قراءات ودراسات

مكاشفات جبير المليحان: قراءة في رواية (أبناء الأدهم)

جعفر حسن*

جبير المليحان اسم ارتبط طويلا بالقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا ، ولكنه هذه المرة يجترح الرواية ولعله يحاولها مرة أخرى ، فهذا الإغواء بات مثل النجم الهائل يجذب ما حوله فنجد كثيرا من الشعراء يتحولون إلى الرواية ، ولعل ما يجذبهم ذلك المكنون في السرد والذي بات يحاول مناطحة لا شخصانية التاريخ بما يبقى ويحمل معه أسمائهم ، بالرغم من كل الكلام الذي كتب عن موت المؤلف إلا أننا لازلنا نتذكر كثيرا من أسماء الروائيين العظام عبر العالم ذلك لان أسمائهم ارتبطت بتلك الأعمال الخالدة ، كثير من قيعان الإبداع تتسرب دون أن تترك ورائها أثرا ما ، ولكن ما يبقى يظل يرفد روح الأمة بجماليات تتجاوزها إلى الإنسانية جمعاء عبر الترجمة.
ولعل أول التساؤلات التي تطرح نقديا على عمل يجترح في الرواية هي تلك العلاقة الملتبسة بين الفن بعامة وتشجراته المتعددة ، فهل اثر طول مصاحبة القصة القصيرة في جبير المليحان وهو يسطر لنا روايته الأولي (أبناء الأدهم) ، فهل كانت العناوين المتعددة تشير إلى تلك الخصلة المنفتحة من القصة القصيرة لتتجسد في الرواية ، بينما يشير البعض إلى وجود مثل هذا التقليد في الرواية ، يماحك البعض الأخر بأن العلاقة تبدو في ظهور عنوان داخل الرواية يحمل اسمها كما تحمل المجموعات القصصية عادة اسم إحدى القصص! إن مماحكة من هذا القبيل تتطلب دراسة في قصصه لتربطها بالرواية أو لتجد المشترك بينهما ولكننا لا ندعي القدرة على ذلك في مثل هذا المقال البسيط ولكننا نتركه للمتتبعين.
ترى هل هناك خيط ما يظل يربط ذلك التنوع في تطور الحكاية التي تقوم في زمن هو أشبه بزمن الأسطورة (زمن الفطحل) الذي لا يتغير ولا يتبدل ويظل كما هو ابد الآبدين كثبات الجبلين (أجا وسلمى) اللذان عبرا كل التاريخ من زمن العماليق إلى زمن حاضر وسيعبران إلى أن تنطفئ شعلة لغتنا العربية . كما هو الجبل المتخيل كذلك ، جبل كاف الذي تمتد جذوره إلى سابع ارضين ليمسك الأرض في الأساطير العربية ، ولعل جبل الأدهم متخيل مواز له كذلك ، وهو من يمسك بالحكاية من جهة ويوحد بين بني البشر الذين عاشوا في ارض الجزيرة ، تلك الأرض التي تمسك بهم ويمسكون بها ، يعيشون ويمضون على صفحتها وذلك الجبل المقيم يراهم دون أن يلقي إليهم بالا ، كذلك هو الوطن يشد كل أبنائه إليه ، يمضون ويبقى كجدل الجغرافيا والتاريخ ، فهل ظهور الجبل بشكل مفاجئ في الرواية بعد ليلة عاصفة يمثل محاكاة خرافية للأسطورة أم هو مجرد خلق صنو مشابه للجبل الأخر (الأدهم الغربي أو الكبير) الذي لم يعرفوا غيره ، وهل يشير ذلك للإنسان ، وهو الكائن الذي يسعى للكمال عبر صنوه الأخر ، ويظل التساؤل مشرعا حول إمكانيتنا في إنشاء أساطير جديدة عبر الإبداع الروائي .
إن لعبة الزمن هنا لها أبعاد يتبين اثنان منهما إذ يشير احدهما إلى زمن الأسطورة والأخر إلى ذلك الزمان المتحرك الذي يجمع شخوص الرواية في تناميه الخطي ، ذلك الزمن الذي تتحول فيه الشخصيات وتنقلب رأسا على عقب ، ذلك الزمن الذي يلعب به جبير المليحان في تجل ثاني لصيرورة الزمن ، ليمارس فيه النكوص من الحاضر إلى الماضي عبر تذكر شخوص الرواية للماضي ، وبين حركة الرواية الارتدادية في فصولها ، والتعقيد الذي يقوم بين تمييز في حركة الزمن بين الماضي والحاضر وهما زمنان نقيضان ، كل حاضر يسقط سريعا ليكون جزء من ماض ما ، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي له تاريخ ، رغم انه بكل تأكيد لا يرغب في أن يكون كما هو. وفي البعد الثالث للزمن تتشكل تلك الانكسارات التي يبطئ فيها الزمن حد تطابقه مع زمن قراءة المتلقي في حالات الوصف واستبطان الشخوص .
كـذلك كان (مران) في تناقضه من زمن كان فيه عبدا إلى زمن آخر صار فيه سيدا (الشيخ مران)، ذلك السيد الذي يريد ممارسة سطوته وتأكيد مكانته باعتباره سيدا من سادات قومه وهي ذات السطوة التي كانت تمارسها عليه مالكته السابقة التي لقبها بالجنية . ولكن الشخصية الروائية في تحولها في ذات الوقت تبرز ذلك الاختيار الإنساني بقبول العبودية أو السعي نحو الانفلات إلى فضاء الحرية ، “لست عبدا لأحد ، ولن أكون عبدا ، وسيتغير حالي أيتها الجنية القبيحة ، أنت وكل هذا الحي!”( ) كذلك يصر أن يكون كما يريد أن يكون وإن الإنسان هو الذي يصنع المستقبل بجهده وعرقه ، ولكن يظل هناك التماهي بين خيارين لا ثالث بينهما إما العبد أو السيد ، تلك الثنائية التي تسرح في الرواية ولا يلتفت إليها .
يبدو أن شخوص الرواية تعبر عما يتجسد من صراع بين الإنسان والإنسان ، انه صراع الإرادات ، الذي تكرر في الرواية ، والذي يقابله صراع مع الطبيعة بكل ما تمثله روح الصحراء من محل يشكل عقبة للنزوح والهجرة في المكان ضدا على القرية ونباتاتها التي تشكل مرساة للحياة وحتى الحيوانات التي تتوزع بين كونها خيرا في القرية (الأغنام والجمال.. الخ) ، وبين تلك الضواري كشر مستطير تحكم جوف الصحراء ، وقد مثلها الذئب في هذه الرواية ، ولماذا الذئب وليس الأسد الرهيص الذي يعيش بين جبلي (أجا وسلمى) لاشتهار المنطقة بأنها موطن للأسود والسباع منذ القدم ؟ إن اختيار الذئب تعبير عما قر في ذاكرتنا الشعبية من كتب التأويل والتي تشير إلى أن الذئب لا يأكل الإنسان ، ولكن الحقيقة المرة إن الذئاب تأكل الإنسان وتفترسه متى تظفر به ، وبالتالي يكون ذلك التناقض هو ما يقوم في جوهر الرواية ويكون ناظمها الداخلي ، بين جبل الأسطورة والجبل المتخيل ، بين الجبل القديم الذي ينتسب إليه كل ما حوله وبين الجبل الطارئ الذي يجبر الناس على الرحيل ، بين جبل يوفر أسباب الحياة من المياه وغيرها ويحمي القرية وبين الجبل الذي يدفن الإنسان وينهي حياته ، بين القرية القديمة كما تقوم في المتخيل وبين القرية الحديثة كما هي (قصر العشراوات).
كيف يحبك جبير المليحان هذه الرواية الممتدة على مساحة السرد ؟ إن هذا التساؤل يقوم نقديا منذ اللحظة التي يطرح فيها الراوي الذي يظهر أمامنا كراو عليم ، ومن يشك في أنه راو عليم عليه أن يتساءل عمن روى حكاية الذئاب التي أكلت شجاع ومن عرف ما دار في خلده وهو يكافح الذئاب التي افترسته ، إن جبير يلعب لعبة التحبيك عبر ذلك الراوي العليم ، منذ اللحظة التي يقوم فيها بذكر الأسطورة وهي اللحظة التي يتماها فيها معرفيا الكاتب والراوي العليم إلى حدود قريبة ، يقيم فيها ذلك التناقض الذي سيظل يلح على المتلقي ليوفي الراوي بما أشار إلى انه يعرف كيف توالت الأحداث وسيرويها ، فمن أسطورة الجبلين إلى تخليد المكان المتخيل في جبل الأدهم الذي يشبه شخصين دخلا في عناق ابدي ، إن للمكان سطوة جعلته يرتبط مع ذكريات دقيقة عنه ظهرت في تفاصيل أسماء الأماكن والأشجار البرية ، تلك التي سجلت الإنسان على سجيته في غناءه ورقصه وعاداته وتقاليده وحركته وعلاقاته بدقة أحيت زمنا لا يطال .
يحتفي جبير المليحان بالحب وهو الحب الجنسي في مقابل القسوة التي تقيمها العادات والتقاليد القديمة ضدا على ذلك الشوق الذي يوله المحبين ويحرص على جمعهم ، بينما تحرص التقاليد على التفريق بينهم ، ذلك الحب المتمرد الذي يضمن استمرار وجود الإنسان ، ذلك الحب المحرم حتى في المتخيل ، ولكنه يمسه مسا خفيفا يظل ضمن ما يمكن ، كثير ما تكلمت الرواية العربية عن الحب وعن الجنون وعن أشياء أخرى ، وفي صلفي الشخصي أرى أننا قد احتفينا كثيرا بالحب ، أما آن لنا أن نحتفي بالصداقة !
**
*شاعر وناقد، مملكة البحرين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق