ثقافة السرد

عذبة- رواية المأساة الفلسطينية- الجزء 25-

صبحي فحماوي*

فجأة يا عذبة انفجرت فضيحة مروِّعة عند الساحة الواسعة القريبة من بيت أبو الفهد، إذ صرخت ناهد البخاري في وسط الساحة، وجمعت بصوتها أهل الحارة، الذين خرجوا من بيوتهم مشدوهين منفعلين بما يشاهدون، ويسمعون من فضائح:” شوفوا يا عالم! هذا لباس محاسن! مرت أبو الفهد! لقيه أخوي جابر، مرمي تحت شجرة الزيتون اللي كانت نايمة تحتها مع هذا اللي اسمه غريب “! وجابر البخاري، الذي كان أثناء مراهقته، يدخن روث الحمير على بقايا مزابل صفيح السجن البائد، لم يستطع النجاح في مهنة الحلويات التي بدأها، ولم يستطع الخروج من تابوت المعسكر مثل زملائه الآخرين، فنما وترعرع في تلك البؤرة، يقعد في المقاهي مع لاعبي طاولة الزهر وورق الشدّة، ويتسكع هنا وهناك، ويتصيد في الماء العكر! وها هو اليوم يقف إلى جوار أخته ناهد ، يدير المعركة ضد محاسن، ويذكي نارها، ويحمي مؤخرة أخته في تلك المشادّة! كان تصرفاً ذكياً من جابر، ذلك لأنه لو قام هو بدور مثير الفضائح “وقذف المحصنات الغافلات”، لوصلت المشادة إلى مخفر الشرطة، وهات يا ضرب بكايش أبو زكي، وهات يا تحقيق. ومن المؤكد أنه سيبيت في السجن بتلك الفضيحة، ولذلك قدّم أخته ناهد لتقوم بمهمة الدرع البشري، فتشفي غليلها من غريب، وجابر بدوره يشفي غليله من محاسن، ويخرج من تورط المسؤولية، بحجة أنها مماحكات نسوان والسلام، ذلك لأنه يعرف أن “أية معركة يخوضها الرجل ضد المرأة فهي خاسرة “، خاصة في مثل هذه الأمور! فكل النساء “محصَنات”، وكلهن “غافلات” ! حتى محاسن زوجة أبو الفهد، يعتبرها القانون؛ ضمن ” المحصنات الغافلات”! وفي تلك اللحظات الدراماتيكية، وصلت محاسن وهي تركض، قادمة من خارج المعسكر، ودخلت بيتها بسرعة، ولبست سروالاًً آخر مما لديها، ثم خرجت مسرعة لتقول للملأ:” هذه ناهد واحدة كذابة، وأنا هذا لباسي “! وكشفت ثوبها أمام جمهور معظمه من النساء والأطفال، فظهر سروالها طويلاً مزركشاً، ساتراً سوءتها، ويغطي ساقيها حتى الكعبين.
وحكاية غريب هذا حكاية! فلقد تكررت زياراته إلى بيت أبو جابر البخاري، وجلساته مع الأهل، معلناً نيته الزواج من ابنتهم ناهد، وبناءً على ذلك، صار يأتي ويروح، ويحضر الهدايا لأهل البيت، والتي هي عبارة عن سلّة تين مشَطّب، أو سلة صبر، أو سلة لوز أخضر. وبعد طول سيرة، علمت أنه من قرية أنصار 14. وعندما حاول الغريب أن يتولدن مع ناهد، رفضت ذلك، وقالت له: ” عندما نتزوج، يحصل كل ما تريد، وأما الآن، يفتح الله !” وذات يوم زار غريب بيت أبو جابر، فشاهد عندهم محاسن، وتعرّف عليها.. كان سنّ المرأة ضحوكاً، وكلامها مبطناً، فاستطاعت أن تجذب الرجل، ودعته لزيارة بيتها، والتعرف على زوجها أبو الفهد، فقد يستطيع أبو الفهد أن يصنع لهم مكانس في مزرعتهم. قالت ذلك “على عينك يا تاجر” وهي تضحك بلا سبب، وعلم غريب منها أنها الزوجة الثالثة للرجل العجوز، فسألها:” هل نساء أبو الفهد الأخريات، يعشن معكم في نفس البيت”؟
” واحدة ماتت”، قالت ذلك، وهي تضحك ساخرة “والثانية تركته، وعادت إلى أهلها، لأنه عجوز لا ينفع”! ففهم غريب الرسالة..! وبعد أيام، اختلق غريب سبباً لزيارة أبو الفهد، بحجة طلب صناعة مكانس في مزرعتهم، واستقبله الرجل العجوز، وبحث معه الموضوع، وحدّثه عن قناة السويس، والخديو إسماعيل، وعن أولاد هذا الجيل الذين ليس منهم فائدة، وأن”الدهن في العتاقي” وحدّثه عن أشياء كثيرة، فضرب غريب مع أبو الفهد صحبة قوية، وصار يحضر له العنب المشهِّي، والخوخ المُعطّر، وزيت الزيتون الأصلي، ثم صار يسهر مع العجوز كثيراً، وعندما يتأخر في السهر، يقول له العجوز:” نم عندنا هذه الليلة.” فينام الغريب. وفي الليل ينتظم شخير أبو الفهد، بينما تنتظم علاقة جسدية بين غريب ومحاسن! انتبهت ناهد لعلاقة غريب مع جارتهم محاسن، فبحثت الموضوع مع أخيها جابر، الذي كان يعرف بلاوي محاسن، ويحاول معها، ولكنها تصدُّه نظراً لكونه مفلساً، ففي كل مرة يقترب منها، يبدأ حديثه معها بطلب نقود: “اليوم محتاج ليرة، ضروري، ضروري “! ولا يخجل من الكذب والاحتيال:” اليوم سُرقْت، ونُشِلَت محفظتي، وكان بها عشر ليرات”! وأحياناً يُغير نغمة الطلب:”أريد أن أذهب إلى مدينة أنصار 18، للبحث عن عمل، فهل لك أن تقرضيني ثلاث ليرات، مصروف الطريق و….”
ولكن محاسن بدورها، تريد من يصرف عليها، فأبو الفهد لا يصرف – لا من فوق ولا من تحت – وهي بحاجة لمن يغذيها من هنا ومن هناك، “واللي معهوش، ما بيلزموش”! المرأة صحيح حنونة، ولكنها أيضاً واضحة مع المحبين! ولهذا رفضت تلك العلاقة مع جابر البخاري، واستبدلتها بآخر، يدفع بكل شيء! وهذا المبدأ أزعل جابر، فرغب أن ينتقم منها.. وهكذا رصد المرأة الفائرة، وانتبه إلى أنها تختلي بغريب في مزرعته القريبة من المعسكر، فاشترى منظاراً خصيصاً لذلك الغرض، وراح يراقبها، فكشف له المنظار بلاوي رهيبة! شاهد العجب العجاب! وفي يوم من الأيام، رصد الموقع تحت شجرة زيتون وارفة الظلال، وشاهد محاسن مع غريب في مشهد غرامي “بث مباشر”! فانقض على الموقع، ولم يهاجمهما – لأن ذلك يعتبر تعدِّياً جسدياً على الآخرين – بل وبأقصى سرعة، خطف سروالها الطويل المزركش الألوان، الملقى إلى جوارها، وارتد هارباً به. وفي البيت سلّمه لأخته ناهد، التي حققت أهدافها بالقبض على الدليل المادي، الذي سينتقم لها من تلك العاهرة، شرّ انتقام! وما هي سوى دقائق، حتى خرج أبو الفهد من عرينه، ليرد على الهجوم المباغت، الذي تعرّض له عرض امرأته، فلطّخَ شرفه وشرف الذين خلّفوه أمام المعارف والجيران، فتقدّم وهو مكشوف الرأس الحليق، حافي القدمين. ولأول مرّة أشاهد فيها رأس ذلك العجوز مكشوفاً دون حطّة؛ كان مستطيلاً متماوجاً، يحدّه ارتفاعان، مثل ظهر الجمل الهندي ذي السنامين، وشارباه متهدلان على جانبي فتحة فمه، كذيلي فأرين هزيلين ! تقدم أبو الفهد في الساحة، حتى صار قريباً من جابر، الذي وقف كالجاسوس الجبان صامتاً، ليترك المعركة تدور بين حريم، وكأنه يفصل بينهن! وكان الحضور يترقبون أن تشتعل نار جهنم في تلك اللحظات التصادمية، والتي يقترب فيها أبو الفهد من غريمه جابر، فيتعاركان عراكاً تتحطم فيه عظام، وتسيل فيه دماء، وتعلو فيه صرخات، ويتطاير فيه شرر إلى عنان السماء، فيموت أحد المتحاربين. وازداد توتر الناس، واشتدت أعصابهم ونبضات قلوبهم، وفغرت أفواههم، فتمسمّروا في مواقعهم متلهفين، منتظرين احتدام الحدث الرهيب! وعندما اقترب أبو الفهد من جابر، الذي بقي صامداً، وعيون الناس تحدق فيهما، وآذانهم تشنّف مثل سماعات محطات التلفزة المحتشدة أمام حفل عظيم، خفنا كثيراً والقطبان يقتربان من بعضهما البعض وكأن شرارة الصاعقة الكهربائية المقتربة ستفجِّر المكان بمن فيه. اقترب دهن العتاقي وقال لجابر بحنك مرتخ، وبصوت هزيل:” طيب بَدَبّرك يا جابر”! ولم يتفوه بغير تلك الجملة، ولم يتفوه جابر بِردٍّ على ما سمع، ثم قفل العجوز عائداً إلى بيته، وانتهى الحفل الرهيب! وبعد طول سنين، لم يُدبِّر أبو الفهد جابراًً، وهكذا بقي جابر على حاله، دون تدبير!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق