ثقافة السرد

الأدب متروك للرجال

بقلم : الحسن بنمونة

إذا تفحصنا سجلات النساء الكاتبات أو الشاعرات وجدنا قلة منهن من صمدن وآثرن العزلة بعيدا عن سجون الرجال ومقصوراتهم المخملية ، بعيدا عن عالم هارون الرشيد والهارونات الأخرى التي حباها الله بالفرح الدائم . فمن من النساء الكاتبات من لا تتوق إلى نشر كل تخريفاتها وثرثرتها وأحلامها الغبية ؟ . حتى الرجال يعجبهم أن ينشروا احلامهم المتصابية في سطوح عارية . هكذا هو حال الأدباء والأديبات الذين يرغبون في إثراء أدبنا الرديء .كل طرف يكيد للآخر . يود لو يقتله حتى يخلو له المكان . الأدب مكايد ومصايد وحفر وإيقاع بالآخر وقتل وحلبة ملاكمة . لا تكاد كاتبة تصل هرم الشهرة حتى نقول ساخرين : وراءها رجل كد وتعب لتنعم بالراحة والسكينة ، لتكتب آمنة مطمئنة… لأن الكتاب الرجال يسكرون ساعتها في الحانات أو في البيوت  الأدبية لأنهم أرجأوا عملية الكتابة إلى الغد ،حتى يصفو الجو الملبد بالغيوم ، وينقشع الضباب . وهذا الغد يأتي بعد ألف سنة . الرجال نائمون فطوبى للنساء الكاتبات ، لقد ركبوا القطارات السريعة فجالوا في الآفاق الشاسعة للأدب . الأدب متروك للنساء البريئات . أولائك الرجال كتبوا أعظم الأعمال ، أما النساء فقد كن رهن إشارتهم وأوامرهم ، يقمن بأعمال النسخ  على أوراق البردي أو جلد الغزال أو الآلات الكاتبة والحواسيب . عملن بجد وتفان على أن ينعم الرجال بالسكينة حتى يتدفق الإلهام من آذانهم وعيونهم ومعداتهم ، حتى يرتوي نسغ الأرض وينهل من أفكارهم الجهنمية . ولهذا كان أكثر العظماء مجانين سعوا إلى تدمير أنفسهم والعالم وحرق المدن والدول ، أما النساء فكن يقمن بأعمال الخياطة وغسل الأواني وصنع الأكلات المرغبة في الجنس وتربية الدواجن والإنجاب . كن يثقلن كاهل الأرض بأطفال أغبياء هم الآن منشغلون بالتمارين المدرسية أو البحث عن عمل وقرع أبواب الحكومات المتعاقبة وإزعاج المسؤولين الرجال الذين يجدون ويكدون لإطعامنا جميعا بالموت الزؤام . إنهن ينجبن أجيالا لا تفقه شيئا في باب التسيير الجماعي للتحالفات الدولية ، أو في باب البحث والتنقيب عن الذهب الأسود . هي أجيال خاوية أو جذوع بلا أغصان . هياكل عظمية تصلح لأن تكون حطبا لنار يتدفأ بها الرجال الكتاب الذين يكتبون عن الأزمات والقضايا الشائكة. الكتاب الرجال قوامون على النساء الكاتبات . إن نشرنا كتيبا لكاتبة وجب علينا إن ننشر مائة كتاب للرجل .فهل يمكن للنساء أن يجدن الحياة رائعة بدون رجل؟ هذا الثور الذي يكتب عن فحولته التي تسخر منها النساء المتوحشات . لم يعد قادرا على إفحام امرأة واحدة . يتباكى في الندوات والمحافل الثقافية على العهد الذي صال فيه وجال بدون رقابة نسوية .النساء الآن أفقدن الحياة عذوبتها ومعناها ، لأنهن جعلن منها ورقة تلعب بها الرياح . أجل ،” الرجال يتحملون عناء ملء الجيوب أو إعلان الحروب ، وفي أحسن الأحوال يملون الرسائل على كاتباتهم . الأدب متروك للرجل شئنا أم أبينا “. يحدث هذا عندما تريد المرأة الكيد للرجل ؛ لتوقع به أو تضحك عليه ، فتجعل منه قشة على ظهر حمار أجرب . تتصنع الأدب لتقضي مآربها وأغراضها الشخصية . ولهذا لا عيب في أنها صارت تحتل المواقع الإيجابية في الدول الديموقراطية ، وبلادنا واحدة منها شئنا أم أبينا .ولا عيب في أن إعلانات خوض الحروب تكتبها النساء . ولنضف إلى ذلك الأغاني التي ترغب الرجال في النساء ، مع العلم أن الرجل هو الكاتب والمخرج والمتنج والمصور …الأدب متروك _ أيها النساء _ للرجل ، للتنفيس عن نكباته التي تأتيه عادة من غيرة النساء المحبات للحلي والماس والذهب والشهرة ، وهذا الحب يأتيهن من قراءة أدب الرجل البغيض.

انظروا مثلا إلى هذه الشاعرة التي قالت :

( أنا مثل ريشة دجاجة

في يد حبيبي)

لقد طالعنا وجهها في التلفاز الذي يديره الرجال. تحدث عن ريشة دجاجتها رجال أحاطوا بها من كل جانب ، حتى إنها أثارت حفيظة أمي التي علقت قائلة: أما كان عليها أن تنشغل بصنع غذاء شهي لزوجها ؟ وأنا أضيف بنبرة المتصابي : لو لم تشبة نفسها بريشة الدجاجة ، لو شبهتها بأظفار المنية أو لبوءة لأثارت الرعب في أدبنا نحن الرجال ، حتى تكون قارئة جيدة لأعمال الرجل الذي ينبغي لنا نحن الأدباء فصل رأسه عن بدنه .


هامش

_ ينظر في ” النساء يكتبن أحسن ” . ترجمة محمد صوف

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق