قراءات ودراسات

تاريخ الأضاحي والقرابين …

رضا الأبيض

بيّن د. سيد قمني فی کتابه “الحزب الهاشمي وتأسیس الدولة الإسلامية” أن الجزيرة العربية عرفت محاولات توحيد قبل الرسول محمد (ص)، وأنّه كان آخر صياغة ناجحة لتوحيد القبائل العربية.. .
وفي كتابه ” النبيّ إبراهيم والتاريخ المجهول” قرأ التوراة وتتبع الرّحلة الإبراهيمية وبيّن أن كلّ أمة تحاول أن تصوغ إبراهيما بالطريقة التي تريدها، أي صياغة إيديولوجية يتداخل فيه الديني بالثقافي والاجتماعي ..
وانتهى في بحث عن الحجّ، إلى أنّ الحجّ فريضة قدیمة في کلّ دین وفي کلّ ثقافة. وفي بحث عن الشيطان جمع فيه بين نصوص قديمة وأخرى حديثة من بلاد فارس إلى الجبرتي المصري وعليّ مبارك قال إنّ الشيطان هو كل ملا نرضى عنه..
وفي كلّ ما كتب كان يستأنس بالتّحليل الاجتماعي والتاريخي واللغوي للنّصوص الدينية وللآداب القديمة رافضًا القول بالتعالي والانفصال، مؤكداً تاريخية الظواهر وتواصلها.
وفي الفصل الرابع من كتابه ” الأسطورة والتراث” (دار سينا للنشر، الطبعة الثانية سنة 1993 صص 77-107 ) “أضحية للذكر، قربان للأنثى ومدخل إلى جذور الدّين الاجتماعيّة” يقدّم قمني الأدلة على أنّ التراث ممتدّ إلى ما وراء حدود الإسلام، وأنّ أصل بناه الدينية نابتة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي وليست معلقة في الفضاء.
يستهلّ الكاتبُ الفصل بفقرة تأسيسية يذكر فيها ما زعمه أكثر الباحثين من أنّ للإنسان عناصر عبدها و طمع في خیرها واتقّى شرّها بالقرابین . وبيّن أن الإنسان أخلص في تعبّده فلم يبخل بالعطاء. ” فكان لا يتذوّق ثمار محاصيله قبل أن يقدّم لآلهته أوّل قطوفها ” بل امتدات یداه إلى أطفاله یسیل دماءهم على مذابح الالهة.
ثمّ تحت عنوان فرعي: “موقفان ورأي” ذكر أن أغلب الباحثين قد اتخذوا من مسألة القرابين أحد موقفين:

1) الموقف الأول : يرى أن القربان تحوّل من النبات إلى لحم الحيوان فلحم الإنسان زیادة في التملق والمغالاة. وهو تحوّل قائم على اعتبار “اللحم أعلى من النبات رتبة ” .

2) الموقف الثاني : یری عکس ذلک. إذ مسایرة لـ ” سنّة تطور العقل البشري الإرتقائية، بدأت القرابين ضحایا بشریة ثم نزلت نحو الحیوان فتقدیم النبات ” في حال احتیاجه للحیوان ” .
ثم يستدرك الكاتب على ذلك معتبراً العقل البشري في تطوّره لم يكن خاضعاً – كبقية مظاهر الطبيعة – للسنن والنواميس الفيزائية البحتة . فالتطور لا شك حاصل، لکنه لم يسر علی وتيرة واحدة في خط منظم باستمرار .
ويحتجّ لذلك بأحداث قديمة في الزمن وأخرى حديثة معاصرة ليستقرّ الرأي عنده على أنّ المسألة لم تکن أبداً صعوداً دائماً ولا هبوطاً دائماً، وإنما كانت خليطاً من هذا وذاك.

ثم يتناول دراسة القربان في تفصيل مهم نتوقف عند أهمّ ما جاء فيه :
1) القربان الحيواني :
هو أكثر أنواع القرابين شيوعاً. وأهمّ الحيوانات التّي بها تقرّب الإنسانُ للإله المعبود هو الخروف . أمّا التّيوس (جمع تيس) فتعدّ أفضل القرابين بعد الخراف . وفي سفر التكوين يتأكدّ تفضيل الإله الخروفَ على ثمار الأرض. و في السفر نفسِه نقرأ حکایة ابراهیم الذي استجاب لأمر ربه، إذ لمّا هم بذبح ابنه منحه الله كبشا عوضا عنه. وقصّة الفداء هذه معروفة بين العرب قبل الإسلام. لکن الذبیح هو اسماعیل ولیس إسحق .
وهو خلاف يشير كما يقول قمني إلى حالة التنافس والصراع القدیم بین العرب أبناء إسماعيل واليهود أبناء إسحق : أيهما كان المذبوح؟ ونفهم فخر النبيّ محمد (ص) بأنّه ابن الذبيحين عبد الله أبيه وإسماعيل الجد البعيد.
ووجد الكاتب في بعض مقدّسات الجاهليين ما يؤكد هذا النوع من الفداء. فذکر بالعودة إلى ” المفصّل في تاریخ العرب قبل الإسلام” لجواد علي ما كان يلحق بالحج من تقديمات كانت تذبح عند الأنصاب وتوزع على الحاضرين ليأكلوها جماعة أو تعطى للأفراد. .
وكان للجاهليين عيد سنوي للتضحية في كعبة ذي الشرى، يقام في 25 كانون أول من كل سنة . ويتم النحر أيضاً في بيت (اللات) بالطائف وعلى عرفات. ولقد عَرف ، كما يقول، في ذات الوقت معبد (ذي غابة) الضحايا البشرية . وكان الوأد نوعا من القرابين . وهو ما حرّمه الإسلام واستعاض عنه بالختان.

2) القربان البشري :
جاء في الكتاب المقدّس أن كل شيء تقريباً “يتطهر – حسب النّاموس – بالدمّ . ودون سفك دم، لا تحصل مغفرة”. وفي أسفار أخرى مثل سفر اللاويين والقضاة وإرميا ، كما يقول، ما يؤكد أنّ “مبدأ استرضاء الآلهة بالدم” كان ظاهرة شرقية قديمة . ويحتج الكاتب لذلك بنصوص و شواهد من قصّة الحضارة لــــديورانت والشرق الخالد لـــعبد الحمید زاید…
لقد انتشرت هذه الظاهرة بین السومریين و الفینیقیين والقرطاجنيين. و” في قرطاج وجدت عظامُ أطفال لم تزد أعمارهم عن ستة أشهر. ويوجد في متحف اللّوفر أحد هذه الصناديق حتى الآنّ”.

3) القربان الملكيّ:
توجّهت أضحياتُ كثير من الشعوب في وقت من الأوقات نحو التضحية بالملوك اعتباراً إلى أنّ الملوك هم “المسؤولون عن الجفاف أو القحط أو النوازل”. ومن هذه الشعوب يذكر الكاتب ، اعتماداً على ما ذكره أنيس فريحة في كتابه ” دراسات في التاريخ ” ، بني إسرائيل .
وكان روبرتسون قد أشار إلى أن الشعوب القديمة بعد أن تضخي بالملك وبعد موته تأكل بعضاً من لحمه وتنشر قليلاً من دمه ليكتسبوا بعض قدسيته.

4) القربان الإلهي :
إن أكبر قربان في تاريخ القرابين ، وهو ما سجّلته الأناجيل، السيدُ المسيح . والمسيح في العقيدة المسيحية إله. ولقد جاء في رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس أنّ المسيح قال : ” من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية “. ویکون ذللك عن طریق تناول قربان مقدسّ من الفطیر يرسم عليه المسيح أو الصليب وجرعات من النبيذ رمزاً لدم المسيح ؛ غير أنّ المسيحية اختارت الخروف قرباناً. وسبق للكاتب أن بحث في هذا الموضوع في الفصل الثاني “قراءة سريعة في موضوعة الإله النقيض”، مشيراً إلى مخالفة المسيحية للأديان السابقة باعتبارها أن إلَهها الشهيد خروف وليس جدیاً أو تیساً … بالعودة إلى إنجيل متى إصحاح 25.
وفي إنجيل يوحنّا ما يؤكد في رأيه فكرة القربان الإلهي. فالمسيح الربّ هو القربان والكبش الأعظم لأنّه (حمل الله)، ولأنّ “الخروف . . ربّ الأرباب وملك الملوك ” (سفر الرؤيا الإصحاح 17 و 13. )
بعد أن ينهي سيد القمني حديثه في الأنواع الأربعة يعود إلى حيث بدأ ليشكّ في أطروجة سابقة كان اقترحها، مفادها أن سلّم مسيرة القربان متذبذب. يقول إن هذا التفسير”لم يفسر لي هذه المسائل تفسيراً كافياً”. و حتّی يمسك بخیوط تطوّر طلقس القربان يدافع عن فكرة أنّ الآلهة في الأصل كانت “هي الأمّ أو الأب” ، ويطلب ضرورة الإجابة أوّلاً عن سؤال : أيّهما سبق الآخر : المجتمع الأموميّ أو المجتمع الأبويّ ؟
يجد الكاتب نفسه أمام ثلاثة مواقف :
أ – موقف يؤكد تطوّر الطقس ابتداء بالتقرّب بالنبات صعوداً إلى الحيوان فالإنسان.
ب – موقف يؤكد عكس ذلك تماماً.
ج – موقف يخلط “الحابل بالنابل”.

ويقترح أنّ طقس القربان في النّظام الأمويّ يتخذّ شكلا خاصا يتفق مع طبيعة ذلك النظام . ثم تبع ذلك اختلاط ناتج عن تداخل المجتمعين إبان مرحلة الانتقال إلى سيادة الذكر النهائية
فما هي مميّزات – كلّ نظام؟ وأيّهما كان الأوّل؟
يتوقف الكاتب عند :
– موقف داروين : مجتمع أبوي ثم مرحلة انتقالية ظهر فيها النّظام الأموي ثمّ العودة من جديد إلى المجتمع الأبوي.
– موقف الباحثة الانثروبولوجیة: “جیکیتا هوکس Jaquetta Hawck” : المجتمع الأوّل هو الأمومي بالنظر إلى أقدم تماثيل العبادة (العصر الحجري القدیم) وهي تماثيل لإناث ضخمت فيها الأعضاء المثيرة جنسيا، ثم تبع ذلك عصر الذكورة تلته العودة للإلهات مع اکتشاف الزراعة في العصر الحجري الحديث . ثم تلا ذلك منذ حوالى خمسة الاف سنة تقريبا سيادة الذكور النهائية وقد اقترن ذلك بنشأة المدن.
بعد عرض الموقفين المتضاربين يخلص سيد القمني إلى رفضهما معاً بدءاً برفض السؤال” من أساسه”.
يقول “ففي رأيي أنه لم يكن هناك قبل أو بعد ولا سابق أو لاحق بل أزعم إنّ اختلاف النظامين هو اختلاف بین مجتمعین، هو اختلاف مکاني و لیسی اختلافا زمانیا”.
فإذا كان النّظام الأموميّ قد نشأ في وسط زراعي، فإن النظام الأبوي نشأ في وسط رعوي .
ویدعّم القمني ما ذهب إليه باعتماد شواهد مختلفة أسطورية وتاريخية منها ما حدث في منطقة الهلال الخصيب (الرافدين سوريا لبنان فلسطين)، وكيف تحوّلت من كيانات زراعيّة إلى سيطرة الرعاة المهاجرين من الجنس السامي.
في النظام الأول كانت السيادة للآلهة الولود المخصبة (إينانا) رمز الشبق والعشق وهي رمز الأرض التّي يجب تخصيبُها باستمرار. ثم وبعد تغلغل الرّعاة الأكاديين في بلاد سومر الزراعية تفقد (إينانا) سلطتها المطلقة ومسؤوليتَها عن الخصب ويظهرُ «سید جدید کان في الأساطیر السر ماریة مجرّد ذکر خامل ضمن عشاقها الکثیرین … لیرتفع ويصبحَ سببَ الخصب الأول ويحمل اسم تموز راعي الخراف الطيّب..
يفصل الكاتب بين النظامين جغرافيا وليس زمنيا، ويعود في ضوء ذلك ليبحث في موضوع القربان من جديد ، ليصل إلى أنّه نوعان: قربان آمومي وقربان ذکری.

1) القربان الأمومي :
بحث القمني في الإشارات والمصادر، شكًا ومقارنة وغربلة، ليصل إلى أنّ الضحايا الحيوانيّة أو البشرية كقرابين للآلهة قد أتت وافدة مع الرّعاة إلى المجتمعات الزّراعيّة .
ومن الحجج التي ساقها ” ندرة الإشارات إلى قرابين حية قدّمت لآلهات إناث مقابل ما تمتلىءُ به المصادر من أنواع القرابين الحية التي كانت تقدّم لآلهة ذكور”. وهو ما دعاه إلى التذکیر بسؤال: أي قربان کان يليق بالأمّ المخصبة الشبقة مانحة الحياة؟
ويجد الكاتب الإجابة – كما ذكر – في طقس الجنس الجماعي، والذّي كان يمارس في المناسبات الدينيّة للآلهات الإناث. فهنّ يضحّين بالبكارة داخل هيكل الآلهة المنجبة مانحة الحياة. وهذا الطّقس ليس فسقاً شهوانيّاً وإنّما هو واجبٌ دينيّ خطير يقام به تقرّباً للآلهة الأمّ العظمى، كان منتشراً في كثير من أصقاع آسيا الغربية وعُرف في بابل وبعلبك في لبنان. والغاية من هذا الطقس تحريض القوى الإخصابية في الأرض الأمّ.
وبمرور الزمن وتأکّد سیادة الذکور التي تتمیز بالغيرة وقع تخفيفُ هذا القربان فشكلت طبقة خاصة من النساء يقمن بهذا الطقس لقبن بـ “العشتريات” ينحدرن من العائلات المالكة والنبلاء.” وكان لقب العشتارية الأفضل هو (قاديشتو) أي قديسة. وكان الاحتفال العظيم مضاجعة الملك (الإله الكبير) القديسة الكبرى (الآلهة عشتار)، وكان يقام وقت الاعتدال الربيعي ” بينما تكتفي باقي النساء بقصّ الشعر.
ویلاحظ القمنی أنّ استمرار الوجود الأنثوي في العبادة مستمرّ حتی الآنّ في العقيدة المسيحية . ومن طقوس المسيحيين صيام العذراء الذي يصومون فيه عن كلّ ما هو حيوانيّ حيّ ، ويقتصرون فيه على أكل النبات. وتلك في رأيه “تذكرة واضحة لا لبس فيها بالمجتمع الذي كان فى سالف العصور يعتمد على الزراعة والنبات “.

2) القربان الذکري :
إذا كان النظامُ الأمومي زراعياً وكانت قرابينه إمّا دعارة أو نباتاً؛ فان النظام الذکوري کان رعویاً وقرابینه كانت دماء وذبائح ، في رأي الكاتب الذي يجتهد ليثبت هذا التصوّر معتمدا في ذلك مصادر كثيرة منها الكتاب المقدّس والذي نقرأ فيه قبول الإله للحم هابيل الراعي ورفضه لثمار قابيل المزارع . وهي قصّة لا يقبلها القمني “على علاتها” لأنّ في الظروف الموضوعة التّى أحاطت بالشّعب العبري وهو شعب رعوي أسباباً تدفع إلى تأكيد علاقة الربّ بالرّاعي مقابل نفوره من المزارع . ثم يعلق على “الإحتفالية المسيحية بعيد الفصح”. ففي هذا الاحتفال ، وهو موعد قيامة المسيح بعد ثلاثة أيام من موته، يؤكل لحمُ الخروف بعد حرمان من أكل أي طعام حيواني، وذلك ليس سوى رمز لنهاية النظام الأموي في المجتمعات الزراعية وسیادة النظام الذكري الرعوي. ولهذه الضحية شروط منها السلامة من العيوب وأن تكون من الغنم أو التيوس وأن تكون البكر وذكراً.
وفي ذلک دلالات کبری في رأيه إذا تذكّرنا أنّ المسیح کان لقبه الرّاعي، وأنّه كان يُعدّ ملكاً وإلهاً وأباً للمؤمنين وأنّ موته كان فداء للبشر.
ومع الخروف یؤکل فطیر (وهو خبز غیر مختمر) . ذلك ما جعل الكاتب يضع احتمالا بأن الأصل في احتفالیة عید المسيح عيدان اثنان:
أ/ عيد خاصّ بالمزارعين يقدّمون ثمار الأرض.
ب/عيد خاصّ بالرعويين يذبحون الماشية.
ثم يطرح القمني آراء فرويد في مسألة التضحية ويناقشها .
إنّ أطروحة فرويد قائمة على قتل الأبناء المقهورين الأبَ الأناني الطاغي، ونتيجة الشعور بالذنب يصرفون النظر عن نسائه ويقيمون نظام الزواج الخارجي فتنشأ فكرة التّحريم أو التابو… و يختارون حیوانا لیکون طوطمًا للأب المقتول يحظُر مسّه أو قتله إلاّ في اجتماع كامل لمأدبة يأكلونه فيها جماعة…
ویعقّب القمني علی آراء فروید ويذر بأنّ فیها کثیراً ممّا يجافي المنطق والواقع.

وتحت عنوان فرعي : الأضحية والفداء ، يحاول القمني أن يرسم هذه صورة يراها أكثر منطقية وواقعية .
یبنی أطروحته علی نظریة الانتخاب الطبیعی التي لا تعني عنده تضافر الأخوة لقتل الأب، وإنمّا استمرار الذكر القوي في سيادة القطيع حتى ينتابه الضعف فیظهر ذکر آخر قوی ینازله وینازعه السیادة . أمّا تمثّل الأب في طوطم يؤكل فليس الأصل فيه جريمة ارتكبها الأبناء وإنّما هو الأب الذكر القوي يموت أمام أعين الأبناء دفاعاً عنهم ضدّ نوازل الطبيعة وضواري الصحراء .. يتمثلونه في طواطم حيوانات نافعة يجتمعون حوله فی موعد استشهاد الأب يأكلونه ليحمي الأب نفوسهم ودمائهم .
وهو ما يفسّر الحزن والبكاء في هذا الموسم ، حدّ يصل الأمر لطم الخدود وشقّ الجيوب وتجريح الأبدان، بل أيضاً إخصاء المؤمن نفسه اعترافاً لهذا الأب بأنه الوحيد الذي يستحق شرف الرّجولة وهو الذّي مات شهيداً وضحّى بنفسه من أجل الأبناء والعشيرة .
ومن الأدلة أيضا الدليل اللغوي فالأضحية في الإنجليزية Sacrifice بمعنى التضحية والذبح للآلهة وهي الأضحية والذبيحة وتعني أيضاً الخسارة والتضحية بشيء من أجل آخر. وكذلك في العربيّة ، تعني التنازل وفداء الأخرین والنبل ..
وهذا رأي له ، كما يقول، ما يبرره منطقياً ، إذ يمكن أن تتكرر حادثة استشهاد الأب فداء لعشيرته باختلاف الزمان والمكان، بينما من غير المنطقي أن تتكرر حادثة قتل الأب على يد أبنائه. وهو رأي يتسق مع آخر الديانات الفدائية الكبرى (المسيحية).
إنّ أكل لحم المسيح وشرب دمائه ممثلاً في خروفه الطوطمي في الفصح يرفعُ في الاعتقاد المسيحي الخطايا عن البشر ويؤكد ما استحقه المسيح من ألوهية . وهو الستشهادٌ علی الصلیب فداء لکلّ الشعب .
ويختم القمني هذا الفصل بـ ” تداخل القرابين والأضاحي”. وهو تداخل ناتج عن “التزاوج بين المجتمعين أو النظامين “.
لقد تمثل المجتمعُ الرعوي آلهته في الطواطم ، ثم في المظاهر الكونية العليا أو الفوقية ( القمر) وتركز اهتمام المزارعين في طواطم نباتية ثم في مظاهر كونية فوقية ( كوكب الزهرة ) . وليس ارتباط الأنثى بالقمر في رأيه سوى خلط نتيجة “عدم معرفة الزراعيين البدائيين دور الرجل في الحمل والميلاد.

وبتحوّل النظام من زراعي إلى رعوي تتحوّل القرابين إلى أضاحي يضخي فيها الملكُ بنفسه أو بأطفاله – هروباً من المصير المفزع – وهؤلاء الأطفال من نسله الملکي يولدهـم بمضاجعته الکاهنة الکبری (القديسة). وهو ما يفسر أحداثاً كثيرة منها ما فعله الملک القرطاجی (هملقار) في معرکة (هیرا) إذ لمّا رأی جنوده يتقهقرون ارتمى وسط اللهيب بتضحية اختيارية فشیدّت له النصب في کلّ المستعمرات القرطاجیة. و ما فعله الملك اليهودي (داود) الذّي شنق أبناء سلفه (شاول) السبعة لرفع القحط وإنزال المطر …
وبذلك أصبح إنبات الأرض مرهوناً بسفك الدماء وهو أمر لم يزل شائعاً في بلادنا إلى اليوم – يقول القمني – ویتمثل في تحذیر الأمّ ابنها بعدم الخروج وحیدا حتی لا یذبح علی حجر طاحون الحبوب لأنّ الطاحون إذا توقفت فلا بدّ أن يذبح عليها طفل حتّى تعود إلى العمل وإلى الطّحن .
إنها قصة إذا أحسنا فهمها ألقت بنا ، كما يقول، في مرآة التاريخ القديم. ويخلص قمني إلى أنّ التضحية لم تكن أصيلة في المجتمع الأمومي الزراعي وإنّما وفدت مع قدوم الرّعاة. وظلّ الاعتقاد قائما حتّى اليوم . وظلّ الخروف هو الأضحية المثلى يفطر على لحمه المسيحيون، و يذبحه المسلمون.
ما يشبه الخاتمة:
لا شكّ أنّ لهذه الدراسة التي عرضنا بعض ما جاء فيها – ولمجمل أعمال سيّد قمني – قيمته في وقت يشيع فيه الفهم الساذج والمتسرع لما حدث ولما يحدث. ذلك ما دفع د. حسن حنفي إلى اعتبار دراسة قمني ” نصرا جديدا فى ثقافتنا الوطنية “.
ولعلّ أهمّ ما يمكن استخلاصه من دراسة قمني بغض النظر عن مدى صحة الوقائع و”الحقائق” هو القيم التي قام عليها البحث، الانفتاح والاستفادة من العلوم اقتصادا ولغة ومناخا وقيم السؤال والشك المنهجي وعدم الركون إلى الجاهز من الشروحات والتفسيرات ..
ووصلا للحاضر بالماضي يمكن للمرء أن يتساءل: إذا كانت أضحية النظام الأمومي الزراعي دعارة أو نباتا، و إذا کانت قرابینُ النظام الذکوري الرعوی بشرا أو خرافاً فما هي الأضحياتُ و قرابين الإنسان المعاصر المناسبة لنظامه الاقتصادي والاجتماعي ولمستوى تطوره الفكري ؟ ما تكون الأضحية اليوم في عصر الآلات والتقنيات واللعب بالجينات ونظام المساواة ؟ أليس من الضروري اليوم أن نظل محافظين على أضحيات جدودنا ليس دفاعا عن الماضي والذاكرة فحسب، وهذا مطلوب في عالم أصبحنا نعيش فيه بلا ذاكرة، بل ضمانا للاستمرار في اتجاه مستقبل صار يزداد منّا انفلاتا وعنّا ابتعادا ؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق