ثقافة السرد

الرحلة إلى الموت

منصورنعمان العبسي*

كانت الساعة لا أدري ونحن على متن الطائرة ،إلا أن ثمة علامات تشير أننا على متن رحلة ليلية ،وكأننا بمنتصف الليل .
لم يمض على إقلاع الطائرة سوى و قت قصير يمكن تقديره بعشرٍ من الدقائق ،وإذا بصوت يأتي من كبينة الطيار ،وكانه على اتصال بجهة معينة في الأرض ،وأن هناك مشكلة أفضت إلى استحالة هبوط الطائرة في مطار (صنعاء). كل المسافرين على متن الطائرة من (عدن) ،أي رحلة داخلية .بدأ الأمر يتصاعد دفعة واحدة ،ليصل إلى حدس المسافرين جميعهم أننا في ورطة ،وقد نلقى حتفنا جميعاً ،وبدا الخوف يجتاح ملامح المسافرين من الذكور والأناث ،ورأيت بعض النسوة تنقل وبحركات لا إرادية يمليها هول الورطة _من كان على حضنها من الأطفال يمنة ويسرة من الحضن بارتباك ،وثمة من يتمتم بالبكاء .
رأيت إحدى المضيفات قادمة من الكبينة ،وكانت ذات طلعة جميلة وجسم رائع ولاترتدي (عباية) بل (بلوزة ) بالكاد يغطي طرفها منتصف ركبتيها ،مع اهتزازة لطيفة على صدرها تتواتر بتواتر سعيها نحونا ،وبيدها دفتر مذكرات وقلم ،توقفت أمامي ،ومدَّت لي قلما والمذكرة:
“هل أنت فلان الفلاني؟”
أجبت :”نعم”
:”الكابتن يطلب منك أن تدوِّن هذه اللحظات على المذكرة”
:”وضحِ لي أكثر ”
لم توضح واستدبرتني وعادت من حيثما أتت .
قبل ولوجي بالتدوين كان الكابتن قد أقبل ووقف على بعد كان بإمكاني أن أخاطبه ،قلت :
“يا أخي لماذا لم تنحرف بالطائرة نحو المملكة العربية السعودية أو أي دولة قريبة وتبلغ الدولة بالورطة التي نحن فيها؟”
لكنه أظهر لي صعوبة ذلك ،وقرأتُ على ملامح وجهه ،أن الورطة أكثر تعقيدا ،وأن الأمل (صفر) بالنجاة ،لكنه لايريد أن يزيد من معاناة وقلق المسافرين.
تيقنت بعدها أننا نعيش آخر الدقائق من عمرنا وبدأت بتدوين الاقتراحات في المذكرة ،لكنني تفاجئت بلسعة نملة سوداء (سفَّارة) بجهة صدري الأيسر وبالتحديد في الحلمة وكان الألم شديدا. صحوت فإذا بي على السرير ،وأحك يسار صدري ،ألتقطت النملة وقسمتها نصفين ،فيما بدأت المنطقة التي وقعت عليها اللسعة تتورم ،وكأنني داخل في نوبة تحسُّس ،وبدأ يبرز نهد /ثدي في المنطقة. عدت بخيالي وانا مستيقظ باتجاه كابوس الرحلة على متن الطائرة حين كنت على وشك تدوين اقتراح على المذكرة فحواه :”نظراً لما تبقى لنا من دقائق معدودة في الحياة، أقترح أن يتزوج الذكور الأناث في الرحلة للمدة المتبقية لنا في الحياة ،وكانت قد وقعتْ عيني على المضيفة التي أحضرت لي المذكرة سابقاً ،وخيل لي أنها ستبرز مشكلة معقدة ،حين تقول أنها متزوجة ،لكنني سأتحجج لها أننا خارج مجال الأرض ،وكل الارتباطات تُلقى في هذه الحالة ،ومن ثم يجوز اضطرارا ،ان تكتب هي ورقة طلاق لزوجها ،تضعها في جيبها حين نقابل الله بعد وفاتنا ،ويقاس على ذلك المسافرين جميعهم ..لكن الورم قي جهة صدري اليسرى يكبر ويعيقني عن العودة للحلم الذي كنت فيه ،بل وإن عدت بخيالي للحلم ،سيسبب لي بعض الإحراج ،وأمامي خياران :
إما أن تتضاءل منطقة صدري اليسرى المتورمة ،أو أبحث عن نملة أخرى للسع الجهة اليمنى من الصدر ،ليتساوئ الأمر ويتم التحوُّل ،حتى أضع فسحة من المنطق للعودة للحلم الكابوس ،وتنفيذ المقترح ،ولو كان ذلك يضع بعض الحرج .
كنت قد هممت للنوم البارحة الساعة الثالثة والنصف فجرا ،بعد نشاط في نادي الشعر ،ولم أتناول القات البارحة ،لكنني معتادا على عدم تناول القات ،ثم النوم بشكل طبيعي دون كوابيس .
بدر العرابي
7/11/2017م
قراءة تحليلية مجملة
للنص (الرحلة إلى الموت) لبدر العربي
==============
هذاأول نص أطلع عليه لهذا الكاتب الذي ليس لي به سابق معرفة،
لذلك فالتعامل مع النص في مثل هذه الحالة خصوصا ككائن مستقل بحدذاته وفقا لمدرسة رولان بارت (في النقدالأدبي) ذوالخلفية الفلسفية
الممتدة من البنوية إلى مابعدالحداثة (وهي المدرسة التي وجدت طبيعتي الأدبية فيها) ولاأدري
حتى اللحظة هل سأكتفي بتناول هذاالنص في ضوء ذلك فقط كماأفعل غالبا أم أني سوف أنجرقليلاوراء ثم هاجس أخذ يراودني
لإيلاء القارئ بعض الإهتمام المحوري أيضا سنرى،
لكن أيضا المنهجية التي تجدها تطغى غالبا في تحليلي النقدي للنصوص تحدو بي إلى إ سكناه
مايعتمل في العوالم الداخلية للمبدع والذي ولد عنه هذاالنص أو بتحليل المشهد العام برمته
كما رسمته مخيلة الكاتب وهذا أرجح
كون مسرح الأحداث
و إسناده الزمني التاريخي والشخوص
جميعها متوفرة في هذا النص القصصي
الذي ينتمي لفن القصة القصيرة كونه
توثيق وتكثيف للحظة مع توفر العناصر الأساسية للقصة من حبكة ومن
قدر من الحوارية إضافة إلى السرد الذي نجده على مستوى المشهد الثقافي العام يحضي
حاليا بجل الإهتمام
في تطوير تقنياته
الأمر الذي يلزم الأشاره إليه هنا لتوجيه أمثال هذاالقاص إلى الإهتمام بمواكبة ذلك بهدف الإرتقاء
بمستوى النص من خلال توظيف تقنيات
السرد الجديدة والمبتكرة،
هذه المقدمة وإن طالت بعض الشيء فإنها تكون أحيانا أعم
فائدة من تحليل النص ذاته،،،
======
العنوان؛ الرحلة إلى الموت.
عنوان مناسب من حيث الدلالة على الرئيس في القصة (مادارفي فضاء الحلم أو الكابوس كما وصفه الكاتب ) إلا أن الرحلة لم تصل إلى محطتها النهائية وهي
الموت لكن هنالك موت أخر(كماسنرى) وفق قرائتي للنص الذي قد يحتمل قراءة أخرى بالرغم من أسلوبه الواضح والمباشرإلي حدما والذي يندرمعه
تعدد قراءات النص،
=======
كمانري فاتحة النص موفقة مع كونها تمثل
تناص مع القصيدة الرائعة واليتيمة للشاعر عبده غانم كماأتذكر مطلعها
كانت الساعة لاأدري
كنت أدري ماعلى شمسان يجري،،، الخ
كأن هذاالتناص جميلا وكافيا كمقدمة للقصة كونه كان بمثابة وضع الكاتب للنافذة
التي يطل منها القارئ
على الخلفية أوعلي المنطلق والبداية التي هي ذلك الرصيد النضالي والثوري الحافل أبان تحريرجنوب اليمن من المستعمر البريطاني وكأن الكاتب أراد أن يقول تلك هي الحيثية التي
كنا نحملها في رحلتنا
إلى صنعاء أبان إعادة
توحيد الوطن عام90م، إنظرإلي الإشارة التي تدعم ذلك (كل ركاب الطائرة عدنين) كما أنها رحلة جوية (دلالةعلى السرعة التسرع) وكونها رحلة
ليلية (دلالة على الغموض و المخاطرة)
=====
نلاحظ سرد الكاتب هنا لمايجري على الطائرة التي كان قدبُلغ قائدها في التو
من الأرض بمايفيد إستحالة هبوطها في
مطارصنعاء،
ليستعرض الكاتب عندها مشاعره ومشاعرالقلق لدى الركاب الذين ركزدون الرجال (الذين مع وجودهم لكنه أشارفقط للكابتن إضافة إليه هو) على النساء من بينهم
والأطفال الذين في احضانهم واللائي من الخوف والقلق في تلك
الأثناء كُن ينقلن أطفالهن يمنة ويسرة،
عندها برز له مشهد تلك المضيفة الأنيقة التي أعجب بها والتي قدمت له تلك النوتة والقلم بعد أن سألته هل أنت
فلان… إشارة لمعرفة الكابتن به، حيث أبلغته طلبه منه تدوين مذكرات تلك اللحظات العصيبة،
قال لها وضحى لي أكثر فلم توضح وأقفلت راجعة من حيث أتت.
قبل ولوجه في التدوين كان يبحث عن أي خيار ولما وجد
الكابتن يقف بالقرب
راح يطرح له خيار اللجؤ أوالتوجه للسعودية أولأحدي دول الخليج المجاورة كمخرج من تلك الورطة (وكأنها رمز لتلك الورطة التي واجهتها دولة الجنوب تلك والتي دفعت بها إلى القبول بالضم إلى صنعاء بقصدالوحدة)
لكنه كان قدقرأ على وجه الكابتن الرد بالنفي أويعدم توفر ذلك الخيار حينها بالقطع وأن الأمل بالنجاة كان منعدما،
وهنا كان تنامي الحبك قدبلغ حدعقدته،
ليخرج من فضاء الحلم اوالكابوس وينتقل إلى الواقع بفعل لسعة النملة في حلقة ثديه الأيسر إلى أخذيتورم
(ربما يحمل ذلك بعض الإيحاء بالطابع اليساري لشريك تلك الوحدة القادم من الجنوب) لم يكن خيارالعودة مطروحا
أصلا وكأنما كان قدغدا غيرممكن حينها،
محاولته العودة للحظات تلك الورطة
والموت المحقق إنتحارا لاأراديا من على تلك المقصلة المنصوبة لطائرتهم
أعلى مدرج مطارصنعاء،
لم يعد سوى التفكير
أما بالخلاص ولومن بعض ماأصابه في ثديه الأيسر للعودة للنوم وبالتالي لذلك الحلم حسب تصوره أومايتمناه أوأن يجدنملة أخرى لتلسعه في حلمة ثديه الأيمن ليتورم
(إشارة ربما إلى أنه كان يعوزهم إشراك قوى اليمين الجنوبية ) يتأكدذلك من خلال إتباعه بقوله (حتى يتم التحول……… الحرج)
يعود هنا دون نوم ودون حلم ليقول عما كان يهم أن يدونه وهو هناك في الجوعلي رحلة طائرة الموت.حيث طرح مقترحه الذي كان عما يمكن فعله خلال
ذلك الزمن المحدود جدا قبل الموت إنه كماقال زواج ذكورالركاب من النساء، أتذكر هنا حين كنت في دراستي الجامعية في مصر يوم كنت في زيارة لعيادة أحدكبارالأطباء الذين عاصروا عهد الزعيم جمال، من ذلك الجيل االعروبي العاشق والتواق للوحدة حيث كان بغاية الأهتمام والحفاوة بي والأمل المعقود على الوحدة
اليمنية لتكون النواة
للوحدة العربية ومماأوصاني به أن نتزوج جنوبيات ويتزوج الجنوبين شماليات وظل يوصيني بذلك حتى غادرت عيادته،
نعم كان القاص الذي قد جعل من ذاته الشخصية المحورية لقصته قد نحى بنفسه عن بقية الرجال على متن تلك
الرحلة ليختارلنفسة
تلك المضيفة الجميلة والجذابة والمتحررة. وكأنما هو
على إيعازمن لاشعوره
أومن تمنيه أن يقضي بقية عمره في الفضاء حيث تتواجد المضيفة أي مضيفة
غالبا وكأنما هي الصعوبة التي واجهها
القاص في إيجادالخاتمة المناسبة لقصته والتي يحملها رؤيته للحل أولإيجادمخرج مناسب فأوصله لاشعوره أواللاوعي الذي الذي أمده بمهرب جميل كالحلم
وكالظفربتلك المظيفة الحسناء،
والتي راح يوجدرؤيته
من منظورديني مبسط
حال وجدها متزوجة
والذي عممه على بقية النساء هناك،
ليختتم مؤكدا أن ذلك
الكابوس لم يكن ناتج عن عدم تعاطيه القات يومها وأنه لايتعاطاه عادة وأنه نام على إثرمشاركاته
في نادي الشعر وكان ذلك مع كونه يعد إضافه زائدة للقصة
لكنها أضافت رساله فحوها أن علينا في
هذه المنتديات أن نوظف نشاطنا في خدمة قضايا الوطن
والهم الجمعي،،،،
============
فقط كنت أيها المبدع
الرائع في حاجة لتحسين الصياغة والسرد في وسط النص ليغدوا أكثرسلاسة وإنسجام
و لكوني قدأطلت ومع كون تحليل النص لايعيبه بل يميزه أن يكون حجمه أضعاف حجم النص إلا أني
سأنهي الأن مضطراً
وأترك للزملاء النقاد
هنا لإكمال تناول الجوانب التي لم أعطهاحقها،،،،،
أحييك دكتوربدر فقدأبدعت،،،
==========
منصورنعمان العبسي/ كاتب من اليمن
1مايو2018م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق