ثقافة السرد

الهبوط نحو الأسفل

الزمان – ٢٠٠٤ / المكان – أطراف بغداد

الدكتورة / ناهدة محمد علي

كنت صبياً حالماً ، طيباً حنوناً ومحباً لمساعدة الآخرين وطالباً مجتهداً ، مررت بسنوات الثانوية بنجاح ثم تعديت السنة الأولى ثم الثانية بالجامعة . كان والدي خياطاً ماهراً يعود إلينا كل مساء بكل مستلزمات الطعام وما نحتاجه من لوازم البيت .
وبعد الإحتلال تغيرت حياتنا وأصبح والدي يعود مهموماً فارغ اليدين . وذات مساء سمعنا دوي الطائرات التي كانت تقصف بشكل عشوائي على أحياء بغداد ، شممنا رائحة الحرائق على مدى ثلاثة أيام ، وكان والدي يذهب كالمعتاد إلى متجره ، وذات يوم قبيل المساء جاء أحد أولاد الجيران مهرولاً إلينا مرعوباً وقائلاً : لقد إحترق متجر والدك . هرولنا جميعاً مع مجموعة من الجيران ووجدنا المتجر لا زالت أعمدة النار والدخان تتصاعد منه ، بحثنا عن والدي بين الأثاث المحترق ووجدناه متفحماً وهو منكب على ماكنة الخياطة ، كقطعة خشب يابسة . كان يوم أسود لم أنسه أبداً ، وأصبحت مضطراً للعمل ، فتركت دراستي وأغلقت على جميع أمنياتي وأحلامي . كانت أمي متبرمة دائماً تندب حظها العاثر وتردد دائماً ( ترملت وأنا شابة ، تزوجت وأنا صغيرة وفقدت المعين وأنا لا أزال شابة ) ، كنا نحاول إرضاءها بلا جدوى . تقدم لخطبة أمي ذات يوم أحد أولاد عمومتها ، فقبلت به بدون مشاورتنا ، ولم نستطع أن نثنها عن قرارها .
وجدت نفسي فجأة مسؤول عن ثلاث أخوات وأبواب العمل كلها مسدودة . كانت رائحة الموت تحيط بنا من كل جانب ، كنت كلما دخلت إلى البيت أشعر بقشعريرة باردة ، وكنت أشعر بأني غير قادر على إعالة أخواتي ، بحثت طويلاً عن عمل ثابت إلا أني لم أجد إلا أعمال السخرة المؤقتة ، إضطررت أحياناً أن أعمل حمالاً ثم منادياً على سيارات الإجرة وأحياناً في بعض الورش ، لكني لم يكن لدي المال الكافي لأرتياد المقهى ولرؤية أصدقائي القدامى . تعرفت ذات يوم على صديق جديد يتميز بثيابه الأنيقة ورائحته الزكية ، ظننته أحد أولاد الأغنياء ، وإقترب مني قبل أن أحاول الإقتراب منه ، قال لي أنا أعمل في شركة وهذا هو رقم الهاتف . في اليوم التالي ذهبت على العنوان فوجدت عاملاً يقف على الباب تأكد من إسمي ثم أدخلني إلى الداخل ، إلتقيت بصاحبي في الداخل الذي دلني على الشخص المسؤول ، ثم شرح لي هذا المسؤول برنامج عمل الشركة وقال البرنامج يقوم بإلتقاط خادمات للمنازل ومربيات ، وعاملات للترفيه والمساج ، لم أكن أعلم ماذا يعني ذلك .
بعد أن عدت إلى البيت إتصلت بصديقي لكي يشرح لي فحوى ما كلفت به ، فقال لي الأمر سهل سنعرض عليك أرقام تلفونات عديدة وعليك أن تُقنع الفتيات بالعمل معنا . وبدأت بممارسة عملي ، وإستطعت أن أجتهد في ذلك ونجحت في تقديم قائمة جيدة من الخادمات والمربيات . بعدها قابلني الشخص المسؤول وذكرني بتقصيري في مجال تقديم عاملات الترفيه المنزلي والمساج ، وقلت : كيف أقنعهن بذلك فقال لي : هذا شغلك .
تشاورت مع صديقي وسألته ماذا تعنوه بعاملات الترفيه المنزلي . قال لي لقد وثقت بك إسمعني جيداً ، إن الإسم المعلن لهذه الشركة هو غير الإسم الحقيقي فنحن نتاجر بالفتيات ، وضحك طويلاً ثم قال : المهم هذا وأخرج لي محفظة نقوده الممتلئة . لم أبتسم وأخذت أحدث نفسي إنها واجهة إذاً للأعمال الوسخة ، وما هذه الشركة إلا شركة دعارة تتصيد المحتاجين من أمثالي . بعدها ذهبت إلى السوق لأشتري لوازم البيت ولوازم الطعام ، أخرجت محفظتي ووجدتها مليئة بالنقود ، ترددت بإخراج الأوراق المالية منها ، وشعرت بأنها قد توسخ يدي ، وهممت بالعودة إلى البيت فارغاً ، لكني تذكرت وجوه أخواتي الجائعات ، كما تذكرت إيجار المنزل ، وطأطأت رأسي إلى الأسفل ، كان هذا أول سقطة لي نزولاً عند مخاوفي من الجوع ، فأينما وجهت وجهي أرى المتسولين من حولي يصرخون ( من مال الله ) ، لم أجرؤ على أن أسحب ورقة واحدة لأعطيهم إياها ، وعدت محملاً ومحزوناً إلى البيت .
تعودت على العمل لهذه الشركة ، وبدأت أفقد رويداً رويداً معنى كلمة الشرف ولم يعد لها معنى لدي وأصبحت أرى نفسي محظوظاً لحصولي على هذا العمل ، حينما أرى ما يحصل بكل من حولي ممن فقدوا المال والوظيفة والبيت ، وأخذت أتشبث بما لدي .
توطدت العلاقة مع صديقي وأصبحنا نخرج سوياً وندعو أحدنا الآخر .
ذات يوم دعوته إلى البيت فتعرف على أخواتي ، وبعد أن أكل طعامهن أصبح يطري رقتهن وجمالهن ، ثم قال لي هامساً يا صاحبي إن لديك ثروة ، قلت وأين هي ، قال : هنا في أخواتك ، لم أشأ أن أصدق وتظاهرت بالغباء ، قلت : وكيف هذا ، قال سيعملن معنا ، فكر في الأمر ، وخرج مسرعاً وكآنه يتسابق مع غضبي . وفي اليوم التالي لم أشأ الذهاب إلى الشركة ، وبعد أيام قليلة رن جرس الهاتف تعرفت على صوت مسؤول الشركة يأمرني بالحضور إليه ، ترددت بالذهاب لأني أعلم ما سيطلبه مني ، ثم إنتبهت إلى شحة النقود المتبقية لدي ولبست ملابس متثاقلاً ، كان قلبي يدق بسرعة شديدة وددت لو يتوقف لكي أنفض عن كاهلي مسؤولية أخواتي ، لكن قدماي تحركتا إلى الخارج ، ثم صعدت إلى السيارة التي سلمتني إياها الشركة وتحركت نحو الشركة . وبعد لقائي بالمسؤول ، طلب مني بإبتسامته المعهودة أن أسترخي وأرتاح وقدم لي قدحاً من الشاي ، وقال لي لدي مشروب ، هل ترغب بالشراب ؟، قلت له لا ليس بالنهار ، ثم بادرني بشكل مفاجيء قائلاً : لما رفضت ، قلت له مذهولاً رفضت ماذا ، وكنت أعلم تماماً عن ماذا يتساءل ، لكنني تمنيت أن يكون تساؤله عن شيء آخر ، فقال : ما العيب في هذا العمل ، وهل هناك أعمالاً أخرى تراها من حولنا ، ثم قال : أنا أيضاً أشرك أخواتي في هذا العمل ، وهن الآن كالأميرات ، لا أحد يتجرأ بالحديث عن شرفهن . لديك مهلة إلى يوم غد ، إتصل بي على هذا الرقم . إتجهت نحو السيارة ساحباً قدماي سحباً ورميت بنفسي على المقعد وكأني كنت أمشي اليوم بطوله . بعد وصولي إلى البيت نظرت بوجوه أخواتي وقررت أن أخبرهن ، وبعد العشاء أخبرتهن ، فصرخن صرخة واحدة ، وذهبت مسرعاً إلى غرفتي وكأني إنحدرت من جبل إلى هوة سحيقة ، لم أتصل بالشخص المسؤول ، وفي الصباح كانت وجوه أخواتي غاضبة وشاحبة ، فهربت منهن مسرعاً وتوجهت نحو الشركة فأوقفني في الباب الحارس المسؤول وطلب مني مفتاح السيارة ومنعني من الدخول إلى المبنى ، فهمت ما يعني هذا . عُدت أدراجي إلى البيت وأنا أرتعد خوفاً ، خفت أن أجوع وأخواتي أو أُرمى في الشارع من قبل المالك ، أو أضطر للعودة للعمل في ورش الحدادين أو النجارين ، ولا أستلم منهم غير ثمن الخبز والعدس ولا شيء غير ذلك ، وخفت أيضاً من أن أتنقل من عمل إلى آخر وكثيراً ما يجري الإستغناء عني لأسابيع كثيرة ، فقررت أن أواجه أخواتي ثانية ، وبعد أن إنتهى العشاء أمرتهن بأن يطعنني بذلك الأمر ، فصرخن ثانية وأخذن بالبكاء ، ثم ذهبت الإثنتان إلى غرفتهن ولم أعلم أين ذهبت الثالثة وإختفت فجأة . بحثت عنها في أروقة الدار جميعاً ، كنت أتمنى أن أجدها في الحمام تغسل دموعها ، لكني لم أجدها ، ثم قررت الصعود إلى سطح الدار لعلي أجدها هناك ، صعدت السلم بهدوء لكي لا أثير فزعها ، حاولت فتح باب السطح فوجدته مقفلاً ، تيقنت حينها من أنها على السطح ، حاولت فتح الباب مراراً ثم قررت كسره وكان باباً خشبياً قديماً فكسرته من الدفعة الأولى ، دخلت إلى السطح فأوشك قلبي أن يتوقف ، تحولت حنجرتي إلى صخرة جافة فلم أستطع أن أصرخ أو أبكي كان كل ما أشعره هو الهلع والرعب مما رأيته ، حاولت فك الحبال المربوطة بين جدارين التي شنقت أختى الصغرى بها نفسها ، خلعت الحبل عن رقبتها لكنها كانت قد فارقت الحياة ، وبقيت عيناها جاحظتان كأنها تحدق بي بغضب ، تركتها مُسجاة على الأرض وهرولت إلى السلم ، ظلت عيناها المحدقتان تحيطان بي من كل جانب ، تمنيت لو أن السلالم لا تنتهي أبداً ، وزمجرت في أذني صرخات أبي حينما كان يقول : ماذا قلت لك !؟ ، ألم أقل لك إفتح كتبك لأنها أفضل ما عندك ، ألم أقل لك أن الملابس الأنيقة هي ليست لنا وأفضل منها الأخلاق ، وظل يكرر ألم أقل . وبرقت أمام عيني عيناه الغاضبتان . مرت بقربي بسرعة إحدى أختاي ثم سمعت صراخها على السطح ، أصبحت الأرض تدور بي لكني لم أتوقف من النزول . مرت في خاطري بشكل سريع صور عديدة لذكريات قديمة وكأنها صحوة ما قبل الموت ، تذكرت صورة منارة الجامع المضاءة في ليل بغداد ، وتذكرت حينما كنت صغيراِ ودخلت إلى بيت صديقي ( عبد الأحد ) ووجدت صورة جميلة ( للسيد المسيح ) في صحن الدار ، وكيف كنت أمرر أصابعي الصغيرة عليها بحب ومودة . عدت فجأة إلى حاضري وإستمريت بالهبوط درجة أخرى . تذكرت وجه الفتاة التي أحببتها في السنة الثانية للجامعة حينما قالت لي : سأتزوج رجلاً غنياً وهو إختيار أبي ، هبطت بعدها درجة أخرى من السلم ثم أوشكت على السقوط بعد أن شعرت بدوار قوي في رأسي ، تمسكت بحافة السلم وتمنيت لو أن هناك طريقاً أو مخرجاً آخر نحو الأعلى ، لكن السلم لا يتجه إلا إلى الأسفل ، تمنيت أن لا أصل إلى الأرض ، وكان هناك درجة أخرى للهبوط ، جلست على هذه الدرجة ومددت يدي في جيبي فوقعت يدي على محفظتي الفارغة من النقود . حاولت أن أهدأ قليلاً وعادت لملامحي قسوتها ، حاولت أن أمسح كل الصور من ذاكرتي وأبقيت يدي اليمنى في جيبي الفارغ قافزاً فوق الدرجة الأخيرة من السلم نحو الأسفل .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق