ثقافة المقال

في مجلس ابن جِنِّي: 5 (المدار الهرمنيوطيقي)

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي*

انتهى مجلس (أبي الفتح ابن جِنِّي) السابق إلى أن بعض تأويلات «القرآن الكريم» المعاصرة ليست سِوَى فِرار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء النصِّ الذي بات يشكِّل معضلةً محرِجةً لدَى المأوِّلين؛ فيرون أنه لا بُدَّ من إيجاد المخارج، بأيِّ ثمن، ولو بالشعوذة اللغويَّة. إذ قال أبو الفتح:
– إنما مَثَلهم، يا بُنيَّ، كالوائد الأنثى الذي وصفه القرآن: ﴿يتَوَارَىٰ مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ، أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ، أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ؟ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُون.﴾
– صحيح؛ فمن المعاصرين من أصبح يتوارَى من النقد الموجَّه إلى الإسلام ويلجأ إلى التأويل. ذلك لأنه متنازَعٌ بين عاطفتَين، لا يدري أيمسك عليه دِينه كما هو، ويتحمَّل تَبِعة ذلك من الوصف بالتخلُّف أو حتى بالتطرُّف والإرهاب.. إلى آخر التهم الجاهزة، أم يدسُّه في التراب، إمَّا بنفي النصِّ أو بتأويل معانيه، ولو بسقفٍ لا سقف له من اللغة أو المنطق أو العقل. وهذا الخيار الأخير هو ما يأخذ به صاحبنا المهندس. ولذلك تجده يكرِّر في حواراته أن ما جاء في القرآن، حسب تفسيره، هو المطبَّق اليوم في العالم. فيا له من إسلامٍ حداثيٍّ، غربيٍّ، أزرق العينين!
– كيف؟
– هو يسعى، مثلًا، إلى التماثل والتطابق مع قوانين العقوبات المعاصرة في العالم غير الإسلامي، ليجعل القرآن بلا جديد، ولا قديم، ولا مختلف.
– بل قُل: بلا إسلام، ولا شريعة، ولا حدود، وكفى الله المؤمنين العناء! واضحٌ أن هذه غاية مفسركم الهُمام.
– يا ابن جِنِّينا، عقليَّة التطرُّف في عصرنا عقليَّةٌ مصمتةٌ واحدة؟
– ماذا تقصد؟
– أقصد أن الأصوليَّات المتطرِّفة يمينًا أو يسارًا لا تختلف. التطرُّف الأصوليُّ المنغلق يقابله التطرُّف الأصوليُّ المنفتح على الفضاء بلا عقل، التطرُّف الدِّينيُّ يقابله التطرُّف الليبرالي. «ونحن أناس لا توسُّط بيننا»، كما قال (أبو فراس).
– أبو فراس! نعم، كان فارسًا، لكنَّ (أبا الطيِّب) كان في الشِّعر أفرس منه.
– دعنا الآن من أبي فراس وأبي الطيِّب، يا أبا الفتح.
– دعنا، لكني لم أعد أفهم من رطانتك إلَّا مثل هذه الاسماء! فماذا تقصد بالتطرُّف، والإديولوجيا، والليبرالية؟
– هذه مصطلحات معاصرة، يطول الكلام فيها. غير أن ما أقصده إجمالًا أنه يبدو أن العقليَّة العربيَّة الصحراويَّة المتوحشة مندفعةٌ بطبعها بلا عقال، كغرائب الإبل، نقائضيَّة، منافراتيَّة، لا فكاك لها من حميَّةٍ عصبيَّةٍ أو مذهبيَّةٍ أو حزبيَّة. لا تستطيع أن تكون معتدلة، واقعية، موضوعيَّة، ولا عاقلة في النهاية. وتلك عقليَّة العربان مذ كانوا، وهي سِرُّ تخلُّفهم المزمن، واستغلال شياطين الإنس لهم بعد أن عرفوا فيهم تلك الخصال.
– وبئس الخصال! لكنِّي لم أفهم حتى الآن ما تريد قوله؟ وما علاقته بتأويل صاحبك القرآن؟
– صاحبي لا يعدو نموذجًا، يا أبا الفتح، ليس بِدْعًا من الواقع الثقافي العربي اليوم. اعلم، يا ابن جِنِّي، أننا نعيش بين تيارات من الإرهاب، الفكري والسلوكي، يلعن بعضها بعضًا. تجعل المرء إزاء ثنائيَّاتها بين أمرَين أحلاهما مُرُّ. وصاحبنا، المفسر أو المتأوِّل كما تحب أن تسمية، لا يدفعه للبحث عِلْم، ولا فكر، ولا تخصُّص، ولا موضوعيَّة. كلَّما في الأمر أنه يجنِّد نفسه في مواجهة جيشٍ مقابل. فيتسلَّح بكلِّ ما يستطيع ولا يستطيع في هذه المواجهة الحربيَّة. وهكذا ركب أمواج تيَّارٍ مضادٍّ لأمواج تيارٍ مقابل. فانتهى إلى ما انتهى إليه من سقوط؛ بأن قدَّم صورةً مشوَّهةً للقرآن، تجعله غير مفهوم حتى عند العرب أنفسهم، فضلًا عن غيرهم.
– من يُقحم نفسه في علوم شتَّى، من جملتها اللغة والفقه والتفسير والكون، دفعةً واحدة، لا يُستغرب منه شيء.
– لا هو تقحُّم مقصود لغايات في نفس الرجل. لاصطناع إسلامٍ جديدٍ يفصِّله مجرَّدًا ممَّا جاء به محمَّد بن عبدالله.
– ما أخبرتني به يجعلني أجزم أنه في علم اللغة- على أقل تقدير- ليس هنالك ولا هناك، فهو ذو بضاعة مزجاة جدًّا. بَيْدَ أن الإشكال ليس في العِلْم وحده، بل في الغَرض أيضًا. فهو يقدِّم قراءةً مُغْرِضَة. وهذا انحرافٌ منهاجيٌّ في قراءة النصوص بعامَّة، بقطع النظر عن أيِّ أمرٍ آخر.
– أجل، إن الرجل يفتقر إلى ما يسمِّيه (فلهلم دلثي Wilhelm Dilthey): «المدار الهرمنيوطيقي»، أي الإلمام بسياق النص، بمفهومَيه الداخلي والخارجي، وربط الجزئي بالكلي، والمفرد بالمركب. ما قولك في قوله، مثلًا: “لقد جعل الفقهاء فعل «عبد»، في قوله تعالى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ مرتبطًا فقط بأداء الشعائر، وهذا المفهوم مغلوط ومخالف للمفهوم الذي قدمه لنا التنزيل، ذلك لأن فعل «عبد» من أفعال الأضداد أي يحتمل الأمر وضده، أي القبول والرفض معًا، وبمعنى آخر يحتمل الطاعة والمعصية. فالطاعة نجدها في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾، وقوله: ﴿وأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. أما الرفض والمعصية فجاءت واضحة وضوح الشمس في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾، لأن الرحمن لم يلد ولم يولد كما جاء في سورة الإخلاص، وبما أن النبي (ص) من الموقنين بوحدانية الله فيسكون أول الرافضين لفكرة أن مَن يكون له ولد إله. وكذلك نجد مفهوم المعصية والرفض حاضرًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فالعبد هو الإنسان الحُر وتجمع على عباد، أما عبيد فمفردها «عبد مملوك» كما في قوله: ﴿ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَن رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾. فالناس في الدنيا مطيعهم وعاصيهم، ذكَرهم وأنثاهم، مؤمنهم وكافرهم، كلهم عباد الله يتمتعون بحُرية اتخاذ القرارات وتحمُّل تبعاتها سواء بطاعته أو عصيانه بكل حُرية اختيار. أمَّا في الآخرة فكلنا عبيده لا حرية لنا يومها لأننا لن نقدر على فعل شيء، كما في قوله في عدة مواضع في التنزيل: ﴿ومَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾.”
– سبحان الله! هذا افتئاتٌ على اللغة، بل جهل بأصولها! لَمسألةٌ واحدةٌ من هذه المسائل التي عرضتها كافيةٌ للإعراض عن هذا الهراء كلِّه. إن الأمر لا يؤخذ بهذه الخِفَّة. وأمامك كُتب الأضداد، ككتاب (الأصمعي)، وكتاب (السجستاني)، وكتاب (ابن السكيت)، وكتاب (الأنباري)، أين ورد فيها أن الفعل (عَبَدَ) من كلمات الأضداد؟
– أي أن الرجل هو الغالط والمخالف.
– هو مندفعٌ، متورِّطٌ بلا آلةٍ عِلميَّة، متعجِّلٌ، يحمله ما كان في غنى لإثباته على مثل هذا التناوش من مكانٍ بعيد. ربَّنا، إنَّا نعوذ بك أن نكون من المتكلِّفين! ما تجده في الأضداد هو أن (المُعَبَّد)، يأتي بمعنى المُذَلَّل، والبعير المُعَبَّد: المطليُّ بالقطران مرارًا، لتسويده، ويقال بالضِّدِّ: المعبَّد الرجل المخدوم المكرَّم المعظَّم. لكن حتى في هذا المعنى الأخير إنما هو بمعنى أن الناس مذلَّلون له مستعبَدون في خدمته. واللغة تتسع لذلك. أمَّا الفوضى، فضِدّ اللغة. أم لعل صاحبك قرأ أن «العَبَد»، بفتح الباء، هو: الغَضَبُ، يقال عَبِدَ عليه عَبَدًا وعَبَدَةً، فهو عَبِدٌ وعابِدٌ: غَضِب، وأَنِفَ، فتوهَّمَ صاحبك ما توهَّم؟ وحقًّا لقد فَسَّرَ (أَبو عمرو) قوله تعالى: ﴿فأَنَا أَوَّلُ العابِدِينَ﴾، بمعنى: العَبِدِين الأَنِفِين. لكنه رُدَّ على أبي عمرو هذا التفسير. فقيل: «إنما يُقال من عَبِدَ، بالكَسْر: عَبِدٌ، كفَرِحٍ، وقلَّما يقال: عابِدٌ. والقُرآنُ لا يأتي بالقليلِ من اللغةِ، ولا الشَّاذِّ، ولكن المعنى: فأَنا أَوّلُ من يَعْبُدُ اللهَ تعالى على أنه واحدٌ لا وَلَدَ لهُ.»)1) وهكذا فالفعل «عَبِدَ»، (بكسر الباء)، غير الفعل «عَبَدَ»، (بفتحها). وما ورد في الآية: ﴿ومَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾، بضم الباء، من: عَبَدَ يَعْبُدُ، من باب كَتَبَ يكتُب، لا «يَعْبَدُون» من عَبِدَ يَعْبَدُ، كأنِفَ يأنَفَ، وهو من باب فَرِحَ يفرَح. هذا مخاضٌ صرفيٌّ لا قِبَل لصاحبك به، ورحم الله امرَءًا عرف قدر نفسه!
[للحِوار بقية].

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق