قراءات ودراسات

” الدولاب ” لأحمد العبري .. ليس أطرف من جدّة القديم (1)

د. رضا الأبيض*

في الوقت الذي اختار فيه أغلبُ الشعراء العربِ المعاصرين أن يكتبوا شعر التفعيلة والشعر الحرّ والنصّ غير ملتزمين بسنن القصيدة التقليدية وبحور الخليل وبالقوافي وحروف الروي ، بل إنّ بعضهم رأى في مثل هذا الالتزام وجها من وجوه أسر الماضي والالتزام بما لا يوافق روحَ العصر ونبضه ، اختار آخرون، وإن بدوا قلّة، أن يكتبوا الشّعر المعاصر على المثال القديم إيقاعًا ومعجما وصورًا ، ولم يروا في ذلك عائقا يحول دون الانخراط في الشّعرية المعاصرة التي تتسع ، في رأيهم ، إلى كلّ الاتجاهات والاختيارات ..
ويعدّ أحمد بن هلال العبري ، الشاعر العماني (2) أحد هؤلاء ، إذ نشر عددا من القصائد و أصدر عددا من المجموعاتِ بدا فيها صوتا قادما من قديم معتّق ، يعبّر عن حاضر متوهج في آنِ.
والحقيقة، إن الغاية من هذه المقالة القصيرة ليست مناقشة قضية القديم والجديد، وقد كانت موضوعَ خصوماتٍ نقدية منذ خمسينيات القرن العشرين ، وإنّما غايتها الوقوفُ على بعض مظاهر من شعرية قصائد العبري في مجموعته ” الدولاب” التي نشرتها دار الغشام” سنة 2016، لتضاف إلى مجموعاته الأخرى : هنا مرّوا ، و عباءات الفراغ، ولحاجة في نفس أحمدَ ..
فما هي أبرز اختياراتِ العبري الإيقاعية؟ وما هي دلالات ذلك ؟
وزع الشاعر قصائده الاثنتين والثلاثين إلى خمسة أقسام معنونة هي: 1- الحقيقة 2- الأمكنة 3- الوصالُ 4- أمّي 5- الغزالُ .. امتدت كلّها على مائة وعشرين صفحة من الحجم المتوسط.
وتتجلى الاختيارات العروضية فيها على النحو التالي:

يفصح هذا الجدولُ عن أنّ مجموعة ” الدولاب” تضمنت 32 قصيدة احتوت 741 بيتا، جاءت على 8 بحور ، وعلى 11 حرفَ رويّ.
ويمثل عدد 23.15 بيتا معدّل طول القصائد، وهو ما تحقق في 14 قصيدة.
وتعدّ القصيدة عدد 24 ” أمّي .. شروق القمر ” أطول القصائد إذ احتوت 52 بيتا. أما القصائد القصيرة فقد احتوت 10 أبيات.
ولقد جاءت 11 قصيدة على الكامل احتوت مجتمعة 275 بيتا وهو ما يمثل 37.11 من مجموع الأبيات . تليها القصائد التي جاءت على البسيط وهي 9 واحتوت 209 بيتا.
وعليه فإن الأبيات التي جاءت على الكامل والبسيط تمثل معًا أكثر من 65 ./. من مجموع أبيات هذه المجموعة الشعرية. وهي نسبة ذات دلالة في تأكيد انخراط شاعرنا في الاتجاه العام الذي ميّز الشعر القديم على الأقل من الناحية العروضية..
ولقد توزعت هذه القصائد التي عددها 20 على حروف الرويّ التالية :

إذا كانت الهيمنة على مستوى البحور الخليلية للكاملِ والبسيط ، فإنّ الهيمنة على مستوى حروف الرويّ للنون واللام والدال إذ يتكرر كلّ حرفٍ ( صوت) من هذه الحروف في هذه المجموعة 3 مرات.
وعليه فإنّ المهيمن بالاعتماد على ما تقدّم هو اختيار الكامل بحرًا والنون رويا. وهو ما تحقق في ثلاث قصائد :

أحلى الأماكن إذ تلوح الأمكنة.. سكن الفؤاد ، فهل رأيتم مسكنه؟

تحتوي هذه القصائد مجتمعة 82 بيتا. أي ما نسبته 11.06 ./. من مجموع الأبيات، وهي موزعة على القسمين الأول والثاني.
وتأتي في المحل الثاني القصائدُ التي جاءت على البسيط واختار لها اللام رويّا، وهي:

تحتوي هذه القصائد مجتمعة 83 بياتا. وتمثل النسبة ذاتها. وهو ما يعني أن المجموعتين تمثلان معا حوالي 22 ./. من مجموع أبيات مجموعة ” الدولاب” . وهي نسبة هامة ذات دلالة.
إنّ المهيمن في مجموعة العبري على مستوى اختيار البحور وحروف الروي هو مثلما أفصحت عن ذلك الجداولُ السابقة: الكامل والبسيط بحرين، والنون واللام حرفين ( أو صوتين ) .
وأطول هذه القصائدِ كما ترى هي قصيدة ” زنجبار المجد ” التي تضمنت 43 بيتا ، والتي أدرجها ضمن قسم “الوصال”. وهو قسم تضمن 8 قصائد تغنى فيها بمدن وأماكن في مصر وزنجبار وليبيا والسعودية وتونس واليمن ولبنان والأردن..

تمثل إذا ” زنجبار المجد” في مجموعة ّ الدولاب ” قصيدةً نموذجية من جهة كونها جاءت على أكثر اختيارات الشاعر تكرارًا سواء في ما تعلق بالبحر أو بحرف الروّي ، ومن جهة كونها الأطول ضمن هذه الاختيارات.
ولعلّ التوقف عندها يكشف لنا بعض ملامح شعرية القصيدة عامّة عند أحمد العبري.
التصدير: عادة ما يستهل العبري قصائده بتصدير يشير فيه إلى مناسبة قول القصيدة أو يكون مناسبة لتحقيق وظائف أخرى كأن يعبّر عن شعور أو يبدي موقفا. من ذلك قوله في تصدير قصيدة “الدولاب ” : ” ربّما لو خيّروا الدواليب لاختارت التوقف عن الدوران.. فمتى تتوقف دواليب المهانة؟ ” ( ص5)، أو قوله في تصدير ” يمن المحن” : ” إلى اليمن في محنته التي يعيشها بشقاق بين الأهل، وخلاف بين الأشقاء” (ص 75)
ولقد اختار لـ ” زنجبار المجد” التصدير التالي : ” قصيدة كتبتها ما بين أوّل مسجد شيّده أحفادُ عبد وجيفر إبني الجلندي وبين بيت المتوني في زنجبار، حيث عبق آثار الأجداد ” ( ص56).
إن تدبّر هذه العتبة يكشف عن أنها تحقّق بعض الوظائف التي يمكن ان نجملها في :
– تجنيس القول ، إذ يصف الخطاب بكونه ” قصيدة” .
– الإشارة إلى مكان كتابتها : ” ما بين … وبين .. في زنجبار ”
– الإخبار : ” شيّده أحفاد .. ”
– وصف المشاعر : ” حيث عبق آثار الأجداد ”
التأريخ و ذكر المكان : غالبا ما ينهي العبري قصائده بالإشارة إلى تاريخ الكتابة ومكانها . والناظر في هذه المجموعة التي طبعت سنة 2016 يلاحظ أن القصائد فيها حملت التواريخ من 2008 إلى 2015 .
ومن الإشارات الزمانية ما اكتفى فيها العبري بذكر السنة، ومنها ما كان أكثر دقة إذْ ذكر اليوم والشّهر والسنة.
وإذا كانت جلّ القصائدِ مؤرخة، فإن الإشارة إلى المكان لم يكن لها الحضورُ نفسه في المجموعة.
ولقد اختار العبري أن يذيّل قصيدته هذه بنصّ قصير هو: ” 2013 م- زنجبار” ، فذكر الزمان والمكان. وتلك إشارات إذا جمعناها إلى التصدير شكلت معه خطابا مصاحبا مهمّا لأنه يضيء للقارئ بعضا من سياقات القول الشّعري ويساعده على تمثّل الظروف المحيطة به وبعض مقاصده ..
ويبدو أنّ العبري كلّما استعد إلى زيارة مكان أو زاره ، إلاّ وتدفقت على لسانه قصائدُ تعبّر عن معنى الوصال والشوق والحنين .. ولذلك كان اختياره لفظ “الوصال” عنوانا للقسم الثالث مناسبا، في رأينا، للتعبير عمّا نشأ بينه وبين هذه الأمكنة والأقطار من علاقات حبّ وإعجاب وسرور.
ولشدّة هذا الوصال اعتبر شاعرنا قصائده ناسخة لما قيل من قصائد قبلها في حبّ هذه الأمكنة حين يقول في ” بجمال يوسف شاهده”:
للنيل ألف قصيدة، وقصيدتي .. نسخت قصائده، فكانت واحدة
وفي قصيدة ” تونس الحرية” التي كتبها سنة 2011، يدعو من أراد أنْ ” يلاقي حياة العزّ ” أن يكون تونسيّا. الدالة على عمق عشق العبري الأمكنة وشدة حنينه إليها بعد الفراق ..
الهوامش: تخلو قصيدة ” زنجبار المجد ” من هوامش أسفل المتن. ولكننا في قصائدَ أخرى نجد الشاعر يستغل الحواشي لشرح مفردة أو للتعريف بعلم أو معلم أو الإشارة إلى أصل المقتبس .. إلى غير ذلك من الإفادات التي صارت نصا يرافق المتن ويساعد على فهمه..
بنية القصيدة : والناظر في ” زنجبار المجد ” التي اعتبرناها قصيدة نموذجية في هذه المجموعة يمكن أن يهتدي إلى تقسيمها على النحو التالي:
المقطع الأول : يمتدّ من البيت الأول إلى البيت الثالث. وهو استهلال وصف فيه الشاعرُ علاقة الحبّ بينه وبين زنجبار التي افتتن بها فلم يقدر على أن يفك عنه قيد فتنتها وسحرها. ويعبّر الشاعر في هذا المقطع عن حيرته موظفا أسلوب الاستفهام في قوله في المطلع
ماذا سأتركُ أم ماذا سأحمله .. والقلبُ كلّ الذي لاقاه لذَّ له
و موظفا صيغة الفعل صريحا في البيت الثاني في قوله ” وحرتُ في أمر ..” ، كاشفا عن أسباب هذه الحيرة واصفا صعوبة الفراق وقد أحاطته زنجبار بكل ما رغب فيه واشتهاه .. .
أما المقطع الثاني فيمتد من البيت الرابع إلى البيت الواحد والثلاثين.
وقد استهله الشاعر بحوار بين ” أنا” الشاعر وزنجبار ، طلبت فيه الحبيبة من حبيبها أن يصفها ، فذكر عجز حروفه على أن تحيط بوصف نورها . قال : قالت : فصِفْ وجه محبوبٍ، فقلت لها : … وكيف وصفي نورا أنت مِحْمله
بيد أن هذه الدهشة وهذه الحيرة لم تمنع الشاعر من أن يعيد كتابة تاريخ زنجبار ” مذ سار في اليمّ قبطان الهوى فرحا ..” ، فيحكي تاريخ فتحها وما شهدت من غزواتٍ ومعارك انتهت كلها بخيبة الغازين ، ويحكي تاريخ سلاطينها ومجدهم وآثارهم ، وانفصالها عن عمان .. في مقطع امتزج فيه الشعر بالتاريخ والجغرافيا ، والوصف بالافتخار ، والحاضر بالماضي ..
لقد شكل التاريخ مادة أساسية في بناء هذا المقطع الفخري . ليس التاريخ بما هو أقنعة ورموز مثلما نقرأ في قصائد كثيرة من الشعر المعاصر ، بل بما هو خطاب ” واقعيّ” ، حاول الشاعر أن يركب إليه في عبارة شعرية فخمة وزجلة تستدعي إلى ذهن المتلقي عيون الشعر القديم إيقاعا وصورا …
ولما كان من المستحيل استعادة كلّ الوقائع والأحداث نجد شاعرنا قد انتخب من الأحداث والمشاهد ما رأى أنها تمثل علامات دالة على قيمة تاريخ زنجبار ومجدها وجمالها ، فتعانق التاريخي بالطبيعي ليشكلا معا صورة لبلاد سجدت لها ، كما قال، وانقادت نواحي الأرض.
وفي المقطع الثالث الذي يمتدّ من البيت الثاني والثلاثين إلى آخر القصيدة نقرأ وصفا لأحد الصروح وما أصابه بسبب الاهمال. وننصت إلى عتاب ورجاء ..
ثلاثة مقاطع متماسكة بحرا وقافية وعروضا و أشكال من التكرار ، على مستوى الألفاظ المفردة و التراكيب ، وصور تبدو لأول وهلة ” تراثية ” تذوب من خلالها أنا الشاعر في القديم من الشعر ، ولكنّها وقد تضمن إشارات إلى هنا والأن ، تكون قد بعثت هذا القديم جديدا وطريفا يكفيه أن يكون ” شاذا ” على ما صار من مألوف العصر والشعر.
ختاما، ليست ورقتنا هذه سوى تقديم سريع لمجموعة الشاعر العماني أحمد العبري أردناه احتفاء بالكتاب وترغيبا في قراءته والاهتمام به وبسائر مجموعات العبري الشعرية اعتقادا منّا أنه يمثل صوتا متميّزا في ساحة الشعر العربي المعاصر ، تليد العبارة رقيق المشاعر …
—-
(1) العنوان الفرعي ” ليس أطرف من جدّة القديم ” عبارة للكاتب التونسي محمود المسعدي.
(2) أحمد بن هلال العبري خريج جامعة السلطان قابوس ، ماجستير تربية 2004. له العديد من المشاركات الشعرية والنقدية في السلطنة وخارجها . شارك في دورات مهرجان الشعر العماني وأحي أمسيات شعرية وكتب كلمات عدد من اللوحات ، وفاز بعدد من الجوائز.. وشارك في لجان تحكيمية في مسابقات شعرية وأدبية. وهو عضر مجلس الإدارة التأسيسية للجمعية العمانية للكتاب والأدباء، وعضو في الجمعية ، وفي جمعيات أخرى …

*كاتب وباحث أكاديمي تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق