ثقافة المقال

هل السجون عامل من عوامل الابداع ؟

محسن عبد الكريم

كثير من مثقفينا وأدبائنا وفنانينا تركوا لنا نتاجهم سماته الابداع فمنهم من صوره اجمل تعبير ومنهم عاشها ومن بين هذه التجارب تجارب السجون التي تحمل كل معاني القسوة وسجن الارادة والحرية  فكتبت على جدران وشبابيك السجون قصائد ومقالات ومذكرات وروايات كانت مدارس للابداع تتغنى بها الاجيال تاريخا وثقافة كتبت لتكون نموذجا حيا تحكي عذابات تشدوا للتغيير والتجديد وأذا عرفنا وحسمنا ان السجن او الاعتقال او النفي من العوامل الرئيسية للابداع فاني اضع امام انظار القارىء الكريم حقيقة ذلك أبتدئها من تجارب الشعوب ففي الادب الامريكي نرى الشاعر (آزارباوند) قد اودع السجن لتعاطفه مو موسليني ففي سجنه كتب ديوانه الشعري وأسماه ( بيزا) … أمتازت مجاميعه الشعرية ببراعة الاسلوب وذات صور ومشاهد بالغة الحساسية فقد كتب مفهومه للحياة يتنقل بين قبوات السجون وأعتبرت تجربته مدرسة من المدارس التجديدية في حينه وفي الادب الانكليزي كان (جون بنيان) واعظا دينيا قبل دخوله السجن وفي سجنه كتب الجزء الاول من رائعته (رحلة الحاج) وهي قصة رمزية تتكلم عن المدينة السماوية التي لاشر ولاظلم فيها وقد أتم روايته بعد خروجه من السجن واعتبرت نموذجا للروايات الفلسفية ومنهج من مناهج الكتابة في حينها وفي الادب الروسي كان (شلاموف)كتب مجموعته القصصية وأسماها (قصص من كاليم) وكانت سبب شهرته في روسيا فقد كتبها في معسكرات الاعتقال في مقاطعة (كاليم) ناقدا التجربة الشيوعية ونشرت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وفي الادب الفرنسي يحكي ان (جان جينيه) اودع في السجن لضبطه وهويسرق وهي بداية احترافه للسرقة فحكم واودع في السجن (28) عاما فاصبح عدوا للمجتمع وكان سجنه هذا ارشده الى طريق الادب فأنشد أول قصيده كان عنوانها (عقوبة الاعدام) وتلتها قصائد فأصبح بعد خروجه من الشعراء الفرنسيين  تدرس تجربته الشعرية في المعاهد والكليات الادبية الفرنسية 0ومن التجارب العربية هناك الكثير من المثقفين ممن اودعوا السجون لاتسع مقالتي لذكرهم جميعا منهم الدكتوره نوال السعداوي لشجاعتها في نقد سياسة السادات فكتبت في السجن روايتها ( مذكراتي في سجن النساء)و(أمرأتان في أمرأة)و(أمرأة عند نقطة الصفر) كلها كانت تعري شخصيات سياسية من معتقداتهم وكذلك افرزت السجينات من اللاتي يحملن عادات وتقاليد والى من هن يحملن افكار سياسية ناقدة ومؤثرة ونموذج آخر للمبدعة فريدة النقاش التي كتبت روايتها (قضبان وورود) وقد عبرت هذه الرواية عن تأثير السجن على المبدع ويشاركها الكاتب الراحل مصطفى طيبة وفتحي عبد الفتاح اللذان كتبا مذكراتهما داخل السجن حيث وضعوا يومياتهم في السجن على النمط الغربي وأسموها ( رسائل سجين سياسي الى حبيبته) حيث شرح واقع السجن باسلوب أدبي رائع وايضا مافعله الدكتور عبد العظيم انيس الذي يترأس مجلة ( المحيط الثقافي) فقد ارسل برقيات حب ابداعية الى زوجته من وراء القضبان ولعل تجربة نجيب سرور الذي تجول في المعتقلات في سبيعنات القرن الماضي فقد كتب رباعياته متأثرا بالشاعر ابو العلاء المعري في احدى المستشفيات العقلية في مدينة الاسكندرية / مصرحيث كان يمر بأزمة نفسية بعد خروجهمن المعتقل ومما يستوجب ذكره فقد تخرج من السجون الاسرائيلية كبار الادباء والكتاب الفلسطينين فقد سطروا في  كتاباتهم ملحمة الشعب الفلسطيني لقد عاش ادبهم السجون والغربة معا منهم غسان كنفاني  ومحمود درويش وفدوى طوقان وآخرون لاتسع المجلدات للكتابة عن تجاربهم التي اصبحت من مقومات الثقافة العربية أما في العراق فان هناك صيرورة عامل السجن للابداع فالسجون العراقية عامل صقل للابداع ومأوى للمبدعين فكل مثقف يجب ان يدخل السجن فمن تجربة ثورة العشرين ومنافي الهند  وكذلك منفى السلمان ( نقرة السلمان)التي كتبت على جدارنه معلقات الشعر العراقي الذي يحكي قصة الحرية والاستقلال الغيمة السوداء التي حلت بسماء العراق في انقلاب الثامن من شباط الاسودالتي قتلت واودعت السياسي والمثقف وكل من يحمل حبه للوطن وقسم منهم فضل الغربة ليقول كلمته هناك فأبدعوا ايما ابداع فاغنوا المكتبة الثقافية العراقية بدررهم وملاحمهم ومعلقاتهم نستنشق عبير آهالتهم وغربتهم وأمسيات السجون الادبية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق