ثقافة السرد

عذبة- رواية- المأساة الفلسطينية- جزء 24-

صبحي فحماوي*

كان خالي أبو هاشم يزورنا في معسكر أنصار 13، فنسهر معه على نور (اللوكس)، ويحدثنا أحاديث تُفقِّعنا من الضحك! وكان كثيراً ما يحدثِّنا عن يافا وأيام يافا! وما أذكره من حكاياته أنه قال لنا ذات مرّة: ” اشترى لنا أخي الحاج حسن بيتاً في يافا ، في حي إذاعة الشرق الأدنى. إلى جانب بيت القنصل الأميركاني، وعرّفني عليه، فأعجب الرجل بي، وقال لي: أنا أعيش وحدي، فلماذا لا تأتي؛ لنتبادل الحديث؟ فقلت له مداعباً: يا كولونيل روك، أنا إذاعة متحركة، وهوايتي؛ تبادل الحديث وجمع الطوابع والمناظر الطبيعية! ضحك الكولونيل، حتى فطس من الضحك! وصرت أزوره كل يوم، أو هو يزورنا، فنشرب قهوة الصباح، ونقرأ الجريدة، صار بيننا صحبة، وعِشرة طويلة! وفي صيف عام ثلاثة وأربعين، وصلتني الجريدة كالعادة، كان صباح يوم جمعة. تصفحتها – يوم أسود- اندهشت لما فيها! كانت النيران تندلع من الجريدة على صفحتها الأولى، تأكل الجريدة أكلاً! اللهب طالع من الجريدة! شاهدت عمارة ناطحة سحاب في (نيونيورك) تشتعل فيها النيران “! هكذا لفظها (نيونيورك) ! وكنا نحن الأولاد نسمع ونضحك من تحت لتحت ! وكان خالي أبو هاشم يستمتع وهو يشاهدنا نضحك، ولكنه يحب أن يحافظ على مستوى الشد والتوتُّر والترقُّب في حكايته، فتابع دون التفات إلينا قائلاً:” لم يبق في رأسي عقل! حملت الجريدة، وركضت باتجاه القنصل روك، الذي كان قاعداً في فناء البيت، على كرسي هزاز، ويستمِخّ بشرب فنجان قهوة تركي.. كان الملعون يفضلها على الريحة، ولا يشرب القهوة، إلا وهو يدخن سيجارة من نوع “الثلاث خمسات ” كانت تأتي في علبة صفيح رقيقة ومربعة تقريباً! فاجأته بدخولي، دون إحم ولا دستور، وقلت له : لكن هذه عمله تعملها معي يا (كولونيل)؟ اندهش روك، وصارت يده التي تحمل الفنجان ترتجف، فانسكبت القهوة على ملابسه. كان ما يزال بملابس النوم، وفوقها روب حرير، أزرق مخطط، مثل موج البحر! فسألني القنصل الأمريكاني بخوف: ما الموضوع يا ابو هاشم؟ ألا تقول صباح الخير؟” فقلت له مكشراً: من أين يأتي الخير يا كولونيل، وهذه (نيونيورك)، ناطحة السحاب فيها مشتعلة ! ” خبر مؤسف يا أبو هاشم”! انتبه للمصيبة، فعاد له توازنه قائلاً: ” ماذا نعمل! ”
” يا رجل، أنت تعرف أنني اختصاصي دفاع مدني، وخبير إطفاء حرائق مع دولة بريطانيا العظمى، في بور حيفا! فأجابني بروح المستسلم: وماذا تستطيع أن تعمل يا أبو هاشم؟ الحريق في نيونيورك، وليس في يافا؟ اجلس لنشرب القهوة اجلس! فقلت له بنزق وتوتر شديدين: لا أستطيع أن أجلس وأشرب القهوة معك، قبل أن أطفيء حريق ناطحة السحاب! يا رجل نحن جيران! والجار للجار! نحن عرب، نحمي الجار لو جار! قم وأحضر لي طائرة هيلوكبتر، واتصَّل معهم في نيونيورك، وقل لهم إنني قادم !
والله يا جماعة، الكولونيل روك لم يعارض. الملاعين مطواعين، وليس مثلنا، كل واحد حاسب حاله زعيم، “وأنا ربكم فاعبدون”! اتّصَل بالهاتف، فأحضروا لي طائرة الهيلوكبتر الخاصة بالقنصل.. والله ما كذّبت خبر! طلعت بالطائرة من بحر يافا، ودخلنا فوق بحر كبير، قالو: هذا بحر “الألطنطي”، وبعد نصف ساعة من الطيران أو أكثر، لخمتني مدينة، فيها عمارات واقفة مثل أقلام الرصاص! قالو هذه “نيونيورك”! كانت ناطحة مولعة، والنيران طالعة منها لعنان السماء! ولما وصلت، كان الناس في شوارع “نيونيورك” متجمهرين! ولما شافوا الهليوكوبتر التي بلَّغ عنها الكولونيل روك، صاروا يهتفون بأصوات، تكاد تغطي على هدير مروحة الهليوكبتر! يحيا، يحيا أبو هاشم! انزل، انزل يا ابو هاشم! الشعب بيهتف؛ أبو هاشم! الناس تحيي أبو هاشم”!
الناطحة مولعة فوق، والناس مولعة تحت! قال بدهم يحتفلوا بي، ويقدموا لي وجبات الضيافة! قلت لهم:” يا جماعة، مش وقت ضيافة. الآن وقت إطفاء لهيب النار”! مقِدرِش قائد الطائرة ينزلني فوق سطح العمارة، إذ قال: “لاحظ يا أبو هاشم إن لهيب النار قد يحرق الطائرة، فنموت مع الموتى”! فقلت له آمراً..آه والله، أصدرت له أوامري: أنزل لي سلّم الحبال من بطن الطائرة! فأنزل لي السلم في الهواء. لم يكن عندي وقت لأنزل على درجات السلم، فنزلت بشكل متسارع على طرف السلم (فرررررت)من أعلى السلم لأسفله، وخلال ثوان معدودات، كنت على السطح! وبسرعة مددت يدي على الأمان، فأطفأت الكهرباء في العمارة كلها، وقلت لرجال الإطفاء الواقفين في الشوارع: ” أعطوني خراطيم الماء”. رميت لهم الحبل من سطح العمارة، فربطوه بخرطوم الماء، رفعت الخرطوم بالحبل، ورميته داخل أول شباك ، ثم الثاني والثالث والعاشر، والتاسع عشر والخمسين. وقلت لرجال الإطفاء: ضخوا الماء! وما هي إلا دقائق، حتى صارت المياه تسيل على واجهات العمارة. وبقُدرة قادر انطفأ الحريق، وساد الجو سكون لم تتعود عليه (نيونيورك) أمُّ الضوضاء، والفوضى المنظمة. يبدو أن الناس قد تخدّروا عندما شاهدوا بأعينهم أن العملية قد انتهت بسلام! وعندها ضجّ الناس في الشوارع مرّةً واحدة ، يُهلِّلون ويُكبِّرون، ويصيحون بأعلى أصواتهم:”أبو هاشم! أبو هاشم! انزل، انزل يا أبو هاشم”!
كانت الجماهير في واد، وأنا العبد لله – وأعوذ بالله من كلمة أنا – بعد إطفاء الحريق، صار جسمي منقوعاً بالماء والعرق، وشعر رأسي مشعوطاً بنيران الناطحة! ووجهي أسود من دخان العمارة. شعرت أن الزيارة ليس وقتها وأنا على هذه الحالة، فقلت لهم: مش فاضي، أريد أن أعود للكولونيل روك، فأطمئنه على نجاح العمليّة. وفعلاً نزلت الهيلوكبتر هذه المرّة على سطح العمارة بأمان، لأن الحريق انتهى، فركبت بجانب السائق، وما هي إلا نصف ساعة أو أكثر، إلا ونحن فوق شواطئ يافا! قلت الحمد لله على السلامة! نزلنا أمام القنصلية الأمريكية. كان روك واقفاً بانتظاري! طمأنته، فطار فرحاً، وصار ينط مثل الأطفال، وأخذني بالحضن! ومن يومها صار كلامي عند الكولونيل؛ أوامر!
كنا نحن الأولاد نضحك ونحن نسمع “خرط”، أقصد حكايات خالي أبو هاشم المسلِّية، خاصة عندما يقول:”كان الناس في شوارع نيونيورك يُهلِّلون “! صرنا نحن الأولاد نتخيل، وكأن شوارعها جامع مسلمين، والناس فيه يهللون خلف( خالي) خطيب الجمعة! فيجحظنا خالي، محاولاً إكمال مؤثرات حكايته، وهو يقول:”ليش بتظحكوا؟ أنا بلعب مع أطفال؟ إحنا رجال بنحكي مع رجال، حول أمور بتخوِّف! مش حكايات ولدنة “! فنصمت نحن الأولاد، ونمسك أفواهنا عن الضحك، ثم لا نلبث أن نفرط من الضحك مرّة أخرى على تهريجه، وكلماته المخربطة! وبالرغم من استمتاع أمي بحكاياته، وتفاخرها الدائم بأخيها أمامنا، سواءً في حضوره، أو أثناء غيابه، فلقد شعرَت أن حكاية أخيها قد زادت عن حدها، وأن كذبه الأبيض قد تجاوز الحدود، فقالت له مازحة:”أي زوّدتها يا اخوي يا أبو هاشم! خلِّي شويّة لبكرة “! كان خالي أبوهاشم يزورنا كل عيد، يأتي ومعه سلَّة كعك العيد، وأحيانا قطعة قماش ثوب لأمي، تخيطها عند جارتنا الخياطة أم زكي، وكان خالي معجباً بوديع الصافي، فإذا غنى وديع:”ياهويدا ويدالك، ياهويدا ويدالي.. نارك ولا جنة هلي”! يقوم أبو هاشم ويرقص، ويدبك ويخلع، فتهتز الأرض تحت قدميه، حتى يرتمي من التعب! كان يضفي علينا سعادة تخرجنا من عتمة الليل الموحشة، وكآبة الحياة، وشظف العيش. لم نكن نضحك أبدا، إلا إذا زارنا خالي، فنسهر متجمِّعين حوله في الليل، على ضوء اللوكس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق