ثقافة المقال

الشغف مِلْح الحياة

بقلم سهام حمودة*

شٙغٙف كلمة ذات ثلاثة أحرف و لكنّها تُخبّئ بداخلها سرّ الوجود فالشغف أول عتبة من عتبات معبد الحب الذي هو إكسير الحياة في هذه الحياة ٙ وليس ذلك فحسب فالحروف ذاتها تحمل أسرار ا إذ يرى بعض علماء اللّغة والمتصوّفة الباحثين أن لهذه الحروف دلالات ٙ فحرف” الشين” حرف مهموس وقد اعتبرت النقاط الثلاثة دموعا تساقطت من عين عاشق ٙأمّا حرف الغين فقط اتفق على ٲنه يرمز إلى الغموض و الخفاء والعدم أيضا لٲنّ صوت الغين يشبه غرغرة الموت ٙفي حين اقترن حرف الفاء مع ظهور وتشكل الصٌوفية بفاء الفسوق والفناء ومن ناحية أخرى بفاء الفردوس و الفلسفة .
الشٌغف هو ملح الحياة الذي سيمنحنا حياة طويلة و صحية وسعيدة فكل المعمّرين يعزون طول عمرهم و صحتهم الجيدة إلى الشغف فهو الريشة التي يلونون بها كل مشهد من فيلم حيواتهم . لم تنتشر الٲمراض إلا بغياب الشغف من الحياة .
يموت الناس باكرا قبل أوانهم بموت الشغف فيهم حتى يلتقي موت أرواحهم مع موت أجسادهم فغياب الشغف عدم وفناء
ولن تنبعث روح القلب إلا بانبعاث الشغف .
المضحك في الأمر أن النّاس كثيرا ما يربطون الشغف بحبهم لرجل أو امرأة ولكن الشغف يحتل كل ركن من حياتنا مع ذلك لا يمكن أن ننكر أن حبنا للأشخاص قد يكون مغذٌيا لذلك الشغف .
دائما ٲربط الشغف بالطاقة الايجابية. لست متأكدة إذا ما كان الشغف هو مولّد الطاقة الايجابية أم أن الطاقة الايجابية هي المولدة للشغف ولكني أوقن جيدا أن وجود الشغف في كل ما نفعله سيخلق حتما جوا من النشاط والسعادة والنجاح ولن يكون تأثير ذلك علينا فقط بل على الأشخاص المحيطين بنا وهو ما يسمى بالذبذبات الايجابية وكما يقول الإمام الحسن البصري ” ما يخرج من القلب يخترق القلوب وما يخرج من اللسان لا يتعدى الآذان .”
فما هو الشغف ؟ شٙغٙف : مصدر شٙغٙفٙ
شغَفَ يَشغَف شَغْفًا فهو مشغوف والمفعول شاغف وشغفا
شٙغِفٙ بحبه : أحبه وولع به ،شٙغِفٌ بالقراءة
،وشِغاف القلب هو حجابه و غلافه . شغف الْحُبُّ قَلْبَهُ : أَصَابَ شَغَافَ قَلْبِهِ شَغَفَهُ الْحُبُّ
شغف اليَبِيسُ : نَبَتَ فيهِ الأَخْضَرُ
نستطيع أن نستنبط من هذا التعريف اللغوي معْنا للشغف فهو لحياة الإنسان مثل الشغاف للقلب فهو حجابها و غلافها وبانعدامه يفقد الإنسان شعوره بالاستمتاع بالحياة والمؤشّر على ذلك هو مشاعر الرتابة والخمول والتعب فالشغف مثل المطر يزهر كل ما يلمسه.
الشغف هو أن نفعل كل ما نقوم به بحبّ وتفان مهما كان ذلك العمل صغيرا أو تافها بالنسبة لنا . أمٌي طباخة ماهرة وكل ما تطهوه زكيّ الرائحة و طيب المذاق. أحيانا اسمع أمي تدندن لحنا وهي تطهو ربما ذلك السر في طعامها اللذيذ جدّا.لا تطبخ أميّ بدافع الواجب بل حبّا. يكفي أن تضع بعض حبّات الشغف لتصبح رئيس الطباخين في العالم ٙ.هل حدث و أن ارتديت قميصا أو بنطالا أو ساعة و حظيت بيوم رائع جدا؟ ٲحيانا تصادفنا أشياء جميلة ونحن نرتدي سترتنا البيضاء أو وشاحنا الصوفي حتى أننا نقرر ارتداءه في المواعيد المهمة ليجلب لنا الحظ . أعتقد أن السّر في ذلك هو أن تلك القطعة من الملابس مشحونة بطاقة ايجابية تحولت إليها إما من صانعها أو من قام بغسلها أو كيها . ذلك صحيح حتى غسل الثياب يجب أن يكون بشغف. ٲسمع كثيرا من المتزوجات تتذمرن من الأعمال المنزلية والزوج و الأطفال وفي الحقيقة يعصف برٲسي أسئلة عديدة عند سماع ذلك : إذا كنت لا تحبينه لماذا تزوجتيه إذن ؟ كيف أنجبت منه أطفالا إذا كنت لا تحبينه بشغف ؟ إذا كنت تشعرين بالتعاسة لماذا لا تضعين حدا لبؤسك الذي تسبب في بؤسه و بؤس أطفالك وتبحثين عما يسعدك ؟ فأين المتعة من البقاء في منزل هجره الشغف أو مع زوج لا تحبه يشغف أو أطفال لا تتحمل عصيانهم بشغف. لطالما ربطت الزواج بالشغف لكن للأسف في عالمنا الغربي بعض الزيجات لا تعدو إلا أن تكون جزءا من قانون الطبيعة لاستمرار الجنس البشري .
فلنتعلّم من راقصة الباليه فرغم ما تشعر به من ٲلم و تعب فشغفها للرقص يمنح رقصتها جمالا و سحرا. بالشّغف لن نشعر بالملل و لا بمرور الوقت لٲن ما نفعله سيحتل كل حيز من تفكيرنا و روحنا.
الشّغف هو ما نحتاج إليه لنستعيد قدرتنا على تذوق الحياة فلقد صارت كلّ الأيام تشبه بعضها لغياب الشغف و إن أصاخ قلب روحنا الشغوف السّمع سنكتشف أن لكل شيء في هذا الوجود روح تضجّ بالحياة.

*شاعرة وباحثة أكاديمية تونسية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق