ثقافة المقال

كلام يحيي الياسمين

يوميات تونسية

30 أبريل
في مطار قرطاج ، أنا هنا وحيدا ، ولا أحد من الجمارك انتبه أن في حقيبتي الزرقاء ، أغنية شعرية لمحمد بوحوش ، ولا حتى لأجمل قاتلات الراحل محمد شكري ميعادي مجازا .
أنا هنا لا أتحرك ، الكل ينتظر ، الكل يعانق ، ولا شيء أخر سوى الكل يذهب ويأتي.. يأتي ويذهب ، ثم قرقعة أحذية البوليس .
لكن ماذا لو رن هاتف فتحي طالبا أن نلتقي قريبا من مساء الماء ؟ ثم ماذا لو تشابكت في عناق قصصي ومغاربي مع لحبيب وفتحي ؟
يمسح الحبيب زجاج سيارته الأمامي ، ونهرب إلى فندق ابن خلدون ، ثم إلى مطعم أنيق كي نمسك بالشوكات ونتعشى فواكه البحر والأرض ، ونؤجل شرب كأس من النبيذ إلى الأيام القادمة يقترح ” بحري ” ، ونتواعد في باب النزل على أمل اللقاء بأريانة وبداية أشغال ندوة .
في الليل لم ترق لي سوى الأعمال الكاملة لشكري ميعادي ، وعلى مهل قرأت بالصدفة :
” وأخيرا
ألف شكر
في زمان الموت لي
تبت أياديهم جميعا
وما تبت يدي ”
مايو 01
أذكر أني فركت عيني كالقط في الساعة السابعة ، شربت ارتواء من ماء ” زغوان ” الطبيعي الذي تعج به الدكاكين ، وأمر شائع أن ترى ” دبوزات ” الماء في أيادي التوانسة ، لان ثمن اللتر الواحد درهمان ونصف نعم و” الرخا الله” ، وليس كما عندنا ، ماؤنا وبثمن ” فيشي ” الفرنسية .
انتظرت دقيقتين ، يفتح المصعد ، أدخل ، انزل ، إذن أنا في مطعم النزل أفطر ، ويحدث أن أعود إلى غرفتي كي أدخن سيجارتي على مهل .، وأنزل في المصعد ، و .. تذكرت أني نسيت بطاقة المفتاح في الغرفة .
في تمام الساعة العاشرة مجازا ، ” فتحي ” ينتظر بألق ، نقاد بلا عدد ، حضور بلا عدد، قصاصون بلا عدد ، وتقاويل عن القصة قريبا من روائح الحبر برفوف المكتبة المعلوماتية , وتعب كلها الجلسات النقدية .
لكن مازال عشاق السرد بخير ، ومازالت القصة القصيرة “مثل صاروخ ألقي من طائرة ليضرب بحدة وبكل قواه ، الهدف المنشود “كما يريدها الناقد الروسي إيخناوم ، ويريدها ” فتحي ” قصة تونسية وطنية ، و .. منفتحة على الفنون .
وتنتهي الأمسية النقدية بأغنية ل”سولاف ” وتابعها ” عمر” على شاكلة نوارس العشق ، على أمل اللقاء في ضيافة الشعر الأسبوع المقبل ,
مايو 02
اليوم يشرفني الصديق سي محمد آيت ميهوب ، ضيفا على برنامجه ” قال الراوي ” بالإذاعة الثقافية ، احتفاء بقصص نورة الورتاني ” ليلة انتشى فيها القمر” مع بشير اجبيلي الذي لا يغادر نورا حتى على الهاتف ويوم الأحد ، وفي قاعة الانتظار، عادت إلى ذهني حنة آرندت وحبهما الفاهم والخدوم والشكور ل”هيدجر” ، هذا التصور الذي قد يسمى ” الحب من أجل الحب ”
بشير يقشر قصص نورة كما تفاحة … نورة تقرأ قصصها بدمها .. أنا أفتح سردا مرئيا في قصة ” التمثال العظيم” ، وميهوب يوزع الكرات باحترافية ، وتنتهي الحلقة بصور في ” الكولوار” ، بفناجين من الشاي والقهوة العربية ، وبانتشاء قمر القصة ، في انتظار أن ينتشي قمر مخطوط رحلة جد” نورا ” إلى باريس وانبهاره ب” الموناليزا”

مايو 03
الساعة العاشرة صباحا ، أنا هنا بنزل أفريكا بدعوة من رئيسة منتدى الطفل سعاد عفاسي ، لحضور فعاليات الملتقى العربي لأدب الكفل ، مصطفى عزوز في دورته التاسعة .
اليوم ” باهي برشة ” ، قبل بداية الأشغال بصديقي محمد لشكر كي أشم فيه ريح مغربيتي ، وكي يمتع الحضور بقراءة فاحصة لقصة ” ابن بطوطة ” لصديقه الراحل ” عبدالرحيم المودن” ,
و”برشة باهي ” كان الصباح ، تعرفت على القاصة الواعدة ” لؤى الصغيرة ” ، أهدتني إصداراتها العشرة ، وتوعدنا على لقاء قادم ، وكم تمنيت أن أطلع على مسودة روايتها ، بيد أنها زحمة الوقت ، وحينها قلت مع تولستوي ” ليتني ولد ت شيخا ، لأموت طفلا في سن لؤى ” .
مساء ، كنت مطعم زجاجي ب” حلق ألواد ” ، وعلى إيقاع عواء الريح ، لتبدأ السهرة مع فرقة “نوارس الحب” عمر و”سولاف ” التي تلف عنقها بشال أحمر ، وتضع قبعة على رأسها ، تعشينا ” اسباكيتي ” بفاكهة البحر، وليس أروع من أن يتحدث ” عمر” عن سيرته الموسيقية وصوت شيخ الكتاب ، وأن تغني ” سولاف ” بعضا من فيروز ، ومن أغاني الجنوب .
ونحن نغادر المطعم الزجاجي همست ل ” سولاف ” من لا يحب الموسيقى لن يدخل الجنة ” ، ابتسمت ملء الريح ، وأهديتها بيضة ديك في نهاية السهرة شغبا .
مايو 04
السفر إلى الجريد طويل و ثقيلة كوحيد القرن ..
و .. في الثالثة صباحا ، لا أحد في محطة الحافلات غير محمد بوحوش …
وحده موغلا في السهر والفجر والفرح … و” ليس سوى أغنية ” في حقيبتي الزرقاء ، وفي اتجاه فندق ” النخيل” ، رأيت فجر ” ابو القاسم الشابي ” وابتسامة ” ندى ” عائدة من المدرسة .
وحين تركني ” بوحوش”، تذكرت ” سراج العين ” للملياني وتقاويله عن الشعر ” الشعر إنساني ، وعلى طرفي نقيض مع كل ما يشوه جمال الطبيعة والحياة والحضارة والثقافة والإنسان ، ولك كان الشعر دائما ضد الشرور ”
مايو 05
في روضة الشابي كان الموعد مع الوفاء المغربي التونسي ، ووقفة احتفائية بقبس من شمس الجريد التونسي الجميل ، الذي يشرق على القصيدة ولا تغرب عنه .
ولاشك أن هذا الحضور للراحل شكري ميعادي ليس سوى وفاء بتجربة شاعر يستحق ، وها هي أعماله الكاملة التي أعددتها والصديق محمد بوحوش شاهدة إثبات على ذلك ، وكانت القصيدة والقصة ومداد وبعض من المهرجان الدولي للشعر أصدقاء الشاعر حياة أخرى ,
مايو 06
هذا الصباح ينتظرني القاص عماد والساحر بوحوش في قاعة الانتظار بفندق النخيل ، ذهبت معهما إلى المقهى ، كانا منشغلين بالحديث عن الانتخابات البلدية : مقاطعة ، تصدر المستقلين للنتائج الأولية ، ويليهم الإسلاميون والبدائيون ، يبدو أن الأمر لا يعنيني كما ” عماد ” ، فنفسها ” الفولة ” السياسية مقسومة على المشهد السياسي التونسي والمغربي .
أنا في ” هيكل الحب ” الآن ، رفقة بوحوش وعماد وامباركي ، لكن ، لا شيء يوحي بالحب ولا حتى بالحياة التي يريدها الشابي أغنية ، أفكر الآن في هذا الفضاء الذي يسيء للحب والشعر ، وفي هذه المنحوتات المستوحاة من شعرية شاعر توزر والكون ، وما يطالها من قدامة وتهميش .
مايو 07
في منتزه ” البركة “، عماد يتحدث عن انجازه لغلاف ” تحت سماء تحرق ” فاتحة بوحوش الروائية ، يتحدث بوحوش الصمت ، والعقبى لأسبوع بفندق ” كسيلة ” وبمطماطة وتحت سماء غير حارقة ، حين يتحقق حلم الجائزة ، ونبتسم ملء الوفاء .
في السادسة مساء ، يحتوينا مقر ” مداد” نتبادل إهداءات الكتب بدل ” الزراربي” و” الطواقي” ، ونحلم بدورة ناجحة للملتقى الدولي للشعر بتوزر ، الذي اختار العين والقدس شعارا في دورته القادمة .
مايو 08
المشهد الأول
باكرا ، طالعني وجه بوحوش وأنا أهم بالمغادرة ، وجه أعرفه جيدا ، نفس النظرة الحالمة والثاقبة ، ونفس الابتسامة الخفيفة والمغرية بالطفولة ، و ..انطلق ” اللواج ” في اتجاه صفاقس ، وعلى المقعد الأمامي سيدة لم تتوقف عن القيء ، مما اربك زوجها فتدارك الأمر وأرسل تنهيدة طويلة ليحكي لنا قصتها مع سرطان المرحلة ,
المشهد الثاني
في محطة صفاقس ، الفوضى منظمة ، و لا ” لواج” يرغب في نقل المسافرين لتونس العاصمة ، بدا التشنج على وجهي ، دخنت بعصبية ، و .. ابتسمت مع نفسي لنفسي ، حين ارتميت على المقعد الكرسي أخيرا لأخير داخل ” اللواج ” .
المشهد الثالث
ليل شارع بورقيبة يغري بالتسكع ، وماذا لو التقيت بالشعر الهادي الوسلاتي كي يقرأ لك قريبا من تمثال ابن خلدون بعضا من حرائقه الشعرية :
” خمسون ألما
خمسون جرحا
خمسون قحطا
وأبوابك موصدة يا وطني ”
مايو 09
لا شيء سوى مكتبة الكتاب بشارع بورقيبة واقتناء الروايات الفائزة بالكومار هذه السنة ، ثم كرسي بمقهى المسرح الكبير ، فنجان شاي أخضر ، سجائر شقراء ، والغرق في رواية ”
تقرأ في جريدة المغرب النتائج الكاملة قبل إعلان هيئة الانتخابات عن الأولية ، المستقلون في رأس القائمة ، تليهم النهضة فحركة بداء تونس ، وفي صحيفة ” الشروق ” أكتفي بقراءة العناوين الكبرى : هل بدأـ معركة بداية المفاوضات بين النهضة والنداء حول بلدية تونس ؟ المستقلون .. مفاجأة وبعد ؟ ، هل أنهت البلدية طموحات المرزوقي ؟
و … في الواحدة والربع ، يتفقدني فتحي هاتفيا ، كي أجيبه بشغب كما لعادة :” أنا باهي برشة وهكهاو ” ، ونضحك ملء سماعة الهاتف .
مايو 10
داخل الموعد والاختيار ، كنت في قلب مدينة الثقافة ، وبين أحضان حلم يحقق للمثقفين والمبدعين ، حلم مدينتهم الثقافية الفاضلة , في رواق الترجمة يحدث أن يوقع لي محمد الخبو وأحمد السماوي كتاب ” الراوي مدخل إلى النظرية السردية ” للفرنسية سيلفي باترون ، ويحدث أن تقلب الجلسة مفهومك للراوي في إطار التفكير في الراوي ,
ولأن الصدفة أحيانا ، خير من مليون ميعاد حب ، ألتقي بالرائع كمال العيادي ، ومازلت أتلمظ يومياته ” واحد-صفر للقتيل ” ، الحائزة مؤخرا على جائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات
يفتح لي قلبه ، يرشقني بابتسامته ثم أسرى بي إلى بيت الرواية ، والمهم ، أن كمال يستحق الحياة ، لأنه ربح بيتا للرواية في مدينة الثقافة ، مثلما بذر الكثير من الطاقة والوقت .
فنجان قهوة سريع ، والعودة لمتابعة السهرة التراثية بمسرح أوبرا مدينة الثقافة ، وفي نهاية السهرة ، تعشيت اسباكيتي رفقة ” العمر” الذي يسافر غدا باكرا رفقة أوتار عوده ل” اسبيطلة ” لتنشيط مهرجان شعري ,
و .. يرن الهاتف كما يوميا ..
بوحوش يسأل عن حالي و أحوالي في العاصمة ، في شارع بورقيبة تمام ..
11ماي
زوالا …
يفتتح فتحي أيامنا الشعرية ، و كثير من الحب والجمال والنار والنور في العيون والأعماق ، المهم أني ربحت الشعر والإنسان ، وخسرت الحصول على قلم قياسي في المنافسات الأولمبية التافهة والمسمومة .
في الساعة السابعة مساء ..
يهربني ” فتحي” إلى بيته في ضواحي تونس ، ونسهر مع أحلامنا الثقافية التي خلقنا لأجلها ، وكي نؤجل الموت .
ماي 12
ما الذي فعله بي الساحر ” ميهوب ” ؟
أهداني مدينة أسطورية و” بحرا يحلم أن نصبح مدينة” ، كما يحلو لبنزرت أن يراها هذا الرجل الحلوى ..
أهداني روائح ” الموريسكيين ” ، وشيئا من فضاءات طفولته ..
ما الذي فعله بي آيت ميهوب ؟
فتح لي ورقة من كناش مقبرة الشهداء …
أهداني طبق من السمك ، ومائدة في مواجهة قرية الصيادين ..
سوى طبق من سمك محلي ومهاجر
” كم هم الجميلون نادر ون وأقلية هائلة
13 ماي
ألم في المعدة
14 ماي
في انتظار موعد الطائرة ، يقترح ” فتحي ” مقهى ” المالوشي ” ، ندخن شيشة التفاح بنهم ، نلتقي ب” يوسف ” الغارق دوما في الحبر ، ولم يتحدث من خلف مكتبه ، سوى عن ” أن سلم الشعر طويل صعب الارتقاء ،تثبت فيه الأقدام أو تزل” ، ووصلني وفتحي معنى الليلة الشعرية الأولى التي تابعها ويوحي بها ” يوسف”
وأنا أسدل ستار هذه اليوميات التونسيىة بالطائرة ، راق لي أن أكتب هذا المقطع من ديوان ” القادم الوردي لي ,, ” للشاعرة ” سنية مدزري “، فقد أشم فيه ريح بعض من وطني الذي تركت بعضا منه في حقيبة ” ليلى ” ، وفي قلب ” ربيع ” الذي يربض فيه القلق :
” لا تيتئس يا صاحبي
أطلق حمامك في وجوه
القادمين من القبور .
هذي البحار عقيمة
والغيم يزبد والخصوبة “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق