قراءات ودراسات

مرايا الليل: تراجيديا الفقد العظيم وجماليات الضرورة

أماني أبو رحمة

تظهر القصة القصيرة أصالتها من خلال الوقائع غير المادية للعالم الداخلي للذات ، وهي بذلك لا ترتبط بالحقيقة المؤقتة . وإذا كانت الرواية تسعى وراء الحقائق الموضوعية في العالم الاجتماعي ، فان مجال البحث في القصة القصيرة هو اللاوعي البدئي (الغريزي)، المناقض للعالم الاجتماعي . تماماً مثلما أن مادة التحليل في القصة القصيرة ليست الأساليب بل الخيال والتكثيف العاطفي. ونتيجة لهذا التمايز فان القصة القصيرة شكل خيالي روحاني يرتكز على الحدسية والغنائية التي تناقض المألوف اليومي. إنها حكاية لا تظهر من خلال المواجهة مع الأحداث اليومية ، بل من ملامسة المقدس (حيث تتجلى الحقيقة الصادقة بكل وفرتها ) أو اللامعقول (حيت تتجلى الحقيقة بكل فراغها) . وهي ـ بمداها الزمني المحدود ـ مقارنة بالروايةـ…
وبتحررها من التعقيدات القسرية ، وببساطتها وسهولتها ، يمكن لها ، تماما كما للمسرحية الشعرية ، أن تقيم الإنسان من خلال تطلعاته وأحلامه وان تضعه وحده على المنصة حيث يعي كل فرد بداخله انه يقف هناك بمفرده. وتعود هيمنة القصة القصيرة على المشهد الأدبي المعاصر إلى أنها تملك وظيفة، أو هدفا ، أو أجوبة. وسواء اتفقنا أم لم نتفق على أن القصة القصيرة مجهزة بفرادة وخصوصية للقيام بهذا العمل الثقافي، إلا ان من المؤكد أن الشكل بقي صالحا وحيويا, وأنها شكلت وسطاً حيوياً جديداً وإبداعياً للكتابة السردية المعاصرة.

تمثل القصة القصيرة إجمالا الفن الذي يعد استجابة وتكيفا يتماثل بصورة أو بأخرى مع تشظي الشخصية الاجتماعية المعاصرة تحت وطأة التغيرات المتلاحقة في كافة مناحي الحياة . وهو بالتحديد ما تعرضه قصص القاص الأردني سمير الشريف (مرايا الليل ) والصادرة عن دار الثقافة الأردنية عام 2011 : تشظي الشخصية الاجتماعية في العالم العربي المعاصر تحت وطأة الظروف والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . وقد بدا السرد في قصصه بعيدا عن الشروحات والتوضيحات، موظفاً سلسلة من الإيماءات الضمنية الحاذقة، واللقطات السريعة، واللحظات الفكرية التي جعلت من نصوص المجموعة قصصاً قصيرة ـ كما جنسها القاص على الغلاف بحق.

قسم القاص قصصه إلى لحظات، ومحطات، وحالات، ونصوص، وتوقيعات، وقصص قصيرة جدا، تنظم كلها حول: تراجيديا الفقد. فقد الأمل أو التوقع. كل قصة في المجموعة ـ بقطع النظر عن توصيف القاص لها ـ هي قصة فقد من نوع ما. يُحلل في النهاية ليكون فقد الأمل في التماسك النفسي، والتكامل العقلي والروحي، والحياة، وفي الواقع الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والثقافي. وبتركيزها على هذه التراجيديا الإنسانية العميقة، تفتح (مرايا الليل) عالما إنسانيا واسعا أمام القارئ حيث يبدو الفقد عظيما، و حاداً، ومروعا.

تحاول القصص ان تكون واقعية ولكنها واقعية مغايرة : واقعية المشاعر بدلا من السطحية ، بمعني أنها تحكي ما بداخل الفكر في عملية تفكيكية لمعنى الواقع بدرجة عالية الحساسية . لذلك فإنها تلامس حساسية أي قارئ ، بحيث يتحول الفقد( وهو ما قلنا أنه ناظم المجموعة كلها) إلى واقعه الشخصي : أطفال يغادرون الحياة باكراً ، ونساء يحرمن من الحياة الطبيعية ، ورجال افقدهم الفقر والعجز الأمل بحياة كريمة ، وشعوب تدوسها أقدام القهر والجهل والمرض ، وشهداء فقدوا الحياة دونما نتيجة . يضج الفقد في كل أرجاء المجموعة ويكاد يكون هو الصورة المجردة الوحيدة التي تعكسها المرايا عن واقع اسود كسواد الليل.

يرتبط الصمت بجو الفقد العام. وكلما اقتربت الكلمات من الصمت كلما زاد وقعها في نفس القارئ. ففي مجموعة القصص المعنونة حالات ـ مثلا ـ لم يقل الكاتب الكثير ولاذت الكلمات بالصمت، ولكنه نوع من الصمت المشبع بالحقيقة والأفكار والعواطف والمشاعر. قصص حبلى بكلمات لم تقل.

نقرأ في محطات:

((دوى الانفجار، غمرت الشظايا محيط الشارع الضيق، همد كل شيء، استقر الغبار فوق أغصان الشجر. أقفرت الطرقات وخيم صمت موحش . لم يبق في الزقاق غير قطة تموء ، تدور حول رجل ينز منها الدم وفردة حذاء ملقاة خارج إطار المشهد …المجموعة :17)).

نقرأ من (حالات) :

((باعت أثاث بيتها مجاراة للزمن

سقط وليدها صريع المرض

لم تجد له ثمن الدواء

همست لها جارتها بالحل

زمجرت ودفعتها خارجاً

صدم الجيران ذات يوم

بركام أم تحتضن وليدها بعدما

أصبحا كتلة عظام … المجموعة: 23)).

إن هذه القصص ليست بحاجة إلى استدعاء قدرات القارئ العقلية الخارقة؛ ليست بحاجة سوى إلى استدعاء الخيال وإعمال الفكر. كلمات قليلة تخلق عالما كاملا يتعامل مع العواطف والمشاعر والأفكار والأمنيات والآمال والأحلام والخيال والتحليل كلها تتكامل ببساطة لتخلق كونا من كلمات. قصص لم تتعمد تسليتنا أو إزجاء وقتنا، ولكنها جاءت لإعمال القلق في نفوسنا وخلخلة سكوننا. عالم من الكلمات يحاكم عالما من الواقع: تقاليد بائسة، وأنظمة ظالمة، وحريات مفقودة، وأمراض وأوجاع وثورات كاذبة. قصص تريد أن تنتزع ولاء القارئ وهي تفعل ذلك حين تخاطب القارئ كلا متكاملا من العقل والعواطف والثقافة والماضي والحاضر والمستقبل، لا أن تدغدغ خياله لبرهة ثم يعود إلى واقعه كأن شيئا لم يكن. ليست التسلية أو المتعة هي ما يهدف إليه سمير الشريف ولكنه يريد ولاءنا لكل حالة من حالات قصصه كما لو كنا نحن ـ ونحن كذلك ـ شخوص قصصه. أنها تجسد موقفنا الخاص من الحياة، هذا الموقف المتفاعل مع تجربة التفكك الاجتماعي في العالم المعاصر إنها وباختصار قصص عن ( وعي الإنسان الحاد بعزلته في هذا العالم ).

ونقرأ في احد نصوصه مثلا:

((تطل على فضاء الليل

تستعرض من مرّوا على عمرها

تتحسس وجهها

ترمي رفوف الكتب بنظرة حقد

وتطعنها بآهة ندم – نص (وحدة ) – المجموعة : 29)).

تتميز قصص المجموعة بالصدق الذي لا تستمده فقط من واقعيتها وإنما من رهافة حس القاص والتزامه الأخلاقي . ولا بد للصدق عند سمير الشريف أن يجد طريقة للكشف عن عالم مخفي , عن تلك الشذرات العقلية التي تومض في العقل لبرهة ثم تضيع في زحام ملاحقة السطحيات والماديات . أن قصصاً مثل ((متهم:35، وعنوة: 30، وخوف:42، وانتظار:41)) ابعد ما تكون عن استنساخ المظهر الخارجي للأشياء وتحويل المبتذل والمؤقت إلى حقيقة أزلية دائمة ـ كما يحدث في الواقعية التقليدية. إنها تستند إلى رحلة عقلية ضمن المخفي مع تركيز واضح على الجانب المعتم من السيكولوجيا الإنسانية ، نقرأ في (أمل) مثلاً:

((البنت الكبرى ، حزنت وتمنت موت أختها عندما طلب الغريب يد أختها ، البنت الكبرى ، متظاهرة بوداع أختها بكت نفسها . المجموعة:44)).

ونقرأ في ( خوف )

((ترددنا في إيصال مخاوفنا . تهمة الجبن تنتظرنا، نرشوه بفطائرنا كي لا ينبح، تماديه في تحديه، أدرك سر تنازلنا. المجموعة : 42)).

والصدق وإن كان صفة مجردة إلا انه يحمل ملامح فنية عبرت عنها المجموعة بطريقتين: اللا-حسم، والتكثيف العاطفي .

فحتى تكون القصة القصيرة صادقة , لا بد أن تكون غير حاسمة بالدرجة الأولى ، ومفتوحة , وتطرح مزيدا من الأسئلة أكثر من أن تمنح إجابات. ومن هنا كان اللا- حسم والنهاية المفتوحة سمتين في أغلب قصص المجموعة الفرعية المجنسة ـ تبعا للقاص ـ نصوص ضمن مرايا الليل .

نقرأ نهاية (خوف ) مثلاً :

((نكس والدي الرأس طويلاً ، رأيت الدموع تجول في مآقيه . لكنه لم يجب ولم أكرر السؤال …..المجموعة :42)).

ونهاية نص (براءة) :

((تبادلوا النظرات .. عاد كل منهم ليغرق في سحابات سجائر دون أن ينتبهوا لصوت رشفات القهوة الذي أثار انتباه الجالسين، المجوعة : 46))

أما المكون الثاني للصدق فهو ( التكثيف العاطفي) فنصوص القاص أبعد ما تكون عن الصراحة ، ويُعرض مفتاح النص فقط من خلال التكثيف العاطفي المفاجئ للعبارة:

يقول روجر فراي في كتابة (التعبير والتمثيل في الفنون الكتابية): أن عالم الخيال أكثر واقعية من العالم الحقيقي لأنه يمتلك تماسكا ووحدة يفتقر إليها العالم الحقيقي ، لذلك فإننا بحاجة إلى لغة مرئية مفعمة بالحيوية قادرة على تصوير اللمحات بمجرد ارتطامها بالعقل : 69″ . لغة ربما كما تساءلت فرجينيا وولف في ( الرواية الحديثة ) : ” نحسها ونراها لكننا لا نستطيع أن نحكيها على الإطلاق ولكن هل نستطيع أن نجعلها مرئية بالعين حتى وان لم نتحدث بها ؟ 10″.

يمكن لقصة (توبة) أن تكون أنموذجا على التكثيف العاطفي المروع . إنها شبكة عواطف متقاطعة تمر في نفس رجل مارس الخطيئة ثم (( ابتاع تذكرة العودة طائرا غالى نفسه، المجموعة 68:)) :

((استعرضت أنوثتها الذبيحة . كنت طوق النجاة …. ذهلت عن نفسي ….لم تصدق أمي أن الهيكل العظمي هو ابنها ….أصابني الدوار ، تذكرت قريتي ….قطعت على نفسي المواثيق . وحيداً ….تتلاشى صور التقزز…أصرخ ، المجموعة 68)).

من لحظة الفهم تلك التي هي لحظة الانفعال والعاطفة والتكثيف للقارئ , يكون لإرباك النص معنى . ويرتبط ذلك بالتكثيف الذي يرسله القاص في كتاباته ، إذ كلما ازداد إحساس القاص تكثيفا ، كلما كانت تعبيراته بالكلمات أكثر دقة بدون انزلاق أو ضجيج . و لا يمكن الحصول على هذا التكثيف ثلاثي الطبقات والذي يعني بالنص والكاتب والقارئ إلا إذا كانت العاطفة عميقة وأصيلة وبذلك فان التكثيف يستمد من الإخلاص والدقة والبراعة في انتقاء الكلمات وتوظيفها . إن خطاب الشريف في قصصه يميل نحو “تذرير” العالم إلى ذرات متراقصة في فضاءات رحبة من أجل إيقاظ مشاعر كانت نائمة في ركن معزول من الفكر والواقع ولاستحضار تصورات كامنة (عن الاشياء) تمكننا من معرفة (أهميتها ودلالاتها) .

كتبت القصص في (نصوص) بوجهة نظر موضوعية (درامية) وفي هذا النوع من وجهات النظر فان المؤلف ـوعلى الرغم من كونه السارد في الوقت نفسه ـ يرفض الدخول إلى عقل أي من الشخصيات. انه ينظر إليهم فقط ( ويتركنا ننظر أيضا) , كما لو أننا في الحياة الواقعية. يطلق على وجهة النظر هذه وجهة النظر الدرامية لأننا نرى الشخصية بوصفها شخصية تؤدي دورا في مسرحية. وإذا ما طبقنا هذه النظرية على نص (مراجعة ، المجموعة : 37) , نقول أن بداية القصة كانت عن محدث نعمة يفكر في الخلاص من زوجته ليتزوج شابة تناسب وضعه الجديد . ولذا فان حادث السيارة في النهاية ومقتل الراعي لم يكن واردا , وتبعا لذلك فان النهاية كانت من نوع التهكم الموقفي attitudinal irony. والتهكم الموقفي يشبه التهكم الموضعيsituational irony ، ولكن التهكم الموقفي يكون بالمقارنة مع ما يتوقعه المرء . الراعي إذا هو الضحية ، وليس هو أو زوجته كما كنا نتوقع .

تتفاوت قصص المجموعة القصيرة جدا ـ حسب تجنيس القاص ـ في طولها وأقول بالتحديد في (عدد كلماتها) ذلك أن ظهور فن القصة القصيرة ثم تحولها إلى قصة قصيرة جدا أثار السؤال حول عدد كلمات كل منهما أو بالأحرى حول العدد الأدنى من الكلمات الذي يجعل القصة القصيرة قصيرة جدا ؟

وبالنسبة لي فان الأمر لا يتعلق بعدد الكلمات أو بطول القصة ولا بمميزات فنية يلتزم بها كل نوع مثل المفارقة السردية والشعرية في حالة القصص القصيرة جدا بالمقارنة مع القصة القصيرة، بقدر ما انه يرتبط بالضرورة الجمالية Aesthetic Necessity ، التي تعني أن لا تكون أي كلمة في القصة زائدة لا حاجة لها ، بل أن تكون ضرورة لا غنى عنها من أجل خلق أو كشف عالم بأكمله يجاور العالم الواقعي ، أو يعكسه ، أو يختلف عنه ، أو يتقاطع معه. وفي الوقت ذاته لا يجب أن يفتقر النص إلى كلمة كانت ضرورية وغابت عن العرض . يتعلق الأمر إذا بجدوى الكلمات وتوظيفها ضمن القصة كلمة كلمة .و ذلك هو ومن وجهة نظري مرة أخرى ـ ما يميز قصة عن قصة وقاص عن آخر .

نقرأ في (وفاء ) وهي إحدى القصص القصيرة جدا في المجموعة:

((اتشح بعتمة الليل ، تلقفته الدروب المضببة ببخار الشتاء ، فتشوا الأماكن المتوقع وجوده فيها. لم يخطر بالبال أن يلوذ في مثل هذه الساعة بقبرها الذي درست معالمه . المجموعة : 53 )).

لا يمكن لأحد أن يقول أن هناك كلمة لا لزوم لها في النص ، كما أننا في الوقت نفسه لا يمكننا إن نقول أن هناك كلمة مفقودة . تأخذنا القصة إلى مشهد زمكاني كامل . إنها تستغرق أكثر من مجرد دورة حياة لإنسان . قصة في ( ست وعشرين ) كلمة تغطى حياة امرأة غادرت دون أن تكلف القاص أكثر من كلمة واحدة ، وحياة رجل يقطع الفصول تلو الفصول بحثا عنها دون أن يكلف القاص أيضا أكثر من بضع كلمات. وجماعة من الناس يفتشون . شخصيتان رئيسيتان ، وجملة أحداث ، وعواطف مكنونة : سعادة وهناء وارتباط ثم فقد وتشرد وضياع إلى الأبد . قصة تحطم وهم النهايات السعيدة . قصة وعي الإنسان الحاد بعزلته في هذا العالم .

تظهر القصة براعة القاص في الاختزال وتوظيف الجمل بوضوح حين يتيح للقارئ كما كبيرا من المعلومات عن الظروف الزمكانية ، ونبرة الصوت ، والحبكة ، والجو القصصي العام الكئيب واليائس , ولأن القصة تتحدث عن نهاية علاقة عاطفية فإنها كفيلة بزرع اليأس والكآبة في نفس القارئ . هذا الجو الذي طبع قصص المجموعة كلها . ولم يكن الموتى هم الضحايا في قصص الشريف ولكن الأحياء أيضا . الم نقل أنها تراجيديا الفقد العظيم.

وإذا كانت كل كلمة في القصة القصيرة جدا ليست زائدة عن الحاجة كما أن لا كلمة مفقودة فمعنى ذلك أن كل كلمة في القصة ليست طارئة ، أو شارحة ، أو مرتكزة على كلمة أخرى ، ولكنها ضرورة . وتلعب الضرورة دوراً أساسياً في القيمة الجمالية للمنجز الأدبي . ذلك أن الجمال ينتمي إلى نوع من الضرورة التي تختلف باختلاف كل منجز أدبي أو فني أو علمي.

فتتحول القصة القصيرة المتقنة فنياً إلى معادلة رياضية بالغة الدقة ، وبذلك فان القصة القصيرة جدا تماما كما المعادلة الرياضية والقطعة الموسيقية لا بد أن تتوافر على معياريين : الضرورة والجمال .

وإذا ما وضعنا هذه الحقيقة نصب أعيننا فانه يتوجب علينا أن نعيد صياغة السؤال السابق عن عدد الكلمات في القصة القصيرة جدا . ليكون كالآتي : كم كلمة زائدة أو ناقصة يمكن أن تحتملها القصة القصيرة جدا ؟ فتجيبنا مرايا الليل .. ولا واحدة .

كل كلمة في قصص الشريف القصيرة جدا حاجة وضرورة تخلق جماليات خاصة وبذلك فان قصة قصيرة جدا مثل (حوار ) :وهذا نصها:

(( جادل التاجر بإلحاح لتخفيض ثمن العلم حتى يزين شرفة بيته المستأجر ، المجوعة : 56 )) ، كافية لخلق أو كشف كون هائل من الجمال زاده إشراقاً ذلك التوظيف البارع للسمات الشعرية ( في كل نصوص المجموعة ) الذي منح سلطة ظاهرة للجملة : ارتفاع وانخفاض الإيقاع والموسيقى , و تناغم الأصوات , والتكثيف والميوعة المفاجئة , والصور الشعرية المتلاحقة , والجمل القصيرة المتعاقبة , فضلا عن توظيف علامات الترقيم بكثافة ملحوظة ساهمت في إضفاء طابع المناورة على النص السردي : بإبطائه أو تسريع وتيرته :

نقرأ في (اشتعال ):

((سرت ارتعاشة في روحه ….يده تنقر النافذة ……تنبهت …حاولت أن تستدير ….اصطدم بنظارتها السوداء …اكتشف وجهها المشرب بحمرة ….أصابعها تتحرك ….سقط قلبه ….ببئر من فرح ….نمنمات خدر اجتاحت كيانه …وصلتها رسالته ….هاهي تستجيب . المجموعة :60))

ومما يلفت النظر أن سمير الشريف قد عنون كل قصة في (نصوص ) و (قصص قصيرة جدا) فيما اكتفى بعنواني “حالات” و”لحظات” الرئيسيين وأدرج تحتهما: مجموعة قصص قصيرة جداً أو نصوص دون أن يضع لكل نص عنوانا خاصا . ولا أعتقد أن الأمر محض صدفة ذلك أن غياب العنوان عن القصص التي غاب عنها كان ذا دلالة بالغة لأنه يفتح القصة على مجالات أوسع ويجعل منها قصة كونية عنوانها الإنسان في كل مكان ، أو أن الكون هو مسرح حدثها .

أما القصص المعنونة فقد جاء العنوان ليخلق بقعة ضوء وسط ظلام الليل الكثيف أراد لنا القاص أن نوجه مرايا ليلنا نحوها.

هوامش :

* سمير الشريف ناقد وقاص أردني . عضو اتحاد الكتاب العرب ورابطة الكتاب الأردنيين .صدر له : الزئير بصوت مجروح: قصص، وزارة الثقافة ، الأردن، دار الينابيع :1994، و- عطش الماء: قصص ، أمانة عمان الكبرى/الدائرة الثقافية، دار أزمنة،2006، فضلاً عن مجموعته القصصية مرايا الماء و الصادرة عام 2011 بدعم من وزارة الثقافة الأردنية .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق