قراءات ودراسات

قراءة في رواية “الزّورق” للكاتب التونسي عبد المجيد الحاج قاسم

بقلم:  سهام حمودة*

من عادتي أن ٲكتب عن روايات أنا من اختار قراءتها ولكن هذه المرّة سأكتب عن رواية اقترحتها عليّ صديقة لي وٲستطيع القول أن اختيارها كان رائعا جدّا حتى أني قرّرت البحث عن نسخة من الرّواية لٲضمها للآلئ التي جمعتها حتىّ الآن وأودعتها مكتبتي.
“الزّورق” هو عنوان الرّواية التي سأحدّثكم عنها اليوم وهي تقع في 155 صفحة صدرت عن مطبعة التشفير الفني بصفاقس، للكاتب التّونسي عبد المجيد الحاج قاسم .
سأستهلّ هذه القراءة بالحديث عن الغلاف وعلاقته بالعنوان، ففي حالة النّص الأدبي لا يمكن أن تكون العلاقة بين الغلاف والعنوان اعتباطية فلقد حرص الأدباء دائما على اختيار غلاف و عنوان لعملهم الأدبي يكون دالاّ على المحتوى أو مشيرا إلى زمان أو مكان أو حقبة تاريخية بعينها أو شخصية ما .ونستطيع الجزم أن عبد المجيد الحاج قاسم لم يحد عن هذا العُرْف الأدبي فغلاف الرّواية لا يتماهي وحسب مع العنوان ولكن أيضا مع المعاني التي يضجّ بها الكتاب فلقد اجتمع كلّ من اللّون الأزرق الفاتح و اللّون الأزرق الغامق واللّون الأبيض في الغلاف ليخلقوا صورة المحيط الشّاسع وقد شقّه خيط ٲبيض لزورق كان هاهنا .
و تمثّل هذه الألوان أيضا انعكاسا لبطل الرّواية «عزيز” إذ يدلّ اللّون الأزرق الغامق على الثقة، والكرامة، والذكاء و يدلّ اللون الأزرق الفاتح على النظافة، والقوة، ورباطة الجأش بينما يرمز اللون الأبيض إلى البراءة و الطّهارة وهي قيم جُبِل عليها “عزيز “، فرواية” الزورق” قصّة شاب يافع عٙبٙر بسفينته محيط الحياة بسلام بفضل تلك الخصال رغم الحوريات اللاّتي جاهدن لإغوائه و إغراق سفينته في الظّلمة.
نلاحظ أن معظم الشّخصيات في رواية الزورق مثقّفة فمنهم ” المعلم و الأستاذ و ذا الوظيف المرموق ” و جُلّها شخصيات مساعدة لعزيز مثل جابر وابنته رجاء اللذان اهتما به بعد خروجه من المستشفى حتى استعاد عافيته . و في المقابل نجد الشّخصيات المعرقلة التي أُحبّ تسميتها بالشّخصيات المظلمة لجهلها وشرّها كشخصيتي” الجيلاني” و “محجوبة ” امرأة ٲحمد .

وتنطلق شرارة أحداث هذه الرواية في منزل ٲحمد الشّقيق الوحيد لعزيز الذي اتهمته زوجة أخيه بالفجور بعد أن وجدته نائما بجانب أختها لطيفة . و بسبب تلك الخطيئة « المصطنعة « أُلقي به إلى الشّارع و انقطع عن الدراسة رغم انه كان نجيبا محبّا للعلم ليعمل كبحّار في مركب للصيد كما اعتزل الناس لا يسلوه في وحدته إلا مسعود الذي نبذته عائلته هو أيضا لإعاقته .
وتجدر الإشارة إلى ٲنه إلى جانب الشّخصيات المساعدة في حياة عزيز، لعب عاملان آخران في بلورة قدره و هما الكتب و البحر . فقد كانت المطالعة بالنسبة إليه “ملجأ” فٙزِع إليه في شدة من الشدائد و “فرجة و تسلية من خلالهما تأتي المعرفة والثقافة أمّا للبحر فكان يبث شكواه ” دون أن يدعوه إلى الكتمان ولا ترجاه أو أحسن إليه أو تملقه.”فلا غرو أن عزيزا كان ذا طلعة مهيبة يملك عذوبة في منطقه و براعة في حديثه .
أمّا الأمكنة و الأزمنة في الرواية فهي متعددة وهي ليست مجرد ٲطر من الأحداث لما تحمله من أبعاد رمزية لهذا يمكن القول أن هناك ثلاث أماكن رئيسة في الرواية كان لها وقع كبير على تشكّل شخصية البطل وهذه الأماكن هي بيت ٲحمد و المقهى و الزورق .وتجدر الإشارة هنا إلى أن “عزيز” أيضا قد ٲحدث تغييرا جذريا في تلك الأماكن و الشخصيات فيها . فيحيلنا بيت ٲحمد على الجنة التي طرد منها آدم بسبب خطيئته ليضرب في الأرض وحيدا باحثا عن زوجته حواء.صحيح ٲنه لا يمكن وصف ذلك البيت بالجنّة لما عاناه عزيز من زوجة أخيه التي تفننت في إذلاله و تعذيبه حتى أنها جعلته ينام في مقصورة باردة في فناء المنزل في فصل الشتاء ولم تتوانى أبدا عن طرده عندما سنحت لها الفرصة في فعل ذلك ولكن نبذ عائلته له بسبب خطيئته كان قادحا لأحداث الرواية فنموّه كشخصية وإنسان كما كان أكل ادم للتفاحة من الشجرة المحرمة و هبوطه إلى الأرض بداية للخلق . أما في المقهى فالتقى عزيز بمخلّصه جابر الذي كان سببا في استعادة ثقته بالناس و خلاصه من عقدة ذنب لم يرتكبه ومساعدا له في العثور على حبّ حياته، رجاء، ففي بيت جابر وجد الأمان و الحب ولا غرو أن الكاتب اختار لهذا الرجل الخمسينيّ من الأسماء جابر فلقد كان لعزيز الصّديق والأب بينما تحوّل الزورق إلى ” قلعته الحصينة ” و ” حماه الأمن ” بعد أن كان يفكر في الهرب منه .و إن تمعنا جيّدا في الأحداث التي كانت تدور على متنه فسنكتشف أن للزورق دلالات شتى . بدا لي الزورق كقارب نوح الذي نجا به و قومه المؤمنين من الطوفان ففي تلك المرحلة من حياة عزيز، أي بعد أن نبذه أهله ، مثّل له الزورق طوق نجاة من ظلم زوجة أخيه و الفضيحة و تجني البشر المتجسّد في الجيلاني الذي ما فتئ يبتزه لكي لا يفشي سرّه .كما يذكّرنا عزيز ذلك الشاب البريء الطّيب وسط مجون و جلافة البحارة بالنبي الذي أرسله الله لقومه لهدايتهم ولقد نجح عزيز في تبليغ رسالته يحدوه في ذلك إيمانه أن ” الوضع الذي لاحظت يمكن أن يتغير لو تعهده عزم على التغيير و إيمان بإمكان التغيير ” و بفضل إصراره و حكمته و حسن خلقه “ارتقى المستوى الفكري و الأخلاقي في الزورق …و أصبحت القرارات و المشاركات تصدر عن روية و تريث…والردود أصبحت عاقلة متزنة …فاتسمت المعاملات بالاحترام و الإيثار و ضع الأمور مواضعها.” حتى ذاع صيت زورق السيد يوسف وضربت به الأمثال في العمل المثمر و الإنتاج المشرّف .
أمّا السرد فقد استخدم عبد المجيد الحاج قاسم أسلوب الاسترجاع إذ لم تُقدّم الأحداث مرتبة زمنيا ولقد ساعد الحوار الذي دار بين عزيز و جابر في الكشف عن تفاصيل حدثت في بداية قصة عزيز و أخفاها عنا الراوي وهو ما جعل روّاد المقهى و القارئ يشعرون بالحيرة التي ترجمتها عبارات مثل ” وراءه سر غامض بعض الشيء ،شخصيته المحيرة .” فعمّق ذلك عنصر التشويق في الرّواية وحوّل فعل القراءة إلى متعة حقيقية.
ويبدو أن الكاتب توسّل بالحوار ليس فقط للكشف عما يجول بخاطر الشخصيات و ما يعتلج بصدورهم بل و أيضا للتعبير عن أفكاره هو فلقد أماط عبد المجيد الحاج قاسم من خلال الحوار الذي دار بين رواد القهوة و الحوار بين عزيز و رجاء اللّثام عن المشاكل الاجتماعية المتفشية في عصرنا هذا مثل تتبع عورات الناس وإراقة ماء الوجه لبلوغ المراد و الفقر و اليتم والآثار النفسية و الاجتماعية للعنوسة على المرأة الغير متعلمة إلى جانب وضع البحارة المتردّي.
ولئن كانت رواية الزورق رواية اجتماعية فهي تزخر بأسئلة وجودية مثل الخير و الشرّ و الحياة و الموت و القدر. حتى أن عزيز بدا بطلا وجوديا بامتياز فهو يخوض تجارب عديدة ويتصدى الصّعاب ليجد معنى حياته و حٙيوات مرتبطة بحياته فقد أصبح ذلك الولد الفقير المنبوذ “المنكوب ” شابا ينثر بذور الحياة أينما حلّ فتكفّل برعاية عائلة أخيه الصغيرة بعد موته . كما منح مسعود و لطيفة أملا بالحياة بتزويجهما إلى جانب تأثيره المثمر والدائم على حياة البحّارة .
وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول أن الزورق رواية جميلة بحقّ تضوع منها جمال روح بطلها فاللغة جميلة لا تكلّف فيها والأحداث سلسلة ومنسابة لا ثغرات فيها ينتقل القارئ من صفحة إلى صفحة بسلاسة تنتهي رحلته فيها بانطلاق عزيز بسفينته في البحر معلنا انتصاره على محجوبة التي مثلت الحياة الغادرة اللعوب ،ذلك البحر الذي تماهى معه طول الرواية لما يتسم به كل منهما من عظمة و غموض وسحر .

*أديبة ومترجمة وأكاديمية تونسية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “قراءة في رواية “الزّورق” للكاتب التونسي عبد المجيد الحاج قاسم”

  1. أتمنى عليك قراءة رواية الغرف الأخرى فقد أعجبني تصويرك للقصة و تشبيهها بقصص أخرى من الواقع و شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق