ثقافة السرد

عطاء برائحة الألم

بقلم/ غادة عبدالله ناجي*

على عجل اخذنا امي للمشفى الحكومي القريب منا كانت تشعر بألم في جانب صدرها الايسر ، في البداية لم تبالِ كثيراً بالأمر لكن حالتها ازدات سوءً بعد عدة ساعات مما استدعى سرعة نقلها .
وهنا في المشفى استقبلها الاطباء ببرود واهمال يشعرك انك تشاطر هذا الكوكب مع مخلوقات أخرى مختلفة عنا تماماً.!!
“الحمدلله”قلتها بصوت مرتفع وانا اتطلع بامتنان لعمتي رحمة جارتنا التي لم تتأخر في حمل امي الفاقدة للوعي بين ذراعيها من سيارة زوجها وصولاً الى السرير المتحرك بداخل المشفى.
كانت تتصبب عرقاً وصوت انفاسها المتتابعة تكاد تضاهي سرعة الصوت و برغم أني حاولت مساعدتها بقدر استطاعتي الا انها تحملت الجزء الاكبر من هذه المهمة الشاقة .
المؤسف ان والدي لم يكلف نفسه عناء المساعدة في حملها واخذ موقف المتفرج فقط.!!
بعد معاملات روتينة مجهدة قد تشبه تلك اللازمة للحصول على هوية ما .
أخيراً سُمح لنا بإدخالها إلى غرفة العناية المركزة .
هنا لم استطع منع نفسي من البكاء بكل ما أوتيت من قوة فأمي هي الشي الجميل الوحيد بنظري في هذا العالم الذي ستختفي نجومه بالتأكيد إذا ما حدث لا قدر الله مكروهاً لها.
أما ابي فلا أتذكر يوماً اني شعرت فيه بأهمية وجوده كثيراً فبحكم عمله المرهق لدى شركة بترو مسيله ضمن فريق العمال المنقبين عن النفط هناك فهو دائم السفر وخلال أيام اجازته القصيرة لنا تبدأ المشاكل وستكون أياماً سوداء تلك التي لا يوفق فيها بشراء قات جيد أو سيجاركافي من نوعه المفضل.
تمنيت لو كان أحد اخوتي بجواري الان لكن اخي الأكبر محمد مغترب في السعودية ومتزوج هناك حتى اننا لم نره منذ ما يزيد عن خمسة أعوام .
وهو الحال بالنسبة لاختاي الأكبر مني فهما أيضاً متزوجتان وكل منهما تقطن في قرية مجاورة للأخرى لكنهن ليستا بعيدتان عنا كثيراً هنا في مركز المديرية.
اشعر بالخوف على امي فهي امرأةعظيمة بحق لايمكنني وصفها مهما حاولت.
اتذكر كم عانت ولا زالت من صعوبات في تربيتنا بمفردها وخصوصاً مع غياب والدي المستمر وانفاقه الهزيل علينا نهاية كل شهر ولولا أن أمي تخيط الملابس بمهارة وتبيعها لما استطعنا العيش طويلاً.
لكن كل هذا لم يغفر لها لديه فهو دائم التذمر منها ولم يتوانى عن تجريحها بمناسبة أو بدون مناسبة وعلى مرآى ومسمع منا جميعاً.
لم يستطع والدي التعايش أبداً مع فكرة أنها كانت أرملة رجل عجوز وأنها تكبره بعشرة اعوام رغم أنها طيبة جداً و متوسطة الجمال إلا أن ذلك لم يكن كافياً من وجهة نظره.
إنه يعاملها كما لو أنه تفضل عليها بزواجه منها رغم معرفته المسبقة في حينه بوضعها وموافقته على ذلك!.
حتى انه في كل مرة يبتكر فيها شجاراً معها لا بد أن يذكرها بمقدار تضحيته التي لم يبلغها أحد من البشر سواه.
ما تلبث تلملم بعثرات احزانها ودموعها بصمت ثم تصلي لله طالبة له صلاح الحال ولها الصبر .
الآن أنا وحيدة في هذا المشفى اتجرع الوحدة والألم معاً و خصوصاً أن العمة رحمة قد غادرت المشفى سريعاً.
” ارجوك إلهي لا تحرمني منها فهي كل النور في حياتي”. رفعت كفي للأعلى بتضرع ورجاء.
ثم اسرعت الخطى بحثاً عن ابي علي اجد منه تخفيفاً لما أعانيه غير أني وجدته مشغولاً بتيار من النظرات المتبادلة التي يسترقها مع ممرضة حنطية اللون ترتدي خماراً و بالطو اسود ضيق يكاد يعصر تفاصيلها عصرا ً.
“ابي أرجوك اخبرني هل ستكون امي بخير؟ ”
ابتعدت الممرضة بعد أن رأتني اتحدث إليه لكنه لم يبالِ بالرد عليْ فقد كانت عيناه مشغولتان بتقفي اثر تلك الممرضة حتى اختفت تماماً في آخر الرواق عندها قال متداركاً “نعم يا سارة هي بخير و لطالما كانت بخير وقوية وستظل كذلك. ”
يا للسوء كم اشعر بالقلق فقد مرت اكثر من ساعتين وامي في الداخل لا اعلم عنها شيئا ً والاجهاد تملكني ولا اجد مع من اتحدث واشتكيه غيري أنا .
كان منظر المرضى الوافدين بكثرة الى المشفى يشعرني بالبؤس أكثر كما لو أن حرباً طاحنة دقت اجراسها ومنعت توقف سيل المرضى إليه. تعبت قدماي من ضغط الوقوف عليهما فلم أعد اشعر بهما فقد تخدرتا بالكامل.
هنا تنبهت فقط لذلك فاستدرجت نفسي للجلوس على كرسي فضي اللون متهالك يبدو أنه نجا بطريقة ما من براثن الحرب العالمية الثانية.
تأملت عاملة النظافة التي كانت تمر من أمامي بين الحين والآخر وهي تجاهد في تنظيف ارضية المشفى من وقع آثار أحذية المرضى والزائرين المتسخة بإصرار.
كان منظرها يدعو للشفقة وهي تعتقد أن تنظيفها الحثيت لمكان ما سيجعل من مروا عليه يستشعروا ما تقوم به للحفاظ على نظافته.
طال انتظاري وابي لابد يتجول الآن في المشفى متأثراً بكل كائن نسائي يمر من أمامه!!
“آه يا ابي …ليتك تتوقف قليلاً فالموقف لا يسمح بكل ما تقوم به الآن!” خاطبت نفسي بغضب.
أتذكر ذات مرة أني خرجت معه للسوق ، كان ذلك قبل تسعة أعوام تقريباً ، كنت في الثامنة حينها ، لا أدري ماذا أُسمي عيناه اللتان لم تتوقفا برهة واحدة عن الدوران بحثاً عن الجنس الناعم و في تلك اللحظة حطت حمامة بيضاء جميلة بالقرب منا لتأكل بعض الفتات المتناثر ، لكنها لم تصمد طويلاً أمام نظرات ابي اللاهثة خلف النساء وطارت خجلة مما رأته ، يبدو أنها أيضاً كانت ترثيني بنظراتها ، منذ ذلك الحين وأنا ارفض الخروج معه مرة أخرى.
كانت امي تعرفه جيداً لكنها تحملته من أجلنا كما أنها لا تستطيع اللجوء لأحد خوفاً علينا وربما أنها أيضاً كانت تمني نفسها بأنه سيتغير يوماً ما على وقع دعائها له.
في اجازات ابي اشعر بالاختناق فهو لا يستطيع التوقف عن التحدث بالسوء عن جاراتنا وصديقات والدتي بالرغم من أنه لا يستطيع منع نفسه من الركض لفتح الباب بمجرد زيارة إحداهن لها ..”آه يا امي المسكينة كيف احتملتي ابي طويلاً!!؟ فهو لم يكلف نفسه عناء الاحساس بألمك عندما تعرضتي لهذه الوعكة ” خاطبت نفسي وأنا اشعر بالحنق الشديد منه .
خرج الطبيب أخيراً بعد أكثر من ثلاث ساعات بدت لي كدهر كامل وهو محمر الوجه ويبدو عليه الغضب والتعب معاً” يمكنك الآن زيارتها فقد تجاوزت مرحلة الخطر وسيتم نقلها لإحدى غرف الرقود” شعرت بسعادة لا توصف و اسرعت أبحث عن ابي المتجول كنحلة لا تستطيع الاستقرار في مكان واحد “والدي نحلة لا لا…عذراً أيتها النحلة البريئة قد أكون ظلمتك بهذا التشبية قد يكون ابي دبوراً..آه نعم هذا هو التشبية المناسب له” قلتها بلؤم شديد ثم بدأت أجول بنظري في الأماكن القريبة من غرفة العناية المركزة وغرف الرقود التي تم نقل امي إليها حديثاً بحثاً عنه.
وأخيراً وقع نظري عليه “يا إلهي ! ابي ألم تكفك ممرضة واحده لتلتصق هنا بالقرب من غرفة الممرضات”! خاطبت نفسي بصوت منخفض وأنا أشعر بالاحراج من تصرفه المخجل والغير مسؤول.
اقتربت منه وخاطبته بنوع من العتاب” لقد تجاوزت امي مرحلة الخطر وسمح لنا الطبيب بزيارتها وهي الآن في قسم الرقود. ” بدا ابي متغير اللون ويبدو على وجوه بعض الممرضات خيبة أمل .
في طريق العودة رأيت اختي وداد وسعاد مع زوجيهما وهم بحالة قلق وخوف بعد علمهم بما حصل لامي .
دخلنا جميعاً للإطمئنان عليها ، كانت تفترش سريراً حديديا ًخفيف الاغطية بداخل غرفةصغيرة تتشاركها مع ثلاث مريضات.
يبدو أنها مازالت تقاوم من اجلنا هكذا كانت تفاصيل وجهها المتعب تنبئني.
إرتميت في حضنها وأنا أبكي ولا أعلم حقاً كيف كنت سأتمكن من العيش بدونها .
“امي أرجوك لاتكرري هذا مرة أخرى فأنا لا أتخيل نفسي بدونك ابداً”.
ابتسمت وقالت لي بصوت مجهد “اعدك يا حبيبتي وكل ما أتمناه من الله أن يطيل في عمري حتى أطمئن عليكِ و اساعدك بإيجاد طريقك قبل أن يأخذ امانته ”
صحنا جميعا ما عدا والدي “لا قدر الله”. غير أنه اقترب منها وقال مجاملاً “الحمدلله على سلامتك”ردت امي :” الله يسلمكم جميعا” .
كنا سعداء جداً ولكن يبدو أن والدي كان مشغولاً عنا بنظراته التي يرسلها نحو تلك الممرضة التي رآها أول مرة في الرواق وهي تقدم الدواء لامي لكنها هذه المره غادرت المكان بصمت ولم تعره أدنى اهتمام.

*قاصة من اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق