قراءات ودراسات

لولا فسحة الهذيان .. قراءة في “ابنة الجحيم” لخيرية بوبطان

د. رضا الأبيض*

إن الجحيم جزء من العالم السفلي الذي تمضي إليه أرواحُ الأموات من ثقوب في الأرض. وهو عالمٌ حصين ، كما تروي الأساطيرُ السومرية، خلف سبعة جدران عالية وعلى أبوابه حرّاسٌ غلاظ .
إنه مثلما وصفه دانتي ( ت1321) في ملحمته عالم سفلي تسكنه أرواحٌ بلا أجساد عالقة بين الحياة والموت ينقسم إلى تسع 9 دوائر أو مراتب هي : الحد ( بين بين ) ، الشهوة، الشره، الجشع ، الغضب، الهرطقة، العنف ، الغش، الخيانة …
ولقد ذهب بعضُ النقادِ إلى أن دانتي تأثر بالمعري في “رحلة الغفران” التي دخل فيها ابن القارح الجنان ثم اطلع على أهل النار ووصف ما هم فيه ..
والواقعُ ، إنّ المعري أو دانتي ليسا سوى استمرار لهذا النوع من الاهتمام بالعوالم الأخرى.. وإنّ نصوصهما هي سليلة أساطيرِ الخلق والموت و البعث التي وصفت عالم ما بعد الموت وغالبا ما قسمته، ثوابا وعقابًا، إلى جحيم وجنة .
ولقد حفظت لنا الأساطيرُ والكتابات المنقوشة على جدران الكهوفِ وفي المعابد وعلى ألواح الطين نصوصًا رائعة في وصف الجنة ووصف الجحيم. يكفي أن نشير في هذا السياق إلى ” كتاب الموتى الفرعوني” ..
لقد استمر ” عالم الجحيم” في أبعاده المختلفة موضوعا من موضوعات الفلسفة والأدب شعرا ونثرا ، وكان له حضور هام خاصة في روايات بروست وجويس وكافكا النفسية والذهنية التي اصطلح عليها النقاد : روايات” تيار الوعي” . وهو مصطلح اقترحه عالم النفس الأمريكي وليام جيمس .
لقد كُتبت هذه روايات كما هو معلوم في ظروف الحرب والتطور العلمي والتكنولوجي وظهور علوم جديدة كعلم النفس، واتساع دائر الشك والشعور بالغربة .
والناظر في الرواية الغربية والعربية من جهة العنوان يلاحظ أنّ عبارة ” الجحيم” كانت عنوانا لروايات كثيرة تضاف إليه روايتنا هذه. يمكن أن نذكر على سبيل المثال رواية دان براون ” الجحيم” والتي يستهلها بـ ” أنا الظل، عبر المدينة الكئيبة أهرب. عبر الويلات الأبدية أطير [..] لاحقوني لسنواتٍ طويلة وإصرارُهم أبقاني تحت الأرض ، أجبرني على العيش في المطهر. أكدح مختبئا مثل وحش قابع تحت الأرض ” .
ورواية الفرنسي هنري باربوس ” الجحيم ” ، والتي كان بطلها يراقب فوضى الآخرين من ثقب باب غرفته،
ورواية ” ملاك الجحيم ” للأرجنتيني أرنستو سباتو ، و” الحب كلب من الجحيم ” لبوكوفسكي و” قطار الجحيم” وهي مجموعة قصصية لروائي الرّعب روبرت بلوخ ..
أما في الأدب العربي فنذكر مثلا: ” أشباح الجحيم ” لياسمينة خضرا و” نافذة عل الجحيم” لعبد الله مطاوع و” ألف ليلة في الجحيم ” لمحمد المخزنجي ومكرّم خلف و” 13 يوما في الجحيم ” لمحمد بهاء و”على أبواب الجحيم” لمحمد مسعد ..
إلى هذه القائمة الطويلة تضاف “ابنة الجحيم” لخيرية بوبطان الصادرة عن دار التنوير 2017 مولودا جديدا “نسائيا” وتونسيا وعربيا …
ومن الأفكار الرئيسية في ما يمكنُ أن نسميه : ” أدب الجحيم” ، بالإضافة إلى النقد الاجتماعي والسخرية ومناقشة قضايا الزمن والمكان.. فكرةُ الإنقاذ، إنقاذِ الكائن وإنقاذ العالم من المصير الذي يسيرُ إليه ألاَ وهو الخرابُ والموت. وبالتالي فإنّ الغاية من كتابة الجحيم وتعريته هي إدامةُ عصر أو زمن الفعل والبناء والخصب. وهو أحد أزمنة الأربعة لدائرة الزمن في الميثولوجيا : زمن التكوين( ربيع) والفعل ( صيف) والخراب( خريف) والموت ( شتاء) .

أما فكرةُ الإنقاذ فتبدأ خاصة أثناء زمن الخراب أو بعده منعا لحصول الموت. ولعلنا لا نجانبُ الصواب إذا قلنا إنّ جوهر الأدب والإبداع في كل الأزمنة والعصور هو إنقاذُ الكائن.
إن هذه الفكرة ، في رأينا ، أساسية في رواية خيرية بوبطان ” ابنة الجحيم “، سواء من جهة كونها دافعا للكتابة ورؤية تؤطرها أو هدفا تسعى إليه ..
والإنقاذ في هذه الرواية نوعان: إنقاذ الذات ( أنا) وإنقاذ الآخرين ( أنتَ ) . تكتب بوبطان في صفحة الإهداء واصفة تجربتها في الكتابة : ” محاولة للوصول إلى درجة أرتفع بها قليلا لأطلّ على ما يحدث هناك في الأعلى. وها أنا أدعوكم لتروا بعض ما رأيت ” .
وبالتالي فإنّ غاية الارتفاع ( بالذات ) ورفعِ ( الآخر / أنت ) إلى هناك (الأعلى) أن ترى هي ما يحدثُ، وأن تساعدنا نحن على أنْ نشاركها الرؤية/ الرؤيا.. غير أنّ هذا الارتفاعَ سيكون بالنزول إلى ” الجحيم “، إلى السفليّ والمخفيّ القابع تحتَ الطبقاتِ.. إلى ذلك الذي أحكمنا أسواره ، فأحكم علينا أبوابَه..
هو النزول إلى العمق مرورا بسطح التاريخ الذي وصفته الكاتبةُ بأنه “كذبتنا المشتركة”. لقد صار التاريخ / الواقع الذي هو في الأصل وهما، الحقيقة المطلقة فحجب عنّا ما يجبُ أن نرى، وصار جحيمنا المسيجة حصونُه، والتي لا يقدر على فتحها غير مبدعٍ جريءٍ ينزلُ إلى العوالم السفلية المنسية والمغمورة، فينفضُ عنها ما تراكم عبر السنين، بل قلْ عبر العصور ، يعرّيها ويفضحُها ليتحرّر ويسموَ فينقذ كينونته وكينونة العالم في زمن الخراب والموت.
إننا في رأي الكاتبة – الساردة ساقطون في ” جبّ النسيان المظلم ” ( أنظر العتبة الأولى ) لا مُنقذ لنا إلاّ هذه التجربة ، تجربة السقوط مدفوعين بالإيمان بالإنسان غاية وبالكتابة سبيلاً.. مثلما آمن بذلك أصدقاء أهدت إليهم الكاتبة عملها وقالت : إنهم لم يدخروا جهدا في تذكيري بأن كاتبة حتى عندما كنتُ أسقط في جبّ النسيان المظلم..
من ينقذُ الكائن؟ وهل نحن قادرون على أنْ ننقذ ذواتنا؟ ذلك هو سؤالُ الرواية الأكبر. أما الجواب فهو : ليس غير أنْ نجرب السقوط إلى الجحيم، فنرى ما لم نره.
وليس ذلك ممكنا إلاّ بشرط أنْ نعترف أوّلا بأنّ الجحيمَ جحيمُنا فلا ننكره ولا نخجل منه ولا نتجاهله.
ولقد أحسنت الكاتبة حين اختارت العنوان مركبا بالإضافة:” ابنة الجحيم ” لتشير بالإضافة إلى هوية البطلة ( ابنة/ أنثى) إلى الاعتراف شرطا لخوض هذه التجربة.
إنّ الجحيم في رواية بوبطان واقعٌ نعيشه ومصيرٌ نذهب إليه . فنحن من خلال الرواية واقعون “الآن” و”هنا” في غيابة جبّ النسيان والعدم ننتظر ، مثلما انتظر يوسف، من يلتقطنا. ولكن إذا كان أحد إخوة يوسف قد قال : يلتقطه أحد السيّارة . فمن يلتقطنا نحن؟
حين تقرأ هذه الرواية تعلم ( وهذا بعضٌ ممّا وعدتك بأنك ستراه ) أنه ليس غير الكتابة وليس غير الخيال قادرين على إنقاذ الكيان، أما ما يقوله التاريخ والواقع فهو وهمٌ وكذبة مشتركة، كما قالت ، ما ننفك ننمقها حتى تحكم أسوارها من حولنا فتقتلنا.
ولا شكّ أنّ قارئَ هذه الرواية منذ في أقسامها الثلاثة سيقف على أنها كانت فعلاً خيالا في خيال، تحررت به الساردةُ من صلابة الواقع، وارتفعت عن جبّ النسيان وأسبابِ العدم.
إنها إذن رواية الحرية التي لا تكون بنكران ما نحن فيه من جحيم بل بالاعتراف به وسرده. فنحن أبناؤه. أما الكتابة/ السرد فهو في هذه الرواية أشبه بعيادة الطبيب النفسي التي نسترخي فيها لنفرغ في تداعيات حرّة خوفنا وقلقنا وجنوننا..
وتلك لا شكّ ميزة المبدعين والشعراء . فهم وحدهم القادرون على أن يقولوا / يكتبوا جحيمَهم ، وأنْ يتعرّوا أمامنا بلا خجل، أما غيرهم فيغلقون البابَ دون هذا ” الفردوس” .
والحقيقة إن الكاتبة خيرية بوبطان لم تستثن نفسَها من هؤلاء الآخرين، إذ قالت ” التاريخ كذبتنا المشتركة”، ولم تقل: التاريخُ كذبتكم المشتركة. ولكنّها بـالكتابة وبالخيال اختلفت وتكتب الجحيم وفضحت الكذبة لترتفعَ بعيدًا وإن قليلا ..
ولأنّ المبدعَ ليس جشعا ولا شرها ( وتلك مراتبُ من جحيم كوميديا دانتي ) ، فإنّ الكاتبة تدعونا إلى أنْ نشاركها قطفَ بعض ثمار جنّتها: ها أنا أدعوكم لتروا بعض ما رأيتُ.
غير أنّ ذلك يحتاجُ ، كما ذكرنا، أن نحبّ السقوط أو ” التشقلب” الذي استهلت به قصة روايتها: التشقلب في الماء وما خلفه من إحساسٍ بالسعادة قبل الخروج منه إلى اليابسة ولقاء ” هو” للشروع في فعل التعمير..
ولكن الساردة إذْ تجرّب التحليق والسقوط الممتعين تجد نفسَها معلّقة وعالقة بين صحو وغفوة وبين تذكر ونسيان وبين وضوح وغموض وبين حركة وشلل وبين اطمئنان ودهَشٍ شديد .. في منطقة ” بين بين ” ( كما اختارت أن تعنون القسم الأول . فالرواية ثلاثة أقسام: 1- العدم الأول ، بين بين صص 13- 53 . 2- العدم الثاني: بدء التكوين صص 55-216 . العدم الثالث: الرحلة الأثيرية صص217-254 )
في هذه المنطقة ( البين بين ) يشتد وضعُ التأزم بالمعنى الوجودي وبالمعنى القصصي ، وتنفتحُ جغرافيا السرد على الممكنات، فتتعدد الاختيارات ويصير كلّ شيء ممكنا.
تقول : ” توجست خيفة. تسمرت هنيهة ثم تقدمت نحو تلك الفجوة. لا خيار أمامي . ينبغي أن أدخل. ينبغي أن أرى وأفهم ” ( ص22) .
وبهذا الفضول الذي يمكن أنْ يقود إلى الموت تختار الساردةُ أن تتقدم، وأنْ تدخل عوالمَها السرية الجحيمية يدفعها إلى ذلك حبّ أعظمُ من الخوف ومن الموت هو حبُّ أن ترى وأن تفهم ما يحدثُ في هذه الكتلة التي نسميها دماغًا في يقظته وفي غفلته . تقول :” نام البدن وظلّ الدماغ مستيقظا ينكش في ما تخبئه الروح ” ( ص 24)
وتتتابعُ الصورُ في شريط من القصص لا ينتهي، شريط تنظمه الساردةُ وفق منطق “التداعي الحرّ ” وهو أحد المبادئ الأساسية في علم النفس الفرويدي، وأحدُ المبادئ الفنية في كتابة نوع من السرد قال النقاد إنه يمثل ” تيار الوعي” . ومعنى التيار هو الجريان والانسياب ، أما الوعي فهو الشعورُ.
يقوم هذا النمط في السرد على الانسياب أو التدفق، ويهتم بالبواطن flux de conscience متحررا من المكبلات الخارجية ومن منطق العقل والواقع، ويعتمد المونولوج واللغة الشعرية المكثفة والرمزية ..
لقد استثمرت بوبطان كلّ ذلك في ” ابنة الجحيم ” ، وهو ما أتاح لهذا النصّ أن يكون قابلا لإمكانية التأويل. إنه ليس نصّ المعنى الجاهز بل هو نصّ ” فائض المعنى” على حد عبارة بول ريكور، لأنه نصّ استعاري يتجاوز فيه المعنى حدود العلامة اللغوية . إنه معنى رمزي وإيحائي connotatif . وهو معنى يختبر ثقافة القارئ أيضًا. فرواية مثل رواية ” ابنة الجحيم ” تحتاج كفاءة قرائية أو تأويلية ، أي قارئا مثقفا يعرف الأساطيرَ والنصوصَ المقدسة والشّعر وآليات قراءة الذكريات وفك رموز الأحلام وتأويل الهذيانات، والرحلة في باطن الذات التي لا وجود لغيرها.
إن ” أنا” في مثل هذه النصوص تمثل الحقيقة الأولى. وليست “ابنة الجحيم” سوى محاولة في التعرف على هذه الأنا، ودعوة للقراء لا ليتلصصوا عليها بل ليجرّبوا هم أيضا التعرف على ذواتهم ..
من هذه الزاوية يمكن أن نقرأ رواية ” ابنة الجحيم ” . أي أن تكون مرآة نرى فيها أنفسَنا أو من خلالها نتعلم كيف نرى أنفسنا . فهي ليست مرآة لمؤلفتها بقدر ما لكلّ قارئ مرآة نفسه..
ولقد أعلن ميثاقها الأجناسي منذ البدء إنها رواية وليست سيرة ذاتية. رغم أننا لا نعدم في النص حضورا للسيرة. ولكنها الكاتبة وقد اختارت أنْ تكتب رواية صارت عناصرُ السيرة مكونات في عالم جديد متخيّل لا يعكس واقع المؤلف. رغم أن المؤلفة أصرت في إحدى العتبات على أن تتحمل مسؤولية ما فيها من مواقف. قالت : ” كنت هناك بشكل أو بآخر”.
في هذه العوالم المتخيلة تصفُ البطلة / الساردة ما ترى وتحكي ما تتذكره و تتساءلُ وتتحرّك إلى أعلى وإلى أسفل ، وإلى أمام وإلى خلف .. تغالبُ الضيق والصمتَ والخوف في شوق إلى أنْ ينتهي كلُّ هذا إلى فناء حقيقي .. شوقٍ لا يتحقق لتظلّ الحكاية تتمدّدُ وتتناسلُ تسلمنا الواحدة منها إلى الأخرى فــ”نتشقلب” مثلما تتشقلب البطلة في الماء وفي السماء وفي الزمن ممتدا من الماضي البعيد إلى مستقبل أبعد.. ونرجو فناءً لن نعرف له طعما وقد صرنا نرى بعضًا مما تراه ..
إننا فعلا في جحيم لذيذ نرى من خلاله في القسم الأول هبوط رجلٍ وامرأة على الأرض أو قل خروجَهما أو صعودَهما إليها بعد رحلة مائية ، ثم رحلة بحثٍ تنتهي بلقاء في الكهف يعزفان فيه لحن الغريزة الأولى ثم يخرجان إلى حيث الابتكار والفعل والصنع : يقطعان الشجر ويهذبانه ويوقدان النار ويتعلمان الطبخ ويقسمان العمل ..
على هذا النحو تكون الرواية في قسمها الأول تناصًّا إبداعيا مع أساطير خلق الإنسان وملاحم عمارة الأرض. ( حالة العماء المائي، انبثاق الكون من العدم، تمرد قوى الحياة ، ظهور معنى الزمان والمكان .. خلق الإنسان ليقوم بالأعمال عوضا عن الآلهة .. )
ويمكن اعتبار القسم الأول الذي عنونته المؤلفة ” بين بين ” ” حديث البعث الأول” على حد عبارة المسعدي . فإذا بُعث الرجل والمرأة ورسما فضاءها في هذه الجغرافيا الشاسعة كان السؤال :” ثمّ ماذا بعد؟” بهذا السؤال كانت نهاية القسم الأول. وبهذا السؤال تستمر القصة تغالب النهايات ولا ترضى السقوط في غيبة الصمت.
ومن طريف عناوين الرواية الفرعية عنوان القسم الثاني : بدءُ التكوين. فالتكوينُ الذي عرفناه في الأساطير قبل خلق الإنسان، نجده في الرواية بعد عمارة الأرض.
تبدأ المؤلفة هذا القسم بنصين قصيرين اختارتهما تصديرا.
نكتفي بالإشارة إلى الثاني : الموت فنّ … (ص 57 ) . وهو مقتطف من قصيدة ” مختارات من السيدة لعازر ” للشاعرة والكاتبة الأمريكية سيلفيا بلاث Sylvia Blath التي عرفت باكتئابها وانتحرت سنة 1963 :
الموت فنّ / على غرار كل ما عداه / وإني أمارسه بإتقان / أمارسه حتى يبدو جهنّما / أمارسه حتى يبدو حقيقة / في وسعكم القول إنه دعوتي.
يكشف هذا التصدير عما بين رواية ” ابنة الجحيم” وهذه القصيدة من مظاهر تناص كثيرة موقفا من الذات ومن العالم ، وعبارةً وأسلوبا ( الموقف من الموت، ذات الشعر الأحمر، الحب الأمومي … )
وتستمر البطلة تحكي ذكرياتها وكوابيسها، وهي المعلقة “بين بين ” في منتصف الحلم ومنتصف الحقيقة جسدا يبحثُ عن روح وروح تبحثُ عن جسدٍ .. في رحلة من أجل استعادة الكيان وإنقاذ الكينونة.
لذلك بدت الرواية عندنا رحلة من أجل التخفف مما علق بالكيان ، عبر تاريخه الأرضي، من زيف ومن أدران لطخته فأثقلته ووشدّته إلى القاع ، إلى الجحيم الأرضيّ .
وهي رحلةٌ من أجل السمو ، تمرّ، لا مهرب، بمحنة / اختبار التعري والغوص في ما تراكم من الطبقات.
وهي رحلة بلْ جهادٌ يبدأ منذ اللحظة الأولى لحظة التشكل في الرحم، في زمن تصفه الراوية ” بعضه يقين وبعضه شكّ” .. في زمن يتخلق فيه الجسد في الماء إلى زمن يبدو غير معلوم.
وإذا كانت ” ابنة الجحيم” رواية جحيم ، فهي أيضا رواية الماء و كلّ ما يشبه الماء كالفراغ والأحلام ، والمشاعر المنثالة والكائنات الرخوة القادرة على ” التشقلب” بكل حرية .
وهي رواية الحرف أو الكتابة التي كانت كالماء تتداعى في انسياب متحررة من القيود ، منفصلة عن الأشياء وعن الأجساد الثقيلة بل عن الأفكار الثقيلة أيضا .. ليس لأن الانفصال هو البداية بل لأنه ” أصل الحكاية” ( ص77) ، وأصلُ الأشياء والوجودِ. لنسم هذا الانفصال موتا أو هجرانا أو غيابًا أو رحيلا إنها أسماء لمسمى واحد كان قدر ” أسماء ” بطلة الرواية ، وكان موضوعَ انشغالها جنينا في رحم أمه ، وساعة خرج وخرج روح الأم معه لتبقى ” أسماء” عارية جرداء يلاحقها الموتُ حيث ذهبت حتى صارت قرينا له، وصارت ” مشؤومة” فتضاعفت غربتها.
لم تملك “أسماء” في رحلتها هذه غير دماغ شقيّ يمضي نحو الموت ولا يموتُ .. فيرى ما لا نراه ويتحمّل ما لا نتحمّل، دماغٍ مثقل بأسئلة الوجود والمصير، لم يعشْ في جسد شقي فحسبُ ( موت الأم، قسوة الأب ..) ، بل يعيش شقاءَ التفكير في ما جرى وما سيجري .. في” الآن” وفي ما زمن لم يحدث بعد ترحل إليه الساردة في ” رحلة أثيرية ” في القسم الثالث من الرواية ..
في هذا القسم نرتحل إلى 2030 ( الأحد 9 جوان 2030 . هو فعلا كذلك) يوم قرر الطبيبُ النفسيُّ أن يزور “أسماء” في بيتها في الطابق الرابع في حي شعبي. فندخلُ معه متاهة . هي ليست متاهة جغرافيا الحي أوالطرق المؤدية إلى البيت ، بل هي متاهة جغرافيا عقل الطبيب الذي كان فريسة الذكريات والأوهام وحمى الهذيان والأصوات والأشباح..
ولذلك فإنّ الكلّ بطلة وشخصيات في هذه الرواية في رحلة يتلمسُ طريقه علّه يبدّد ظلمة وحدته ويخرج من الفراغ القاسي قسوة العدم إلى حيث الحياة والخلود …
فإذا وصل اكتشف ألا تاريخ ولا حقيقة ولا أجسادا .. بل هي مجرّد أفكار أو خيالات وأصداء أصوات تأتي من قاع بعيد .. من زمن الخطيئة الأولى . فكيف الخلاص ؟ وكيف يكون الإنقاذُ ؟
تقول الرواية : ليس غير الإطلالة على الجحيم سبيلا . ولكن البطلة بعد أن تطلّ على جحيمها تكتشف في آخر الرواية أنها لم تر شيئا. فهل ثمة جحيم أكثر من هذا ؟

د. رضا الأبيض/ جامعة قابس. تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

4 آراء على “لولا فسحة الهذيان .. قراءة في “ابنة الجحيم” لخيرية بوبطان”

  1. #_الخواتيم_البعث_الميلاد_الجديد
    لم يكن أخطر ما كتبته في كيفية إثبات الله عن طريق العقل والتأمل، ولم يكن أخطر ما كتبته أن أنبه إلى أن البشر في سجن، أو في مجموعة من السجون المتعددة تبدأ بالإنسان نفسه.
    لكن أخطر ما كتبته على الإطلاق أن أقول أن البشرية في عصرها الذي نعيشه، وربما لأجيال طويلة مضت ( فاقدة للذاكرة ).
    فقدان الذاكرة هو أهم ما في الموضوع كله، إذ بدون ذاكرة لا يمكن أن تتعلم.
    ذكرني ذلك بنبينا نوح عليه السلام وكيف أنه أمضى قرابة الألف عام يدعو قومه ( تسعمائة وخمسين عام )، وقد يبدو للقارئ العادي أن طول المدة بسبب تعنتهم، أو كفرهم، ولكنه يشير من جهة أخرى إلى عدم قدرتهم على التذكر، وبالتالي عدم قدرتهم على التعلم. يتضح ذلك من الكيفية التي كان يدعو بها نوح قومه، وكيف أنه عبر لهم، كما يقول القول الشائع ( بكل اللغات )، أي بكل طريقة ممكنة في عهده، وربما في كل العهود. إذ قال أنه دعاهم ( ليلا ونهارا )، وقال ( ثم إني دعوتهم جهارا )، وقال ( ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا )، ولم يكتف بذلك، بل نبه قومه إلى أيات الله ونعمه عليهم، فقال ( يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لهم أنهارا )، ثم بين لهم قصة الخلق، فقال ( وقد خلقكم أطوارا )، و( أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها، ويخرجكم إخراجا )..
    صحيح أني لست بصدد تأويل سورة نوح ولا قصته، ولكني أردت أن ألفت النظر إلى أمرين، أن الحجج البالغة، أو البليغة لا تغني لمن ليس له ذاكرة، لأنه لا يتعلم، والأمر الثاني قوله ( أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها، ويخرجكم إخراجا )، لأنه بالتأمل في قوله هذا إنما يؤكد على فكرة الخلق الأول. صحيح أن الله خلق الإنسان من الأرض، أي من عناصرها، إلا أنه كان خلقا أول قبل هذه الحياة، لأنه عاد فأوضح مسألة العودة إلى الأرض عندما قال ( ثم يعيدكم فيها )، وقد يأخذ البعض أو الغالبية على أن الإعادة هنا بمعنى الموت، ولكن مسألة الموت ذُكرت ضمنيا فيما جاء من بعدها في قوله ( ويخرجكم إخراجا )، أي يخرجكم من بعد موتكم، لأن لفظ ( الإعادة ) يدل على أن الإنسان ( غادر الأرض ) ثم عاد، كأن تقول أن فلانا عاد إلى أرض الوطن بعد غيبة.
    عندما قام علماء النفس بتصنيف الأمراض إلى عقلية ونفسية، جاء ضمن تصنيف الأمراض النفسية مرض يسمى ( الهستيريا ) وأغلبنا يستخدم لفظ ( الهستيريا ) في الحالات المفرطة في الانفعال، فنقول أن فلانا أصابته هستيريا عندما يضحك فجأة بشدة، أو يبكي فجأة بشدة, وقد جاء في تعريف مرض الهستيريا أن المريض به يتميز بفرط الانفعال، والقابلية للإيحاء، وتقلب المزاج، وعدم النضج، وعدم التحكم في الانفعالات، والسذاجة، وعدم النضج النفسي، وسطحية المشاعر، وغيرها الكثير.
    تذكرت مرض الهستيريا عندما كنت أفكر، وأنا دائم الفكر، في أمر ما أكتبه، وفي أمر، ليس من يقرأ فقط، وإنما في أمر الناس جميعا، لأن من يقرأ لم يستوعب خطورة ما أكتبه، وأما البقية من البشر لم تصل بعد إلى مجرد التأمل ومعرفة السؤال ( ناهيك عن الإجابة ) لماذا هو موجود، ( باستثناء بعض أصحاب الفكر الغربي الذين لازالوا يبحثون )، وهو أمر يجعلني أتقلب بين الضحك مما يمكن أن يُقال عن ما أكتبه، أو الحزن على من لم يفهم أو يستوعب، أو حتى الشفقة، وأحيانا الضحك على غباء الغالبية، وأنا دوما أقصد بلفظ الغباء هو وضع ( العقل ) في غير موضعه، أو استخدامه في غير ما خلق له. ذلك لو أن الله خلقنا فعلا للعبادة، بمعنى أنها الهدف الأسمى الوحيد، ما كان خلق لنا عقول، وما كان أرسل لنا رسلا تترى، وعندي من الحجج شتى في هذا الأمر، ولكنه ليس مجاله، وإن كنت قد تعرضت له من قبل، وسيتحتم عليّ أن أتعرض له من بعد، إذا أراد الله لي استكمال ما بدأته .
    مسألة الرسول، وقد بدأت بقصة نوح، ذكراني ( أي مسألة الرسل، ومسألة نوح ) ذكراني بقصة رويت عن النبي سليمان، وقد عُرف عنه علمه بلغات الطير والحيوان، فقال ( عُلِّمنا منطق الطير )، ورغم أني لي شخصيا تأويلا يتجاوز مجرد علمه بلغة الطير، لأنه قال ( منطق الطير )، ولم يقل ( لغة الطير )، ومع ذلك أمضي إلى القصة التي رويت عنه، وكان معروفا كذلك بحبه للخيل، فمر يوما على حصان، فسمعه يقول، ( الحمد لله الذي خلقني حصانا، ولم يخلقني حمارا )، فتعجب من قوله، وهو يعلم أن كل ما في السموات والأرض يسبح بحمد الله، كما قال الله ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم )، ولكن الذي لفت نظر سليمان هو قول الحصان ( ولم يجعلني حمارا )، فسأله عن سر ذلك، فأجاب الحصان، لأن الحمار منكر الصوت، لقول الله فيه ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير )، فذهب سليمان إلى الحمار، فوجده يسبح ويقول ( الحمد لله الذي خلقني حمارا ولم يخلقني كلبا )، فتعجب سليمان من قوله وسأله، فقال الحمار ( لأن الكلب به نجاسة في فمه )، فمضى سليمان إلى الكلب، فسمعه يقول ( الحمد لله الذي جعلني كلبا، ولم يجعلني خنزيرا )، فتعجب سليمان وسأله، فقال الكلب لأن الخنزير يأكل القاذورات، فمضى سليمان إلى الخنزير، فسمعه يقول ( الحمد لله الذي جعلني خنزيرا يحمده، ولم يجعلني مثل بشر كثيرين، لا يحمدون الله، ولا يذكرونه ).
    فإذا كنا قد وصلنا في جدلنا الصاعد إلى معرفة أن الله موجود وأنه يعاقبنا على جريمة ما بالسجن على الأرض، وأردنا أن نسأله، ففتح علينا بثلاث وسائل، أقلها ( وهي ليست بقليلة ) أن أرسل إلينا رسولا، فيكون من المنطقي، إذا أردنا أن نعرف الإجابة أن نتوجه إلى رسولنا، ( كل بحسب دينه ورسوله ).
    لكن الرسل جميعا أموات، ولم يبق من أثارهم سوى رسالاتهم، ومع ذلك حُرِّفت الرسالات، إلا أن القرأن الوحيد الذي لم يحرف، لأن الله حفظه كما قال ( إنّا نحن نزلنا الذكر، وإنّا له لحافظون ).
    ومع ذلك سنتجاهل أمر التحريف في الديانتين السابقتين وهما اليهودية والمسيحية، ونتجاهل كذلك أن القرأن لم يُحرّف، وسنعتبره ( محرفا )، ولن نبخل على أنفسنا بــ( تصفح ) الكتب الثلاثة على حالها الموجودة به الأن، وننظر، ليس في مدى صدقها من عدمه، أو في مدى تحريفها من عدمه، ولكن في مدى إجابتها على الأسئلة التي طرحناها، وهي الجريمة، والعهد، والخلق الأول.
    لقد تطرقت إلى الكتب الثلاثة، بل وغيرها من الكتب الدنيوية، والحق أقول، ليس لأني مسلم متحيز إلى القرأن، ولكن لأن القرأن أرضى فضولي وأجاب على أسئلتي، بل و( سحرني )، ليس سحر المشعوذين، ولكن سحر خيال ما فيه، والخيال، كما ذكرت مرارا هو البوابة التي تمر بك إلى عالم الغيب. ولذا قررت أن أتفرغ للقرأن.
    أن يبدأ القرأن باللفظ ( إقرأ ) لنبي أميّ، أمر ناقشته مرارا، وقلته أنه يعني فيما يعني عدة مفاهيم أخرى أهمها، استمع، وتفكر، واقرأ ( ما بين السطور ).
    إلا أني عندما توصلت إلى حقيقة الذاكرة الفطرية المفقودة، وقلت أن فاقد الذاكرة إما أنه مات، لأن كل ذكرياته تموت أو تنمحي مع فقدانه للذاكرة، أو أنه ولد من جديد، إذ يبدأ في تكوين ذاكرة جديدة ومعارف جديدة بالنسبة له، فقد رأيت أن اللفظ ( إقرأ ) الذي بدأ الله به القرأن هو دلالة على ميلاد جديد للإنسان.
    لأنك إذا كنت فاقدا للذاكرة، فأول شيء ستسعى إليه ( منطقيا ) وعقليا ( إذا كنت ذا عقل )، فإنك ستبدأ حتما في التعلم من جديد.
    لذلك يأخذ الله بيدك نحو هذا التعلم الجديد قائلا لك إقرأ.
    هنا يجب أن ننتبه إلى عدة أمور.
    أولها أننا جميعا فاقدو الذاكرة، إلا من يكتب،وإلا ( من رحم الله )، وبالتالي نحن في حاجة إلى تعلم جديد.
    ثانيها، أننا في جدلنا الصاعد في مرحلة تعلم كذلك، ويهمنا الخروج بالإجابة أو الإجابات عن الأسئلة التي طرحناها.
    الأمر الثالث، وهو أمر ( مخز ) لكل المسلمين ( على وجه الخصوص )، ولكل ذي عقل على وجه العموم، أن المسلمين أعْلوا من قيمة الرسول على حساب قيمة القرأن، في حين أن الرسول بشر ( كما أكد الله )، وفي حين أن القرأن كلام الله، فأيهما ( يا أصحاب العقول المستنيرة ) أولى بالقيمة ( ولا يعني هذا إنكاري لقيمة الرسل جميعا )، وإنما هو مأخذ آخذه على أصحاب الفكر.
    السخرية من أصحاب العقول أكدها الله في أنه أرسل لهم رسولا ( أميّا ) يعلمهم، فقال، وهو قول يحتمل السخرية ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم )، وقال أيضا ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وإن هم إلا يظنون )، وهو ما يعني أنهم أنكروا فائدة عقولهم حتى صاروا أميين، فالقرأن لم ينزل في أمة أمية، ولكنه نزل على رسول أمي لكل ( العالمين ).
    أليس من حقي بعد هذا الكلام أن أصبح ( هستيريا ).
    إن بداية القرأن باللفظ ( إقرأ ) إنما يعني..
    ميلادا جديدا..
    أو..
    ( بعثا ) بالحق.

  2. الخواتيم_1_2_الذاكرة_المفقودة
    الصدام والصدمات، غالبا ما تكون لها أثر بنّاء، إن كان صاحبها واعيا بها، ولم يتركها تمر مرور الكرام، والصدام مع الأسرة ( كبداية )، لم يكن يتعلق أبدا بالانتماء الوجداني أو العقائدي، وإنما يتمحور حول محاولة ( اكتشاف ) الهوية، وهو أمر ولابد أن تكون الأسرة هي المعين الأول فيه، وأقول المعين، لأني أنا صاحب المشكلة، وعلى عاتقي ( وحدي ) تقع مسؤولية العثور على حل.
    التشوش، إن لم يكن التناقض ( الواضح ) بين الأفكار والأحلام والمشاعر، هو أمر طبيعي لكل إنسان خلال مراحل نموه ونضجه، فهو لم يعلم بعد أين يضع أول قدم. إلا أن التنوع الهائل في طبيعة هذه الأفكار أو المشاعر أو الأحلام، تجعل المدة الزمنية تطول أو تقصر بحسب الرغبة الحثيثة للوصول إلى حل. يتضح هذا الأمر عندما تكون بصدد الاختيار، وأول اختيار أتعرض له يتعلق بمسألة اختيار طريق التعلم، وقد تأتي المعارضة، أو الصدام عندما لا أتفق مع الأسرة حول بداية طريق التعلم، فقد يرونه في دراسة علم ما هو الأنسب، وأراه أنسب لي في علم أخر، ولفظ الأنسب يستوقفني، هو أنسب لمن؟، أهو أنسب للأسرة، وفقا لاعتبارات كثيرة، منها ( على سبيل المثال ) الحالة الاجتماعية، أو الثقافية، أو الاقتصادية، أو ما يرونه في نفسي من قدرات لا أراها أنا في نفسي، وهي مسألة جدلية تدور غالبا في معظم الأسر، لكن ما هو الأنسب بالنسبة لي من وجهة نظري الشخصية، تلك مسألة أخرى.
    أن أعرف ما الذي يناسبني لا يتأتى عن طريق ( الاختيار )، ولكن عن طريق ( التجربة ). هي إذن مسألة تتعلق بالتجربة، وكان من الضروري أن أعيش تجربة بعد أخرى حتى أتعلم ما الذي يناسبني.
    يُقاس على ذلك أمور أخرى كاختيار الأصدقاء، أو حتى قد تمتد إلى اختيار ( الحبيبة ).
    هذا التنوع ( الغير متناغم ) لطبيعة شخصيتي ( الشخصية الإنسانية عموما )، من حيث الأفكار والأحلام والمشاعر، هو الذي يولد ذلك ( الشغف ) بالتجربة، وقد أنكسر وأقع وأخطئ وأتوه، لكن تظل التجربة هي المعيار الحقيقي على تعلُّم شيء جديد، في حين أن أخرين ( كثر ) يرتضون بما يملى عليهم من تعاليم وأفكار وحتى طرائق السلوك.
    مفهوم الحرية، أو بمعنى أدق ( التحرر ) يتولد من هذه المحاولات المستمرة لعدم الانصياع للأوامر، حتى ولو كانت في صالحي، والاستجابة ( الحرة ) لمبدأ التجربة هي خير معلم.
    هذا الصراع لا يدور في الحقيقة حول مرحلة زمنية واحدة، وإنما أجد أنه يمتد في كل خطوة أخطوها، وهو أمر يعيدني من جديد إلى مسألة القيود ( المفروضة قهرا ) عليّ.
    الصراع بين القيود ( المفروضة ) والرغبة في التحرر بـ( التجربة )، هو ما يشكل في جوهره ولبه حقيقة المعنى في السجن. هل أنا وحدي الذي ينتابه هذا الإحساس بالسجن؟
    هنا أبدأ مرحلة جديدة في التجربة، وهي أن أتعايش مع تجارب الأخرين، ممن هم في سني، وربما امتدت النظرة ( الشغوفة ) في نفسي إلى من هم أكبر مني عمرا وأكثر تجربة.
    الجميع بشكل شعوري يقصدونه، وأحيانا بشكل لاشعوري لا يقصدونه، يتحدثون عن نفس المشكلة التي أعاني منها، وإن اختلفت الألفاظ أو التجارب، فأجد الكل ( ممن عرفتهم، أو حتى قرأت لهم ) يتحدثون عن قيود خفية تضيّق عليهم الخناق، ورأيت أن لفظ ( السجن ) يتردد كثيرا على ألسنة العامة والمتعلمين على السواء، فأسمع أحدهم يقول مثلا ( أنا مخنوق )، أو يقول ( الواحد مقيد أو مربوط )، أو يقول ( ما هذا السجن الذي نعيش فيه؟ ).
    هل أصبحت الشكوى من قيود ( خفية )، أو سجون ( بلا أسوار أو قضبان ) هي مسألة عامة يشتكي منها الجميع؟
    مع التجربة تتسع مجالات الرؤية ويزداد عمق البصيرة، فأقرأ للجميع، عرب وغرب، وأشاهد الأعمال الفنية، وخاصة المسرحية والسينمائية، وأتأمل وأقارن ما أراه وما أقرأه بما أفكر فيه، وبما أسمعه من الأخرين.
    من الأعمال الأدبية التي لفتت انتباهي عن حق، وتتشارك معها فيه الأعمال السينمائية، هي التناول المتواتر لشخصية في رواية أو فيلم وقد ( فقدت الذاكرة ).
    مسألة فقدان الذاكرة استحوذت على تفكيري واهتمامي، حتى أني رحت أتخيل نفسي ماذا لو فقدت الذاكرة، كيف سيكون عليه حال تفكيري وسلوكي.
    فقدان الذاكرة ( من الناحية التأملية ) يبدو وكأنه أحد أمرين، إما أن الشخص فاقد الذاكرة قد مات، أو أنه ( وللعجب ) قد ولد من جديد، و( كلاهما صحيح ).
    في حالة الموت ( من وجهة نظر فقدان الذاكرة ) تموت كذلك كل الذكريات والأفكار القديمة، بل والمشاعر كذلك، وكأنها لم تكن، والعكس صحيح تماما في حالة أن يكون فقدان الذاكرة قد يعني ميلادا جديدا لفاقد الذاكرة، فيبدو وكأنه طفل يخرج للحياة لأول مرة، وينتحل اسما جديدا، ويبدأ في فكر جديد، بل وفي مشاعر وتوجهات جديدة نحو أشخاص، ربما هم ليسوا جددا بالنسبة له، ولكنه، بحكم فقدانه الذاكرة، يرى أنهم كذلك، أي يرى أنهم أشخاص جدد بالنسبة له، يتعرف عليهم من جديد، وكأنما لأول مرة.
    الذاكرة، من وجهة نظر أخرى، هي بمثابة ( سجن أو قيد )، وهذا الشخص الذي فقد ذاكرته، قد ( تحرر )، ولو مؤقتا، من سجن ذاكرته القديمة، ليبدأ من جديد ( رغبةً وطوعاً منه ) أن يبني لنفسه ذاكرة جديدة، هي بمثابة سجن ( جديد ) له.
    هل فكرة أو مفهوم السجن هو مفهوم لاشعوري في الأساس؟، وهل نحن جميعا ولدنا ولدينا هذا المفهوم ( اللاشعوري ) بالسجن مطمورا في ذاكرتنا؟، ولماذا ذلك التناول المستمر من الأدب والفن لمسألة فقدان الذاكرة في شكل روائيات أو سينمائيات؟
    التأمل هو وليد الفكر، والفكر هو الذي ( يعوقل ) التأمل، أي يجعله ( معقولا ).
    التأمل في علاقات الأفراد، أو الفرد الواحد، منذ لحظة ميلاده، وحتى لحظة موته، تشير إلى تلك الفرضية التي تقول أنه ( مقيد )، وأن القيد هو بالتالي أحد مظاهر السجن.
    لكن التأمل لا يقف عند حد الأفراد أو الفرد الواحد، وإنما يمتد إلى الوطن، بل وإلى العالم، ثم إلى الكون بأكمله.
    أنا حين أقرر السفر لأي بلد، سواء كان بلدا عربيا أو غير عربي، أجدني أمام سلسلة طويلة من التعقيدات ( القيود )، والتي قد تؤدي في النهاية إلى إفشال فكرة أو قرار السفر، سواء كان هذا السفر للمتعة أو للعمل.
    بل أنا أجد أن القيد قد وقع على إسمي، وعلى انتمائي لأسرة معينة، وعلى انتمائي لبلد معين، بل وعلى كوني ذكرا أو أنثى، واكثر من ذلك، على كوني أدين بدين معين.
    ثمة إذن، قيود شخصية، وقيود أسرية، وقيود مجتمعية، وقيود دولية، وقيود جنسية ( خاصة بالذكورة أو الأنوثة )، بالإضافة إلى قيود دينية كذلك.
    الأمر الذي يعزز مسألة التأمل حول مفهوم السجن.
    أنحن حقا في سجن؟

  3. #_الخواتيم_2_السجن
    قبل أن تضيع منا وحدة الموضوع، وبالتالي وحدة المعنى، فيجب التأكيد على نقطتين.
    أولاهما: أني أردت أن أعيد فأذكر أنه فيما يتعلق بوحدة الموضوع فإنها تتعلق بقصة الخلق، ومحاولة سد الثغرات في فهمنا لها، وبالتالي تصحيح الفكرة عنها، لكي نراها على وجهها الصحيح.
    النقطة الثانية تتعلق بوحدة المعنى، وأقصد بها أن الشخص العادي، ذو التفكير السليم يمكن أن يتوصل إلى وحدة الموضوع من خلال التأمل، وهي الطريقة التي انتهجتها منذ شبابي، والتي سردتها مرارا من قبل، وأحاول إعادة سردها هنا من جديد، لأن الوقت ( في نظري ) قد أزف.
    كان من الممكن أن أقفز مباشرة إلى النتائج، وهو خطأ شائع يطلق عليه أهل المنطق ( المصادرة على المطلوب ) وهو يعني استباق النتائج دون الحاجة إلى برهان، أي التسليم بما يجب البرهنة عليه عن طريق إضمار النتيجة في المقدمة، لذا رأيت أن أعرض تفصيلا النقاط الرئيسية في مسيرة التأمل ومحاولات الحصول على براهين كافية تدعم النتيجة التي وصلت إليها، والتي تتلخص ( كأول خطوة نحو المعرفة ) في أننا جميعا في سجن.
    أنا حين ألقي بحصاة أو حجر على سطح الماء، وأغلبنا مارس هذه الحركة، أو شاهدها، أجد أن الحصاة عند اصطدامها بسطح الماء قد كونت ( حولها ) دوائر متعددة، تتسع شيئا فشيئا حتى تتلاشى.
    الحصاة، هنا، هي الإنسان، والدوائر المتعاقبة هي مظاهر القيود، أو ( السجون ) التي يعيش داخلها.
    أول قيد يمكن أن نراه هو قيد أو سجن ( الاسم )، فهل فكر أحدنا يوما أن يغير اسمه؟
    في الدول الغربية تجد أن تغيير الاسم عملية تحدث كثيرا هناك، وعندما تبحث في أمر تغيير الاسم في تلك الدول، تجد أنه يرجع في الغالب لسببين، إما أن صاحب الاسم يريد أن يهرب من ماضيه، أو أنه ارتكب جريمة ويريد الهروب منها بتغيير الاسم، وهو ما نلاحظه بخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أن لكل ولاية قانون قد يختلف في كثير أو قليل عن الولايات الأخرى.
    أما الحالة الثالثة في تغيير الاسم وهي التي ذكرتها بالأمس، عندما تفقد الذاكرة.
    العجيب أن هذه الحالات حول تغيير الاسم تدور كلها حول أمر ما يتعلق بالماضي، أو بمعنى أدق، حول ماضي الشخص الذي يغير اسمه. وهو ما يعني أنه محاولة للهروب من ذاك الماضي، والذي يمثل بالنسبة له نوعا من ( السجن )، فمدلول الهروب يشير إلى الهروب مما يقيد ذلك الهروب.
    وبالرغم من ذلك، نجد أن ثمة رابط خفيّ بين محاولات الهروب من الماضي، وبين ما أطلقت عليه لفظ ( الذاكرة المفقودة )، وكأن الإنسان في محاولته الهروب من ماضيه ( المعروف ) بتغيير اسمه أو بفقدانه الذاكرة مؤقتا، هو نوع أخر من الإسقاط اللاشعوري لمحاولته الهروب من ماض أعمق، يتعلق بالذاكرة المفقودة.
    في بلادنا تجد غالبا أن الإنسان متمسك باسمه، وغالبا ما يكون فخورا به، وهو ما يضعنا أمام فرضية ما هو دوره أو مدى حريته في ( اختياره ) لهذا الاسم.
    هنا نجد أنفسنا بإزاء مفارقة من نوع غريب، وهي أن هناك من هو يهرب من ماضيه، والأخر يتمسك به ( وإن كان لا يعلم ).
    نفس الأمر ينطبق على الهروب من الأسرة، أو التخلي عنها، أو التبرؤ منها.
    أما فيما يتعلق بالفكر أو ( الأفكار )، فستجد أنها لا تقل في معناها عن المعاني الأخرى للسجن، فالإنسان، في اعتناقه لفكرة معينة أو مجموعة من الأفكار، هو بنفس القدر ( سجين ) هذه الأفكار، ما لم تكن لديه ( المرونة الكافية ) لتغيير أفكاره.
    إن مفهوم ( المرونة الفكرية ) يتجلى بأظهر معانيه عندما يكون العقل قادرا على الفكاك من أسر فكرة ما، و( النظر ) في فكرة أخرى قد تكون مشابهة أو مناقضة لفكرته، ( مع طرح مسألة التصديق من عدمه جانبا، ولو لحين ).
    نفس الشيء تجده كذلك في سجن المشاعر وسجن الأحلام.
    غنيّ عن البيان أن أقول أنه في مقابل ما يعرف بـ( اللاشعور ) هناك الشعور، ولا أعني به الإحساس، ولكن إذا كان اللاشعور هو مجموعة الأفكار أو الغرائز الخافية علينا، فإن الشعور، بالمقابل هو مجموعة الأفكار والغرائز الحاضرة والظاهرة في عقولنا.
    فالشعور في هذه الحالة يتعلق بكل ما يشغل تفكير الإنسان في لحظة ما، فإذا كان هذا الشعور ممتلئا، كان من الصعب إفساح المجال لفكر أخر جديد يأخذ مكانه فيما يمكن أن نسميه بـ( بؤرة الشعور )، ومن هنا تتضح من جديد أهمية مفهوم ( المرونة الفكرية ).
    فإذا خرجنا من الدوائر الضيقة بمفهوم السجن بالنسبة للفرد الواحد، وهي متعددة مثلما ذكرت، اسمه، وأسرته، وجنسيته وجنسه، وفكره، وحتى دينه، نجد أننا بإزاء سجن عام يشترك فيه البشر جميعا، رغم أنهم يشتركون كذلك فيما أسلفته من دوائر السجون المتعددة.
    ذلك السجن ( الواسع ) هو ما نطلق عليه الكرة الأرضية. فهي سجن محيطه أو ( أسواره ) ذلك الغلاف الجوي الذي يحيط بها، فإذا ما خرج الإنسان خارج هذا الحيز من الغلاف الجوي، لم تُكتب له النجاة، أو الحياة.
    هذه الدلائل كلها تشير إلى أننا في سجن كبير، ثم يضيق السجن شيئا فشيئا، فيصبح دولة، ثم مدينة، ثم حيّ، ثم أسرة، ثم فكر، ثم مشاعر، وإن كان البعض يمكنه أن يهرب من أحد هذه السجون الضيقة، فهو إنما يهرب منها إلى سجن أخر، أي أنه فقط، يستبدل سجنا بأخر، وهو في النهاية أسير السجن الأكبر وهو سجن الأرض، أو سجن الحياة.
    السجن، كما هو معروف، هو المكان الذي يقضي فيه الإنسان ( الخارج على القانون ) فترة عقوبة محدد، وتتحدد فترة العقوبة بنوع الجريمة التي ارتكبها.
    هل يعني ذلك، بما أننا جميعا سجناء الأرض، أننا ارتكبنا جريمة؟
    وهل يعني ذلك، بما أننا جميعا سجناء ( نفس الأرض )، أن جريمتنا واحدة؟
    ما هي هذه الجريمة التي نشترك فيها جميعا؟
    أم أننا جميعا ( برءاء )؟
    وإذا كنا بريئين، فماذا نفعل على الأرض، بكل معاني الألم والبؤس والشقاء، سواء التي عانينا منها نحن، أو شاهدنا غيرنا يعانيها؟
    وهل صحيح ما يدعيه الأغلبية من أننا ( خلفاء الأرض )؟
    في مسألة البراءة، والتي يدعيها الغالبية، فدحضها يسير، فالحكم على إنسان بالحبس يستوجب الاستئناف والنقض، وهي أمور دنيوية ( حياتية ) يعلمها أغلب الناس، ولكن عندما يكون الحكم هو حبس مدى الحياة، بلا نقض ولا استئناف، فإن النقض الوحيد المتاح أمام هذا الإنسان السجين هو الموت، لأنه نقيض الحياة، أو بمعنى أخر ( الانتحار ).
    لكن هل تراود فكرة الانتحار الغالبية، أم أنها تقتصر على فئة من الناس؟
    من المنطقي بالنسبة للإنسان ( المعذب المتألم ) أن يقول ( في نفسه )، لقد جئت إلى هذه الحياة بغير رغبة مني، وهو ما قاله كثير من الشعراء ( وعلى رأسهم إليا أبو ماضي، حين قال: ” جئت لا أعلم من أين “، وهي قصيدة رائعة تحتمل التأويل، وليس هنا مجالها )، فهذا الإنسان المتألم ألا يكون من حقه نقض هذه الحياة التي لم يخترها، ولم يكن له يد في وجوده فيها؟
    عند ذكر مسألة الانتحار، ستجد أن الغالبية تفزع منها كفكرة، فما بالك بمن يقدم عليها؟
    هذا النزوع نحو إنكار الانتحار أو حتى مجرد التفكير فيه، هو دليل دامغ ( لاشعوري ) على فكرة التمسك بالحياة. والتمسك بالحياة ( على الأرض ) هو دليل دامغ أخر على رغبتنا في تأكيد استمرار وجودنا في سجن.
    أما أولئك الذي لجأوا إلى الانتحار، فقد ضاقت بهم السبل، وأولها سبيل المعرفة.

  4. الخواتيم_1_الذاكرة_المفقودة
    ما زلت أحتفظ، رغم مرور السنين، بكتاباتي منذ حوالي أربعين سنة، وما زلت، رغم الادعاء بعدم جدوى ما كتبته، أكتب، وما زلت أتذكر أول صفحة كتبتها، وجاء فيها، ” أعلم أنه لا جدوى من الناحية المنطقية والواقعية مما أكتب “، وهو ما يضعني مباشرة، ودوما، في مواجهات مع نفسي، وأنا إن لم أكن أول من يطبق على نفسه فنيات التحليل النفسي، وإن لم أكن أول من يستفيد بخبراتي الشخصية، والتي لا تقاس بعمر، ولكن تقاس بكثرتها وتنوعها، وإن لم أكن أول من يستفيد بكتاب الله، وأنا الذي طالما نوهت أنه الإجابة على كل سؤال، فما قيمتي في نظر نفسي، ناهيك عن قيمتي في نظر الناس، رغم أنه أمر لا يعنيني في كثير أو قليل أن أعلم رأي الناس في شخصي أو فيما أكتبه.
    أُقيم الحجة على نفسي بنفسي قبل أن يقيمها عليّ بشر، بل وقبل أن يقيمها الله عليّ، لأن الخلاصة هي أن أكتشف أنني في النهاية لا أتعامل مع البشر، ولكني أتعامل مع الله، وجها لوجه، فكيف لا أكون أمينا فيما أشعر، أو فيما أفكر، أو فيما أكتب، وكيف لا أكون منتبها يقظا وأنا أعلم حقيقة أنني في مواجهة أمام الله.
    قد تتم ترجمة لفظ المواجهة بغير ما تقتضيه حال الكتابة، فالمواجهة بالمعنى العام أن تكون وجها لوجه أمام الأخر، فإذا كان الأخر هو الله، وهو الذي يعرف سِرَّي قبل ما أبوح به، فلا شك أن العقل والمنطق، بل والإحساس كلها تملي عليّ أن أكون حذرا ويقظا.
    عندما أتأمل كتاباتي ( كلها ) منذ ما يقرب من الأربعين سنة، وحتى الأن أجد أنها تتميز بـ( وحدة الموضوع )، وإن اختلفت الألفاظ، أو تنوعت السبل، وهو أمر يضاف إلى المعنى الذي أردفته بعدم جدوى ما أكتب، بل ويتعلق بالسؤال القائم، منذ أن بدأت الكتابة وحتى الأن، لماذا أستمر حتى الأن، إن كان ( دون جدوى )؟، لذا أجدني دائم التساؤل في مواجهة مع نفسي من جهة، بما تحمله من علم وخبرة، وفي مواجهة مع الله، من جهة أخرى، بما أحمله من دين.
    وحدة الموضوع فيما أكتب هي الفكرة الأساسية التي تغيب دوما عن القارئ، أيّا كان علمه أو وضعه. وفيما أنا في تساؤلاتي، تأتيني العلامات وفيها إجابات، بل وفيها إضافات، لأجدني أطمئن إلى أن ما كتبته منذ أربعين سنة، لم يكن عديم الجدوى، ولم يكن بلا طائل، إن لم يكن للأخرين، فهو بلا شك لنفسي، لأنه تذكرة.
    هنا، تذكرت لماذا قال الله عَلَّم الإنسان بـ( القلم )، فالكتابة هي نوع من التوثيق لحركتي خلال الحياة بما تحمله من تساؤلات ومحاولات بحث، ومن توجهات تجاه نفسي وتجاه الأخر، بل وتجاه العالم والكون، ثم في الأخير تجاه الله.
    إن ما أكتبه ليس نصا إلهيا من عند الله، فهو كثيرا ما يشوبه الفكر المغلوط، إلا أن الكتابة، واستعادة قراءة ما أكتب، هي كفيلة، إن كنت أمينا مع نفسي، أن أصوب أخطائي، بل وتوجهاتي، سواء تجاه نفسي أو تجاه الأخرين.
    تذكرت أيضا ما قاله الله ( فمن أوتي كتابه بيمينه، فيقول: هاؤم اقرأوا كتابيهَ، إني ظننت أني مُلاقٍ حسابيه )، وبغض النظر عن رأي المفسرين فيما قالوه أو كتبوه عن تفسير كتاب الله، وبخاصة عما أعرضه هنا من أيات، فأنا أحتفظ بحقي في رؤية كتاب الله بالشكل الذي أراه، وأن الله وحده، لا المفسرين، هو الذي يقوم بتصويب ما أخطأت فيه، وكأني بهذا المعنى سأقف أمام الله في النهاية حاملا في يميني ما كتبت، لأقول للملأ الأعلى ( هاؤم اقرأوا كتابيه )، فتلك حجتي ( الوحيدة ) التي أملكها.
    كتاباتي القديمة منذ أربعين سنة لا تتضمن شخصيات كما الرواية، ولكنها تتعلق بمواقف، موقفي من نفسي في الأول، وموقفي من الأخرين ومن الحياة والله، ثم العكس من ذلك، موقف كل هؤلاء مني.
    وكما أن العلم يبدأ بفكرة، ثم ينتهي إلى قانون أو مجموعة قوانين، يعمل وفقا لها، وكما أنه لابد للخبرة الشخصية من معيار للحكم على صوابها، أو ثمراتها، تتضح في تعديل السلوك أو التوجه، وكما أنه لابد للدين، أو للمتديّن من شريعة تحكمه، أو تحكم على درجة تدينه، فكذلك كان لابد لما أكتبه من معيار للحكم على صوابه.
    هذا المعيار للحكم، وإن كان موجودا في كتاب الله، إلا أن أحدا، لا أنا ولا غيري يستطيع الحكم به على مصداقية ما أكتبه، سوى الله.
    ما كتبته خلال الأربعين سنة الماضية كان، من جهة أخرى، بمثابة خطوط متعرجة لنمط شخصيتي، ومن خلال مراجعتها، بدأت أتكشف سر شخصيتي، بل وسر شخصية الإنسان بشكل عام.
    إن مسألة الصدام أو الاصطدام هي التي تنبه المرء إلى وقوع حدث أو حادث، ما لم يفقد، أثناء الصدمة، ذاكرته، لكن استمرار الصدام مع القريب قبل البعيد هو ما يجعل الإنسان يتساءل عن سبب الصدام، بغض النظر عن من أخطأ. فالصدام هو أحد المنبهات، أو المثيرات، ويُقال أنه ما من مثير، إلا وله استجابة، هذا لدى الشخص العادي، وليس لدى عديمي الحس، وقد تكون هذه الاستجابة رد فعل فجائي، أو رد فعل عدواني بلا تفكير، وقد تكون الاستجابة نوعا من التأمل، يأخذ شكل السؤال لماذا، أي لماذا حدث ما حدث؟
    في بعض أنواع العقول تجد أن الفكر يولد فكرا أخر، وأن السؤال، بالتالي يولد سؤالا أخر، وهي ما يمكن أن أطلق عليها ( جدلية المعرفة ).
    إذا كنت أريد أن أعرف، فيجب أن أسأل، وإذا سألت، فيجب أن أحصل على إجابة، وإذا وجدت الإجابة، فيجب أن أتعلم، ليعاودني السؤال من جديد، هل هذه الإجابة كافية؟
    التأمل حول نفسي يضعني في دوائر متشابكة من العلاقات المتعددة، مركزها ( دون اعتبار لمسألة النرجسية ) هو أنا، فأنا أولا متعدد العلاقات داخليا ما بين فكر وأحلام ومشاعر، وكلها تعمل ( في البداية أولا ) وكأنها متنافرة، وكل همي أن أستجمعها في نسق وسياق واحد، وهو أمر ليس بالهين، ويتطلب جهدا فائقا.
    ويقود التأمل حول العلاقات الداخلية إلى التأمل حول العلاقات الخارجية، أي ما يربطني بعلاقات مع الأخرين، وهي ( دوما ) تبدأ بالأسرة، فالأسرة هي المحيط الأول الخارجي للإنسان.
    إن أول صراع، أو صدام، كما أسميته في بداية الحديث، هو أن يتعارض ما بداخلي مع أول محيط أعايشه، ألا وهو محيط الأسرة. أنا هنا أمام مشكل كبير، فمن جهة، أريد أن أوفق أوضاعي الداخلية وما فيها من روابط وعلاقات داخل نفسي، وهي كما أسلفت الأفكار والمشاعر والأحلام، ثم أنا، من جهة ثانية أريد أن أوفق أوضاعي ( بكل هذه المتناقضات داخلي ) مع علاقاتي مع الأسرة، والتي هي، بدورها، تشكل تناقضا جديدا، في تحد جديد يضاف إلى التحدي الأصلي داخل نفسي.
    فأشعر وكأني في حاجة إلى حاسوب لكي يقوم ( بالإنابة عني ) أو ليساعدني في تنظيم ذلك الزخم من العلاقات المتضاربة، سواء داخل نفسي من جهةـ، أو مع الأسرة من جهة أخرى، ولم يكن الحاسوب قد ظهر بعد، ولم يكن في مقدور الشخص العادي الحصول على حاسوب في أول ظهوره، لذا كان عليّ الاعتماد على قدراتي الخاصة، وأولها العقلية، وأبدأ، كما تعلمت في تدوين الأفكار المبهمة، والأحلام المشوشة والأحاسيس المتناقضة، ومن هنا بدأت أكتب.
    بعد فترة من الكتابة، تراءى لي أن ما أكتبه بدا وكأنه تتبع سيرة أحد ما، وهو أمر محير.
    كان السؤال الذي يشغلني، عندما اكتشفت ذلك، من هذا الذي أتتبع سيرته، أهو أنا، أم هو شخص لا أعرفه، أم أنه ليس هناك تتبع على الإطلاق، وإنما هي حالة وجدانية تتعلق بسبر غور شخصيتي المجهولة؟
    الوقوع تحت ضغط الكثير من الأسئلة، والكثير من العلاقات المبهمة الغامضة، سواء داخل نفسي أو مع الأخرين، بدءا بأسرتي، هو أمر يزيد من التوتر، بل ويدفعني للتساؤل من جديد، لماذا أنا ( مقيّد ) هكذا؟
    مسألة القيد هذه، تقودني إلى مفهوم الحرية، ومفهوم الحرية يقودني إلى مفهوم السجن، ومفهوم السجن يقودني إلى مفهوم الثورة، أو التمرد.
    أتمرد على من؟
    على نفسي، أم على أسرتي، أم على الأخرين، جميعا، أم على الحياة؟
    إلا أن مفهوم السجن أعادني من جديد إلى مفهوم العدل.
    أَ مِن الممكن أن أكون مجرما، أو مُؤَثّما؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق