قراءات ودراسات

جماليات الأسطورة والرمز في الشعر العربي الحديث

عقيلة مراجي

تمثل الأسطورة عند الشعراء الحداثيين منحى تجريبيا في بناء القصيدة المعاصرة، لما تغتني به هذه الأخيرة من قيم جمالية ودلالية ..فالأسطورة هي تراث الحضارات السابقة وشيء من تاريخهم…يحمل تجاربهم ورؤيتهم للحياة وخبراتهم..واعتقاداتهم وأحلامهم..وبذلك فإن إقبال الشاعر عليها هو إعادة قراءة للتاريخ من منظور الواقع..ومعالجة الواقع استعانة بأحداث تارخية بأسلوب فني جمالي إيحائي..إذ ليس توظيف الأسطورة في الشعر الحديث هو إدخالها كعنصر خارجي في البناء الكلي للقصيدة وإقحامها فيه قصد غاية جمالية محضة..بل توظيفها توظيفا فنيا يجعلها جزءا حيويا منها حتى تتلاحم مع كل عناصر وأنساق النص ..بما يجعلها تجود بفيض دلالي وزخم معرفي وقيم جمالية تغني عن آلاف السطور والكلمات، ولما كانت القصيدة المعاصرة تنحو منحى الاقتصاد اللغوي تماشيا مع أعباء العصر وأحواله فإن الاستعاضة بالرمز تقزيما للنص وتكثيفا للمعاني..وهو ما يرمي إليه الشاعر المعاصر… وقد أحببت في هذا المقال أن أشير إلى بعض آليات التوظيف الفني للأسطورة في الشعر العربي ..ولكن قبل ذلك أرى من الضرورة الوقوف مع دلالة المصطلح ..حتى يتضح للقارئ أن يدرك ما يأتي بعدها..

1– تعريف الأسطورة:
إن الأسطورة هي حكاية مقدسة ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان>>(1) ولما كانت الأسطورة حكاية فإنه من الطبيعي أن تتوافر على عناصر السرد المعروفة(المكان الزمان –وإن كانا مجهولين- الشخصيات، الحبكة…..إلخ) وقد تتداخل الأسطورة مع الخرافة والقصص التراثية مجهولة المؤلف التي يتبادلها العجائز ويروونها للأحفاد لغاية سامية<<فإن الحدود بين الخرافة والأسطورة ليست دائما على ما نشتهي من الوضوح، وقد يشبه بعض الخرافات الأساطير في الشكل والمضمون إلى درجة تثير الالتباس والحيرة، فلا نستطيع التمييز بينهما إلا باستخدام المعيار الرئيسي الحاسم الذي (أوردناه) في تعريفنا للأسطورة، وهو معيار القداسة>>(2) فالأسطورة تتمتع بقداسة في الثقافة التي أنتجتها وشخصياتها عادة من الآلهة أو أنصافها…وهي بديل العلم في الأزمنة الغابرة لولا فقدان التفسيرات المنطقية العلمية للأحداث التي تعرضها والأفكار التي تطرحها…وهذه القداسة هي التي تضع الحد الفاصل بينها وبين كل الأنماط الحكائية الأخرى التي تتداخل معها كالخرافة والحكايات الشعبية التي تتناقلها الأجيال…

2- التوظيف الفني للأسطورة:
يحتاج الشاعر دائما لتأثيث نصه بالرموز المختلفة والأساطير ليوغل في أعماق النفس والكون ويسري بالقارئ إلى دلالات النص بطريقة تجعله يؤمن بالتجربة ولا يكتفي بتفسيرها… <<أضف إلى ذلك أن توظيف الشّاعر المعاصر للتّراث يضفي على عمله الإبداعي “عراقه وأصالة ويمثّل نوعا من امتداد الماضي في الحاضر وتغلغل الحاضر بجذوره في تربة الماضي الخصبة، كما أنّه يمنح الرؤية الشعرية نوعا من الشمول والكلية>> (3)ويؤكد كولريدج أنه كثيرا ما تكون هناك فكرة في أسمى معنى لهذه الكلمة، عصية على التوصيل إلا بطريق الرمز، ويصر تلش على أن الرمز لا يظهر أبعادا وعناصر للحقيقة تظل من نواحي أخرى عصية على التناول فحسب، بل يفتح أيضا أبعادا وعناصر من أنفسنا تماثل أبعادا وعناصر للحقيقة( 4) ويرى النقاد أن حضور الأسطورة في النص يتطلب تكتيكا فنيا ومهارة من قبل الشاعر وأن الأمر يشبه أن يختار الشخص مكان الشمعة من الغرفة المظلمة..فقد يضعها في مكان فتضيئ زاوية وقد يموضعها في مكان غيره فتضيء الغرفة كلها
كذلك يميز (إرك كهلر) بين الرمزية النازلة والصاعدة، الرمزية النازلة هي كل رمزية يفك فيها التمثيل الرمزي نفسه، وينحدر إلينا، من حقيقة سابقة وعليا، حقيقة محددة، ومن ثم فائقة، لمعناها الرمزي، أعني أن الأعمال الأسطورية والدينية حقيقة لا يراد منها أن تكون تمثيلا رمزيا، بل يراد منها أن تصف الحوادث الحقيقية. وأنه نحن الدين، وهذا نتيجة منطقية، نشتق المعنى الرمزي منها>>(5) وهي هنا تشبه ما يقوم به الأجداد من حكايات قصد التنبيه إلى مغزى مضمن في الحكاية ذاتها دون تغيير في متن الحكاية أو إدراجها في عنصر غير هذا السياق…فإنما أريدت لذاتها…أو مانجده في القرآن الكريم من إيراد قصص الأنبياء والأمم السابقة لتكون لنا عبرة، <<ومن جهة أخرى، فإن الرمزية الصاعدة هي خلق جديد تماما، ينبثق من الخيال الفني، وليس ههنا مادة خارجية موجودة من قبل تقدم إلى الفنان، فلا تعود النماذج الدينية توجهه، وهو حر في أن يوجد الصور التي تتضمن شيئا إنسانيا عادة، على الرغم من كونها فذة، أشكلا مفردة. ويبلغ الرمز في مثل هذه الأعمال مرحلة التمثيل الكامل>>(6)
وإن كان كولريدج ي خالفه الرأي ويرى أن الرمز دائما يفصح عن معناه، إذ يرى أن الفرق بين المجازي والاستعاري الصرف وبين الرمزي أن الرمز “ينضح دائما بالحقيقة التي يقدمها واضحة (7) أما أنا شخصيا فأميل لرأي الأول ففي كل رمز طاقة على الشاعر فقط أن يكتشف كيف يفجرها في النص لأنها لا تنفجر من تلقاء نفسها…
3- آليات توظيف الأسطورة في النص الشعري وجمالياتها:
وسأعرض هنا للقارئ أبرز الآليات التي يوظف بها الشاعر الأسطورة في القصيدة بما يضفي عليها العمق الفني، و<<يجدر الإشارة هنا، إلى ما قاله بيير برونيل واضع المنهج الأسطوري (وضعه سنة 1992، ولهذا يعد من أحدث المناهج النقدية التي تلامس النصوص الأدبية ذات الانزياحات الأسطورية) (….) فزخم تلك التقاليد ليس المبرر الوحيد فقط لاهتمام مؤرخي الأدب، بل يسمح أيضا بالبحث الواسع حول حضور الأساطير في النص الأدبي وتلك التعديلات التي تضيفها عليه، وحول الضوء الساطع المشع الذي تكسبه إياه (…) فاليوم أعتبر تجلي، مطاوعة، وإشعاع الأساطير في النص كظواهر دائمة معينة وكأنها فعل ثابت لا يمكن تجاوزه من خلالها يصبح العنصر الأسطوري حجر الزاوية في النص>>(8) ومن هذه الآليات:

قلب الأسطورة:
قلب الأسطورة: هو تصرف الشاعر في مضامينها إذ يتم تغيير المواقف لتعطي دلالة مغايرة. وبذلك يعطي للرمز صيغة جديدة تختلف عن الصيغة القديمة في دلالاتها وسياقها لا في تركيبها وبنائها، ذلك أنه يبقى في إطارها الميتولوجي لا يخرج عنه ولا ينافيه ليكون موضوع التجربة الشعرية متفقا مع الرمز المتحول والمتغير فيعطي هذا التحول والتغيير للأسطورة صورة تختلف عن الأصلية، لتبدو ذات ملمح جديد>> (9) وهنا يكتسي النص الأسطوري قيمة مغايرة للقيمة الأصلية مع احتفاظها بالطابع العام للحكاية حسب رؤية الشاعر وهي أكثر فنية من الناحية الجمالية..
– التناص: عندما يبني النص من خلال توظيف نصوص أخرى في بنيته بغية انتاج جديد…
– الصور البلاغية: وهي التقنية الأكثر شيوعا –في الشعر خصوصا – وذلك من خلال مختلف التقنيات البلاغية من كناية واستعارة وتشبيه وغيرها تماشيا مع طبيعة الأدب الإنشائية الغنائية ومع طبيعته الرمزية الأسطورية.
– الخلفية الأسطورية: حيث لا يعمد الشاعر إلى توظيف عنصر صريح وإنما الارتكاز على عملية معينة، فيحدث تقارب بين صور تتعلق بأسطورة معينة فيظهر النص ببعدين أحدهما فني مباشر وآخر غير مباشر يمثل الخلفية الأسطورية
– البناء الفني: ويشبه إلى حد ما بناء النص الأسطوري حيث يبني الكاتب نصه على بناء الأسطورة ويصوغه فيها ومن ذلك يوحي ذلك الإبداع الفني على الأسطورة مباشرة(10)

وأيا يكن فإن استيعاب النص الأسطوري لرؤية الشاعر يعتمد على قدرته على استيعاب قدر ممكن من الانزياحات الأسطورية، أي أن تخضع الأسطورة الأصلية <>لتعديل يجربه الشاعر أو الأديب حتى يلائم بينها وبين موقفه ونظرته. ولو كانت مجتمعات اليوم كمجتمعات الأمس البعيد لما كان ثمة حاجة إلى إجراء التعديل الذي يزيح الأسطورة عن أساسها وهيكلها الأولي. فنظرة الشاعر في مجتمعاتنا مضطرة أن تضع في حسابها كثيرا من المستجدات كروح العصر وظهور مخترعات حضارية ونشوء علاقات جديدة بين الطبقات الاجتماعية وتغير في الاتجاه السياسي العام، وقيام أنظمة وسقوط أنظمة…أشياء وأشياء تجبر الشاعر على استخدام الأسطورة الأولية استخداما جديدا، كالمفاهيم والقيم الأخلاقية والطموحات الفكرية>> (11)
ويبقى توظيف الأسطورة فعلا تجريبا في تشكيل النصوص الحديثة..ومعيار توفيقه في ذلك أن يستطيع الشاعر تفجير الدلالات التي استعار النص الأسطوري لأجلها مهما كان الصورة أو الآلية التي يستحضر بها هذا التراث.

الهوامش:
(1) فراس السواح، الأسطورة والمعنى، دراسات في الميثولوجيا والديانات الشرقية، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، ط2، 2001، ص14
(2) نفسه، ص15
(3) فريدة سويزف، توظيف التراث في شعر عبد الصبور، عود الند مجلة ثقافية فصلية، الناشر د، عادل الهواري، الجزائر، ع9، 2018
(4) روبرت بارث اليسوعي، الخيال الرمزي عند كولريدج والتقليد الرومانسي، ترجمة عيسى العاكوب، دار الكتب الوطنية، بنغازي، دط، 1992، ص27
(5) نفسه، الصفحة 20
(6) نفسه، ص 20
(7) نفسه ص 16
(8) هجيرة لعور (بنت عمار)، الغفران في ضوء النقد الأسطوري، سلسلة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ط1، 2000، ص33
(9) فريدة سويزيف، توظيف التراث في شعر عبد الصبور
(10) هجيرة لعور (بنت عمار)، الغفران في ضوء النقد الأسطوري، ص35، وللتوسع يرجى مراجعة الصفحات 34/35/36/من المؤلف نفسه
(11) حنا عبود، النظرية الأدبية والنقد الأسطوري، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دط، 1999، ص152

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق