ثقافة المقال

علم الطاقة.. نحو مزيد من القسوة

شاهيناز الفقي

في السنوات الأخيرة انتشر علم الطاقة بشكل كبير في المجتمعات العربية، أصبحنا نسمع كلمة طاقة سلبية و طاقة ايجابية في أماكن و على مستويات ثقافية مختلفة، واشتهر أطباء الطاقة و طُبعت الكتب و تعددت المقالات ونشرت المنشورات على الفيس بوك تطالبنا بالابتعاد عن كل مصادر الإزعاج، و عن كل شخص يصدر لنا طاقة سلبية، وأن نقترب فقط من الأشخاص المتفائلين الذين يحققون لنا السعادة و الذين يساندوننا وقت الشدة و يقفوا إلى جوارنا و خلفنا، من الطبيعي أن يبحث الانسان عن سعادته و أن تكون السعادة من أهم أهدافه في الحياة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إذا كل منا بحث فقط عن الذي يسانده ويسعده والذي يحقق له سلام نفسي، لمن نترك المحبطين و المتشائمين و المتعثرين في الحياة؟..لمن نترك ذوي المشاكل و ضحايا الظلم و فاقدي الأمل؟ هل نتركهم لأحباطهم و فشلهم و يأسهم و ننطلق بعيداًعنهم في افاق السعادة المزعومة و التفائل الملطخ بأنانيتنا و إفراطنا في الاهتمام بذواتنا، نتركهم فريسة للوحدة و شعورهم بالغربة تجاه الأخرين ويفركل منا من شكواهم وحكاويهم التي تصدر طاقة سلبية، ندعهم و شأنهم و يأسهم لنهرب ونتقوقع داخل ذواتنا بحثا عن سعادة وهمية أقنعنا بها أطباء الطاقة و العلوم الحديثة ، بينما في الحقيقة أن التكاتف في الازمات و التعاون على حل المشكلات و المشاركة في الأحزان وقبل الافراح و التضامن مع المظلوم هم من سمات الإنسان الإجتماعي الطبيعي، أحياناً الانصات للمهموم يفرج همه و لو قليلاً، والحديث مع صاحب الكرب قد يخفف عنه، في الخارج يستعينون بأطباء و يدفعون لهم مقابل الإنصات، و هناك نوع من العلاج النفسي التكميلي و هو العلاج الجماعي، مجموعة من المرضى تتجمع و كل مريض يتحدث عما يدور بداخله من ألم وحزن وإحباط ،يعرض مشكلته وقد يكون هذا كافيا للخروج من أزمته، اذاً الحديث عن المشكلة قد يكون علاج و مجرد الإنصات يساعد و مشاركتنا احزان الأخرين وليس أفراحهم فقط هو من باب الانسانية، في الماضي كل صاحب هم أو مشكلة كان يهرع لجيرانه أو يلجأ لاصدقائه وهو على ثقة أن تفريغ شحنه الهم أوالغضب أوالحزن يكون بالإفضاء والحديث عنها، ومعلوم بالضرورة أن الدنيا لا تصفو دائماً فالذي يبحث عن السعادة اليوم و يفر من كل صاحب هم و كرب تحت مسمى الهروب من الطاقة السلبية بالتاكيد سيعاني كثيراً ليجد من ينصت إليه وقت الحاجة، و أخشى ما أخشاه أن يتم استخدام علم الطاقة بشكل يزيد من توحش و قسوة بني البشر، ويكون الهرب من الاخرين تحت مسمى البعد عن الطاقة السلبية هو حلقة من حلقات تفريغ الإنسان من إنسانيته و التوجه به لعزلة يفرضها هو على ذاته مخالفاً قوانين الطبيعة و النواميس الكونية و التعاليم الدينية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق