهم معك ؟ ،

لم يتصور ابننا  إنهم غذاؤها وسقيا قلبها .. تشاغل عنها بالحديث في التليفون المحمول .. طلب مفتاح الدور الأرضي المغلق .. قرر أن يستخدمه كمخزن .. بعد لحظات عاد ليعلن  سخطه على إهمالنا .. الحيطان متهرئة والمياه بارتفاع ربع المتر ..أسرع بالخروج راميا في آذاننا وعدا بالعودة .. تكومت أم شادي على كرسيها العجوز الذي ترتاح عليه وتحس الحنان الذي يشملها به .. بدا أنها تضاءلت وقل حجمها  وتداخلت أعضاؤها .. فرت من عينيها دمعتان .

تقبع أم شادي في شبه منفى.. تراجع بصرها أولا ثم سمعها .. المصيبة تكمن في الذاكرة  .. إذا لم يستطع الشخص أن يتذكر يوما من أيامه القديمة  التي تراكمت فوقها أيام كثيرة ، فهذا يعني أنه يستعد للرحيل .. ذاكرة أم شادي تشبه الآن غربالا لا يستبقي شيئا .. كثيرا ما ترفع سماعة التليفون لاعتقادها أن جرسه رن طويلا .. في كل مرة تتوقع أن يكون أحد الأحفاد .. تقول :

–       لعله كوكي ابن حنان.. أو هبة ابنة شادي .

الصمت معنا دائما حتى داخل أجسادنا  .. بل كأنه ينبع منها .. أحدق في يدي التي يلتمع على ظاهرها الجلسرين  .. السائل لا يستطيع أن يخفي التشققات والتجاعيد التي لا تكف عن حفر مساراتها في جلدي.

عندما ترحل في شرودها  وتسافر في أوهامها .. أعرف السر  .. أقول :

–        الدنيا مشاغل يا هدية

تلوح يدها ببطء أمام وجهها لتهش ذبابة ، قائلة بغير اقتناع :

–        يمكن

أتصور أني أهون عليها بقولي :

–       كان الله في عونهم

جاءتني الذبابة التي كانت تهشها .. وقفت على أنفي .. خشيت دفعها حتى لا تذهب وتقف على وجهها وتزعجها  من جديد .. قلت :

–       سليمان جارنا تعيشي أنت

–       شردت لحظات ، ثم قالت :

–       كان ميتا من زمن

–       الجيران عرفوا بموته  من رائحته

لم نجد ما نقوله لدقائق  ..مرت كساعات طويلة .. قلت ويدي على فخذها :

–       ربنا يطول  لنا في عمرك

علت وجهها ابتسامة حزينة ، ورفعت عينيها إلى السماء وهي تقول :

–       يا رب .. لا تسمع منه

دهشت

–       – يا حاجة .. ماذا تقولين ؟

–       يا رب .. اجعل يومي قبل يومه

–       بعد الشر عنك يا غالية

هبط السكوت علينا  كالعادة .. لم نجد الكلام وربما الرؤوس فارغة .. جف كل شيء  .. بعد دقائق قلت :

–       عند حق .. أتمني أن تموتي قبلي

–       آه

–       عارفة السر ؟

سرحت لحظة ، ثم قالت :

–       كي تكون سندا للأولاد .. مهما كبروا سيحتاجون إليك

–       هذا لا يهم

–       ما  المهم  يا سيد الناس ؟

–       الأهم يا ست الناس ألا تقاسي من الحزن عليٌ

–       وأنت ألن تحزن عليٌ ؟!!

–       يا رب اجعلها إذن تموت قبلي بيوم واحد

عاد الصمت يلفنا بكثافة ، إلى أن قالت :

–       ما رأيك أن نموت معا ؟

ابتسمت في فرح ودهشت .. كيف اهتدت إلى هذه الفكرة .. شغلني حزنها علىٌ إذا مت قبلها .. ربتت بيدها الطرية على ركبتي وعادت  للشرود .. حلق في سمائنا طائر الانتظار .. ماذا ننتظر ؟ .. لا شيء ولا أحد سوف يأتي .. أنا فقط أريدها دائما معي .. وكثيرا ما فكرت .. هل كان يمكن أن تكون لي رفيقة عمر غيرها ؟.. مستحيل .. لو كان معي غيرها لما عرفت سبيلا للسعادة .. فات الوقت على أية حال .. نسأل الله حسن الختام .

ملت عليها ومالت عليٌ ..احتضنت طيبتها وحنانها وأعضاءها الهشة .. تذكرت عشرتها ومئات الأسرار التي جمعتنا ورسخت مشاعرنا حتى أصبحت شجرة كبيرة  تظلل  علينا وعلى كل من ينتمي لنا  .. حاولت أن أتصور كم الأسرار التي بين كل الأزواج والزوجات  المماثلين لنا في العمر .. تقطعت أنفاس خيالي .. مضت حرارة الشمس تصهرنا معا في نسيج الأبدية ، وقد خامرنا تصور  أننا لسنا على الأرض .. لقد اختلطت  الحياة بالموت .. ليس ثمة شعور محدد بجسدينا .. الوجود المهيمن كله للروح  وملكوت الله العظيم .. أصبحنا ذرات دقيقة من الغبار ستذروه الرياح حيث يلتقي بكل غبار الدنيا التي ستتحول جميعها إلى غبار .

غاب الأولاد والشرفة وتقريبا كل شيء ، ولم يعد يبلغ أذاننا ضجيج الشوارع ولا  حتى لهو العصافير فوق الأغصان . .. السكون يحط  ويتغلغل  وينعدم الإحساس  بالسكون .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق