قراءات ودراسات

قراءة في رواية ” La Cicatrice ” لبروس لاوري

بقلم: سهام حمودة *

عندما فرغت من قراءة هذه الرّواية الفرنسية تساءلت في نفسي عمّا إذا كان سرّ الرّواية الجيّدة والخالدة يكمن في النّهاية المأساوية. إنها رواية جيدة بحق .
في الحقيقة لم أستطع النّوم ليلة انتهيت من قراءة هذا الكتاب فلقد كان الحدث الأخير ليس مؤلما فحسب بل مفاجئا فالقارئ لم يكن ليتوقع موت الصّغير”بوبي” والنهايات الحزينة المفاجئة ٲشدّ ٳيلاما من النهايات الحزينة المتوقّعة. ربما كان العنوان لعنة تلاحق الشّخصيات إلى نهاية الكتاب .
هو عنوان الرّواية باللغة الفرنسية ويعني النّٙدْبة وهي ٲثر الجرح الباقي على الجلد. « La Cicatrice »
تـمّ تأليف هذا الكتاب سنة 1960 وحاز على جائزتين مرموقتين مثل جائزة الأكاديمية الفرنسية للروايةٙ ويحكي لنا الرّوائي الأمريكي ” بروس لاوري ” الذي اعتاد ان يكتب قصصه باللغة الفرنسية ٙ قصّة ” جاف ” وهو طفل يبلغ ثلاثة عشر عاما يحمل نٙدبة على شفته العليا كانت سببا في ألمه ووحدته .لم يكن “جاف” بالنسبة لأقرانه في المدرسة طفلا يختلف عنهم بل كان مدعاة للسّخرية و الاشمئزاز و رمزا للشر فكانوا ينادونه ب” الشفة الكبيرة” بدلا عن اسمه .
تبدأ رحلة “جاف” الحقيقية مع المعاناة بعد سرقته للطّوابع البريدية الخاصّة بصديقه الوحيد وحارسه الأمين «ويلي”. فتحوّل “جاف” من صاحب الشفة الكبرى إلى سارقٙ ولقد تمخض حدث السرقة عن أحداث أخرى ذات أهمية كبرى حتى وٳن كان الحيز الزمني الذي احتلته وجيزا جدا إذ خسر “جاف” “ويلي” صديقه الوحيد والذي بفضله أصبح رفاقه في المدرسة يعاملونه معاملة جيّدة ، وبخسارة صداقته عاد هؤلاء إلى الإساءة إليه وتحولت المدرسة إلى مكان تفوح منه الكراهية و العنصرية أعزتها معلمتهم الآنسة “مارتال” إلى عدم قدرة “جاف ” على التأقلم مع رفاقه في حين يعتقد جاف أن ما يتعرض إليه من إساءة في مدرسته يعود إلى خوف معلمته من أولياء تلاميذها الأثرياء و خشيتها من فقدان منصبها . وٳلى جانب الإساءة المعنوية ،كان جاف أيضا عرضة إلى العنف الجسدي ورغم روح الحب والتآلف التي كانت تعم بيت “جاف” فلقد ٲخفقا والداه في التخفيف عنه وذلك لعدم معرفتهما السبب الحقيقي وراء تغيره المفاجئ إذ أصبح هذا الأخير عنيفا و نزقا خاصة تجاه أخيه الصغير” بوبي” الذي كان يحاول دائما أن يسريّ عليه بتقديم الهدايا له .
معظم الشّخصيات في الرواية ازدرت “جاف” بعد سماع خبر سرقة الطوابع البريدية ماعدا العجوز الألماني السيد “ساندت” رغم تأكده من ٲنه الفاعل حتى ٲنه حاول بطريقة غير مباشرة مساعدة الصغير في إعادة ما سرقه لصديقه ويبدو أن ما جمع العجوز و الصّغير من صداقة هو شعورهما بالغربة . و لقد عمل “جاف ” بنصيحته ولكن رغم إعادة الطوابع البريدية لويلي سرّا لم يتغير من الأمر شيئا. صحيح ٲنه استعاد صداقة ويلي و لكنه لم يتخلص من تبكيت الضمير لٲنّه بسببه اتهم رونالد بسرقة الطوابع ا البريدية لأنه كان قد وضعها في ظرف التقطه من على الأرض كان يحمل اسم رونالد دون أن يتفطن إلى ذلك وهذا يفسر محاولته في درء التهمة عن ‘رونالد’ رغم تشفيه لعجرفته و إساءته له المتكررة .
يُصرّ “جاف” على براءته رغم سرقته للطوابع ولا نفهم سبب فعله لذلك فلقد كان يحب “ويلي” حتى ٲنه أهداه ٲلبوم طوابع في عيد الميلاد عندما عاده و هو مريض فنتساءل هل ما فعله “جاف” كانت رغبة منه في امتلاك شيئا يملكه الآخرون و لا يملكه هو فقد كان ٲلبوم ويلي يحمل طوابع بريدية نادرة .أم ٲنه كان يريد ٲن يمتلك شيئا لا يملكه الجميع كنٙدبته ؟أم أن ما تعرض لم من ظلم و سوء معاملة صنع منه وحشا صغيرا فلقد كان “جاف ” طفلا يحب الآخرين ومستعد لفعل أي شيء لإسعادهم لهذا كان يحب تقديم الهدايا .
رغم حداثة سنّه، يطرح “جاف” أسئلة وجودية محيرة تجعل القارئ يبحث عن أجوبة لها ولكن لا يحير جوابا مثل أين كان الربّ عندما تعرض “جاف” للحادث الذي شوه وجهه؟ وما سبب بلاء “جاف” وهو صغير بريء لم يقترف ذنبا يعاقب من ٲجله بتلك الفظاعة ؟ ولماذا لم تتحقق المعجزات الثلاث التي كان ينتظرها “جاف” وفي تحقيقها خلاصه ؟ لقد آمن “جاف” و كل ما يتطلب تحقق المعجزات هو الإيمان فلماذا لم تختف نٙدبته ولم تعد طوابع البريدية إلى مكانها في ٲلبوم ” و يلي” و لم يشف أخاه الصغير؟ هل الإيمان وحده كفيل بتغير قدر الإنسان أم أن هناك أسرار أخرى في الوجود لا نفهمها ولا نقدر على فهمها تحدد مصير الإنسان؟ مع ذلك يفهم “جاف” ٲن لكل شخص ندبة . بعض الندوب ظاهرة كالندبة على شفته العليا وأخرى خفية مثل ٲثر الجرح الذي خلفه موت الأب والأخ على”ويلي” وموت أخيه “بوبي” على والديه. بعض ندوبنا تزول مع مرور الزمن و بعضها يبقى إلى الأبد لا يقدر محوها الزمن و لا الإيمان بوقوع المعجزات لهذا يكمن السلام الداخلي في التعايش معها تعايش الليل مع ظلمته ومع تعايش “الآخر” معنا فمعاناة الإنسان المختلف يسببها رفض الآخر له فرفضه لنفسه مما يزيد من عذاباته و هكذا تنتهي الرواية بموت الأخ الأصغر” بوبي” وبموت أخيه تزداد الندوب في روح “جاف” وهي الأشد ٳيجاعا .
ترجمت هذه الرواية إلى اللغة الانكليزية و هي تُعدّ من الروايات الخالدة التي تتحدث عن الاختلاف ولن تكون الأخيرة حتى يتعلم الإنسان أن اختلاف” الآخر” عنه لا يمثل خطرا على بقائه وٲكبر دليل على أن الاختلاف صانع الجمال هو هذه الرواية فلقد جمع الراوي فيها مكوّنات متنوعة لخلقها فاللغة فرنسية و الأسماء انكليزية و الشخصيات فيها من جنسيات و معتقدات و شرائح اجتماعية مختلفة .طغى التنوع على القصّة فمنحنا هذا قراءة جميلة فالكتابة لا تعدو إلا أن تكون فعلا يكّرس مبدأ جمالية الاختلاف .

*شاعرة وباحثة تونسية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق