ثقافة السرد

الدليل غير السياحي لروما

نجوى بن شتوان*

سيارة الإسعاف لا تتوقف عن الصياح والسير عكس الاتجاه، أحد ما موجود دائما في روما في حال حرجة، رغم أن الناس هنا لا يموتون قبل أن تظهر لهم كرة ما بين الكتفين ويصبح رفع الرأس عن الأرض محاولة تصابي.

كاتسو، سيارة الإسعاف بحكم التعود لو مشت في الاتجاه الاعتيادي سترتكب حادثاً بشعاً تصبح به هي نفسها في حالة حرجة وبحاجة لمن يصيح من اجلها ويسير دائما عكس الاتجاه. كاتسو كل الطرق في سيارة اسعاف حتماً ستؤدي إلي روما.

هذه هي روما، الفتاة التي يتغير طولها وحقيبتها فقط في المحطة، وتتكلم دائما في الهاتف بصوت مرتفع وتضع النظارة الشمسية عندما لا توجد شمس لأنها تريد أن تُرِى النظارة ليس لأنها لا تريد أن ترى أحد.، لا تختلف في المحطات والطرقات إلا من حيث الطول والحقيبة ونوع النقال، وعدد المرات التي تقول فيها كاتسو، أما سروالها الضيق فمثل علم ايطاليا يُغيرُ ولا يتغير، وحذائها المنحدر من عائلة الدكتور مارتينز، شهادة دكتوراه فخرية يحملها الجميع تقريباً هذه الأيام في أرجلهم، كاتسو، بما هم أفضل منها.

هذه هي روما الترافكو المستمر، الدليل على أن كل الطرق في روما بصعوبة تؤدي إلى روما، الدليل على أن الجميع يذهبون للعمل والدراسة، والإعلان المستتر للصوص أن البيوت خالية لتسرقوها، فلا داعي للتقيد بتراث السرقة في الظلام كما كان الأجداد يفعلون، يضيعون عبثاً نصف يومهم في انتظار حلول الظلام..

هذه هي روما، العجائز المسنات في الصباح، يصحبن عربات تسوقهن ويمشين على مهل، المشي جيد للصحة إذا كان لا يسد الطريق والتسوق في محلات البقالة في الصباح عقوبة لأن العجائز في إيطاليا لا يمتن وإنما يذهبن للسوق ويصنعن الطوابير، وإذا سقط من إحداهن سنت على الأرض فإن الأرض ستدور بالسنت حولل روما مرة ونصف قبل أن تجده وتفك الاختناق الحاصل عند الكاسا وتمضي مصحوبة ببركة الرب الذي جعلها تلتقط السنت من فوق سطح يدور.

هذه روما رائحة القهوة في الصباح أجمل من شربها والكابتشينو بقبعته المنجلية والكورنيتو، بقرنيه الحادين، رفاق رحلة تنتهي بهم من حسبان الآكلين عند الواحدة، لتخلو البارات والمقاهي للقهوة، سيدة الجلسة والوقوف. ولينفجر في ايطاليا بركان من الباستا تصل حلله لكل الأصقاع الايطالية.

هذه هي روما بعدد سكانها الكبير وما يرافقهم من كلاب لا يدخلوا في تعداد السكان رغم أنهم جزء من العائلة، فالعائلة في إيطاليا تتكلم والكلب ينبح، وهذا سبب وجود لغتين رسميتين للبلاد، بعد اللاتينية.

هذه روما الباص 75 في مونتي فيردي المشهور بأنه يتأخر دون أن يتوصل أحد لمعرفة السبب والترام مابين تراستيفري وبياتصا فينسيسا الذي لا يتأخر ولا يعرف أحد ما السبب أيضاً.

هذه روما الباص 710 أول من يشهد على وحشية البشر تجاه ماهو غير بشري، عضته أسنان مختلفة وتركته حديداً على إسفنج، لم يستحم منذ ستة أعوام كبيسة وفي مؤخرته حشرجة إذا لم تخرج لا يسير، ويشبه سقفه سقف مسلخة أعدت للراكبين وقوفاً.

ليس كاتسو أن تعتقد أنه وصل روما تائهاً من عالم قديم وأن آيتاك إيطاليا غفلت عن دفنه بعد موته، فبعثته الحاجة.

هذه هي روما الكامبو دي فيوري وفيا دي كوروس، مسار من اتفاق الماركات على جيب السائح والمقيم، اصطياد للنقود باسم الماركة التي يسبح باسمها الباحثين عن فارق تصنعه لذواتهم المجهولة أسماءٌ معلومة، وبينهما بائع الكستناء الطازجة وعازف الأكورديون الغجري وبائع الهدايا التذكارية يعدون بطرق مختلفة عدد المارة، ويتفقون على الظن بأن لو اشترى كل واحد منهم حبه كستناء واحدة فقط بنصف يورو فسوف أصبح آخر النهار ثرياً.

لو أن كل واحد منهم التفت لمعزوفتي ورمى سنت في القبعة الملقاة تحت قدمي، فلسوف اعزف في الأوبرا بعد عام أمام البابا، لو أن كل واحد منهم اشترى قلادة أو تمثال للذكرى لما نسى أحدهم الأخر، وتوقفت الأيام العالمية عن أن يكون فيها يوم عالمي للحب ويوم عالمي للصداقة، ويوم عالمي ونصف لمرض الزهايمر.

هذه هي روما البرلمانتو القريب من الشارع بحراسه القلائل، البعيد جدا عن الشعب والشارع، حكومة الكاتسو التي لا تكلف نفسها عناء السؤال عن رزقها كيف يأتيها مثل بائع الكستناء أو العازف الغجري، فهي لا تقتعد الرصيف مثلهم، تتكلم من مبانيها العالية في راديو البرلمان مستخدمه يومياً كل ما في معجم اللغة من كلمات عدا كلمة سطو، تأخذ ما في جيب بائع الكستناء والعازف وبائع الهدايا والماركات دون أن تعد المارة مثلهم وتوجع رأسها بالدعاية وتشوه سمعتها بالرصيف أو تنطق كلمة سطو.

هذه هي روما شجرها العريق يجهض كل أوراقه في الخريف فيدوسها الناس فيه، متجنبين جذوعها على مدار العام، كدورات مياه للكلاب المنزلية.

هذه هي روما التي تدفعك للادعاء بأنك تتنفس هواءً نظيفا، وهي لا تنظف أبداً رغم جيش من عربات قمامة مكتوب عليها اسم شركة مشتق من الحب، حب يذهب وحب يأتي مع رائحة القمامة وحب يبقي في مكانة أسبوعين وحب تذهب به الريح ويجرفه المطر وحب تخصص له الدولة كناس ومقشة لينقشع، ألعن الحب الذي وصل في نهايته إلى أن يكون شركة قمامة، وارجع لروما القديمة الإمبراطور وساحات المصارعة والجدل، أشياء كلها لم تشوه الحب أبداً، لأنها لم تقترب منه، وهكذا أنسى القمامة المكدسة في شوارع ما قبل التاريخ بالتاريخ !

هذه هي روما التفت فيها إلى كل اتجاه لأنسي اتجاه حنيني، وأسمع دقات قلبي كرنة الموبايل في قعر الحقيبة، ما أن انتبه له يصمت، وأكذب على صوت أمي الذي لا يصل من البعيد بأنني بخير، ويكذب الرجل الذي بقربي منتظراً الباص، على زوجته وأولاده في مصر أم الدنيا، ويكذب الآخر على أخرى ولا يتوقف الرصيف عن الكذب بجميع اللغات حتى يتحول كله إلى الباص وتختفي التغطية وتتعرى الدنيا ويعض أحدهم الباص.

هذه هي روما التي تضيء أكثر بأعياد الميلاد فيما تغرق ليبيا مرضعتها بالطاقة، منذ الميلاد في ظلام سحيق، ولا تكذب فيها الفاتورة سنتا عندما تأتي كالقضاء والقدر، لتذكرني بأن النفط وسخ ليبيا بما أن النقود هي وسخ الدنيا.

هذه هي روما التي تبيع فيها نافورة، الحظ والفأل السعيد لقليلي الحظ، وتحرس الشرطة عملية البيع طيلة الوقت خوفاً من أن يسرق النافورة أحد ما غير حكومي.

هذه هي روما التي تستبدل كورنيتو الصباح ببيتزا الحطب في المساء وكاسات البيره وتنسى أزمتها الاقتصادية وتعبر على كثير من الثرثرة والضحكات إلى يوم أخر سيأخذ حصته من السب والكاتسو. كاتسو!

هذه هي روما التي آخر من يسكت فيها ليس راي أونو أو راي دوي أو راي تري، إنما رئيس الوزراء، وأول من يتكلم فيها ليس الديك، إنما رئيس الوزارء.

هذه هي روما التي تدق رأسها أجراس الكنائس ويعيش فيها البابا كإله وإن خففت الميديا من تواضعه وقالت إنه يخرج للناس في القداس وسيزور الشرق الأوسط، وينتشر منها السلام والقديسين انتشار مروع حتى تحمل كل الشوارع والمحطات والمراكز أسماءهم، ومن ثم لا يحتاجهم الزواج لتفقيص الأجداد والآباء والأمهات والأحفاد. وهم لا يحتاجونه لذرية تخلدهم أو ترعاهم في الكبر، الذرية يحتاجها المهاجر الذي تحمل زوجته طفل على ذراعها وأخر في بطنها وثلاثة يشدون بطرف ردائها، مثل هذا هو من يحتاج حقا الخلود في الجحيم، فلعن الظلام أسهل عليه من إيقاد شمعة.

كاتسو!

هذه هي روما التي يفتح فيها الفاتيكان ذراعيه على شكل حضن للبشرية فيما الدخول إليه بتذكرة وصعود سطحه فقط بخمسة يورو ومتحفه الذي يرقد فيه فراعنه لم يلعنوا من سرقهم أثناء موتهم، يتاح مجاناً للجمهور يوم واحد في السنة كي يروا فرعونا أخر غير فرعونهم المعاصر ويحمدوا الرب علي عطاياه، فيغيب الجمهور في طابور المتحف الطويل وتحضر جمهورية الصين الشعبية.

كاتسو لجمهورية كوريا التي يليق بها رؤية الفرعون وتسريحته، ضاع منها نصف عمرها إذ فاتها هذا اليوم.

هذه هي روما الشاب والفتاة الذي كالتي، لا يستحم ولا تستحم يومياُ، كيلا يستهلك سخان الماء كهرباء والسشوار أيضا، ولا تغسل ثيابها إلا عدة مرات في السنة كيلا تفقد جدتها، وتحملك عبء التوفير في الباص والمترو وفي غياهب شتى، كاتسو للعلم الذي لم يخترع حتى الآن سخانات وغسالات تعمل بالنظرات إو الكاتسو من أجل الشباب.

هذه هي روما التي تجري فيها آلاف الموتوسيكلات مثل النمل و تجري فيها الأحاديث مثل الموتوسيكلات والنمل، فلا تبقي سر ولا تذر، وينتشر فيها الكلام سريعا مثل الملابس على حبال الغسيل في الصباح الباكر، ومن خلفه وجوه الناشرين والناشرات، فلا مجال فيها من بعد لوقع شيء اسمه الفضيحة.

هذه هي روما، قديمها أفضل من جديدها وماضيها أكثر وجاهه من حاضرها والزائر لها ليس كالمقيم، وأنا فيها مثل موسيقي عزفها نيرون، غريبة في غير آوانها، موسيقى لأجل الموسيقى والحزن والآسف، الكل تحدث عن الحريق وعن نيرون وما من أحد التفت إليها، حتى ولا تاريخ الفن في بلاد عصر النهضة !

كاتسو.

لا تخرج قبل أن تقول كي كاڤلو، أو تساعد السنت في الوصول إلى السيدة الجاثمة علي ركبتيها هناك!

*روائية وقاصة من ليبيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق