ثقافة السرد

صفحات نفس -6-

مامون احمد مصطفى

مالي أرى الشحوب يقتحمك ؟ الم تكن قبل قليل تزرع نظراتك بنظرات أخ الميت ؟ وكأنك تود أن تقوده نحو القبر ؟ لقد كنت أرقبك من بعيد ، بنظرات الجنين الذي اعرفه ولا تعرفه أنت أو غيرك ، واستطعت أن أرى انك اضطررت لإنزال نظراتك نحو حذائك ، قل لي ، كيف شعرت وأنت تحاول أن تضع حذاءك بين معادلة الموت والحياة ؟ هل شعرت بالنشوة والانتعاش ؟

ربما ، ولكني أظن انك كنت تغذي شعورا عارما بالتشفي ، بصناعة النصر من حذاء ممزق مثقب ، لتخفي بذلك عجزا مؤصلا في ذاتك ، فالجبان اشد رعبا ووحشية حين يمتلك قوة لم تكن بين جنبيه في يوم من الأيام ، لأنه يتحول إلى شخصيين ينتميان إلى مكونات متناقضة متضاربة ، مكونات الجبن والسيطرة ، وهما أمران عسيران على النفس والعقل والسيطرة والتحكم ، خاصة في لحظة الشعور بتدفق الوهم بان حاملهما تحول من مكون الجبن إلى مكون القدرة والسيطرة .

أنت كنت كذلك لحظة كان الجريح يتوسل جبنك بشجاعته التي تعرف عنه قبل الوصول إلى الإحساس باقتراب الموت منه ، فتحولت بشعور من وهم مغذى بالوهم ، إلى الشعور بقدرتك على انتشاله من رعب الموت وهوله ، لكنك كنت في تلك اللحظات ، ودون أن تدري ، اشد جبنا من التحرك نحو جسد جريح ، ليس انتقاما مما صنع ، وليس رغبة في تعذيبه ، وإنما انتماء للمكون الأصلي في ذاتك .

قلت :- أنت تهذي ، فانا كنت الوحيد القادر فعلا على منحه نوعا من الطمأنينة لو أردت ، ولكني رفضت ذلك ، وقررت أن اتركه يتوزع بين شعور الموت والحياة ، وتماديت بان جعلت قدمي وحذائي يشاركان في صنع الحدث ، لأخبره وقبل وفاته ، بان الحذاء قادر على تقرير مشاعره وأحاسيسه ، وتخطئ أنت إن حاولت أن تنفي ذلك ، وهنا تستطيع استخدام نظريتك بتشابه الأشياء والأزمان مع الملامح والتقاسيم ، بل وتستطيع أن تجزم بان اللحظات والثواني الأخيرة من حياة الميت كانت هي التي تشكل ملامحه وتقاسيمه ، وحتى أنفاسه الأخيرة .

قال :- الفرق بين أن تكون قادرا على الاعتراف بما تملك من مكونات ، وبين محاولتك جعل المكونات أشياء يمكن تبريرها ، لتغطي عجزا ملاصقا لكل ما تملك من حواس ومشاعر ، هو ذات الفرق الذي أخبرتك عنه بنظرية تشابه الأشياء والأزمان .

لنقل وعلى سبيل المثال ، أنني استطعت الآن أن أنقلك إلى مساحة جغرافية لم تعرفها في حياتك ، أي إلى موطن يختلف عن موطن طفولتك وشبابك ، وهناك التقيتك كانسان لم تعرفه إلا في تلك الأرض الجديدة ، عن ماذا ستحدثني ؟

عن الشوارع والجدران ، عن الأرصفة والأزقة ، عن مفاصل الأرض التي تقتحمها النباتات والحشائش ، وستستفيض بشرحك ووصفك للمكان الذي غادرت ، استفاضة شوق وحنين ، بل وستزعم عن قناعة وإيمان ، بان ارض الطفولة والمنشأ هي الأرض الحقيقية ، وما خلاها ليس سوى وهم مغلف باسم المكان ورائحة الزمان .

في تلك اللحظات ستحاول وبكل ما تملك من طاقة ، أن تستخرج الحياة والحركة والانبعاث من جوف أرصفة وجدران مرسومة بالمخيلة ، لتضعها كحقيقة فوق الوصف وفوق الحروف ، ودون إرادة منك ستتحول كل الحروف إلى فيض من مشاعر قادرة على النماء والاخضرار ، وسيدخل الزمن عبر لحظات الذكرى ، الزمن الذي انقضى في تلك اللحظات التي مرت فوق ارض عرفتها ، ولكنك لم تعرفها حق المعرفة إلا حين انتزعت منها .

أترى الآن كيف تتشابه الأشياء والأزمنة مع حركات النفس الخافقة؟ وكيف تكون للجدران وجوه وأطراف وأحاسيس ومشاعر، وكيف تتحول الأرصفة والشوارع إلى كائنات تستطيع تنسم الروح والحياة، تماما كأي كائن يخفق بالحياة ويضج بالوجود؟

وهذا تحديدا ما قادني للتحديق بالقبر المفتوح، ومن ثم مقارنة ملامح القبر بملامحك، وأنا لا اشك مطلقا – وهذا للفراسة فقط – بان نفس الفكرة خطرت ببالك أيضا، مع فارق بسيط، انك رأيت ملامح القبر تتشابه مع ملامحي أنا، لكنك لم تفطن، ولم يدر بخلدك أبدا، بان ملامح القبر إنما تحمل رائحتك ونبضك، قبل أن تحمل ملامح الآخرين.

ذلك ناتج عن تكوين متأصل في ذاتك ، عن تكوين الجبن الذي منعك من التقدم نحو الجسد الجريح المطروح فوق رمال كانت تمتص الروح وتشرب الدماء النازفة .

ستحاول أن تخلق تبريرات كثيرة، ولكنك لن تستطيع الخلاص أبدا من فكرة الموت، القماءة والموت لا يلتقيان أبدا، لأنهما مكونان مختلفان عن بعضهما، وان بدا لك انك تستطيع الجمع بينهما.

الموت يأتي بلحظة ما، ليوقف حركة الجسد بانتزاع الروح منه ، يأتي بطريقة غامضة، مجهولة، لينتزع، وبطريقة غاية بالغموض والغرابة ، ما نعرف لفظا بأنه الروح، ولكن دون أن نعرف ما هي ماهية الروح، يأتي ويغادر، تاركا خلفه دموع وأنات وحسرات، تتصاعد بسرعة، لتعود وتختفي بسرعة، ليس هناك تفسير لهذه الحالة، فالرصاصة والصاروخ والغاز والكهرباء والغرق والحرق، هي مظاهر للموت، لكنها لا تشكل حقيقته، إنما حقيقة الموت تكمن في جحوظ العينين الغارقتين برؤية الموت في لحظة فاصلة بين الزفرة الأخيرة وبين الاستسلام له إلى ما لا نهاية.

تلك اللحظة، التي يشهق الإنسان فيها شهقته الأخيرة، هي امتداد اللحظات التي قضاها فوق الوجود، لأنه الوحيد القادر على تصور ما بها من أزمان تغص بالذكريات والتواريخ التي تحاول الالتحام مع بعضها، فتحترق وتتلاشى مع الشهقة التي تحول الحياة بكل ما فيها من صخب، إلى سكون اشد هولا من سكون القبر ذاته.

أنت تحاول الآن أن توحي لذاتك بأنك كنت قادرا على انتشاله من الشعور بالوقوع في حفرة الموت، هذا شيء يتشابه تماما مع كثير من الناس الذين بلحظة ما يشعرون بأنهم قادرين على تنفيذ شيء في حياتهم، ولكن المشكلة أنهم لا يعرفون أنهم غير قادرين، بل يسترسلوا وبإيحاء نابع من مكمن مجهول، بأنهم يملكون من الذكاء والقدرة ما يمكنهم من تحقيق أشياء يظنون أنها ضمن امكاناتهم وقدراتهم.

سأحدثك عن ذلك بنوع من الإسهاب، وليقل النقاد ما شاءوا، فذلك أمر لا يعنيني كثيرا، المهم أن اصل إلى مرحلة الاقتناع باني استطعت أن أقول ما أشاء، دون خوف من ناقد، ودون التأثر أصلا بما سيقول، لان الناقد يبحث في الخفايا عن شيء لا يعرفه أحيانا ، بل يحاول معرفته، وحين يعجز عن اكتشاف ما أراد الكاتب أن يُضمن القصة، يبدأ بخلق استنتاجات وتحليلات، يؤطرها بأسلوب متدفق التدقيق والتفكيك، للفقرة التي قادت الكاتب نحو تلك الفكرة المنبثقة من الأحداث التي استطاع أن يرتبها بشكل متقن، ومن ثم يسترسل في إنشاء فكر جديد مستخلص من الرواية أو القصة، وحين ينتهي يعلن أمام نفسه، قدرته انه استطاع أن يكتشف ما جال بخاطر الكاتب من تأملات، وما تنازع نفسه من احساسات.

قلت لك ذلك، لأني جلست يوما مع احد الكتاب، الذين استطاعوا أن يمزقوا معادلة الظلام والليل بالسهر المتواصل والمضني بين الصفحات والحروف، حتى ذاع صيته وانتشر اسمه، وحين التقيته، كانت فكرة الناقد تلح علي بطريقة ثورية، تضغط بما تملك من مد شعبي على أوتار قلبي المتضخم بداء النفس البشرية، وتتفجر في دماغي بطريقة تقود نحو الألم المتواصل والموصول بالقلق والكآبة، فسألته بطريقة مراوغة لا تخلو من مكر الثعلب، عن رأيه بما كتب النقاد عنه عبر رحلته الطويلة مع الحروف والكلمات.

وكأني أصبت فيه مقتلا، استدار ليواجهني مواجهة الخصم للخصم، وعلى وجهه تنعقد سحابة من نذر مجهولة ، رقصت وجنتاه وارتعشت شفتاه، ووخز بريق عينيه ملامح اللحظة، كشوكة حادة صلبة تنغرس في رحم ما زال يخرج الجنين من ذاته.

ثم ابتسم، وسألني عن معنى ما أريد، فقلت له ما قلت لك سابقا، ضحك، وقال :- سأصدقك القول ، إن الفكرة التي راودتك ، لطالما راودتني، ولكن بأسلوب آخر، أنت تتوقع أن الناقد يحاول استخراج المعنى والإحساس من السطور، وانتبه، أنا قلت السطور ، ولم اقل الأفكار، يحاول ذلك بأكثر من أسلوب، وأكثر من طريقة، لكنه حين يزدحم بالأحاسيس التي تحملها السطور، يتحول دون أن يدري، إلى جزء من النص، بل يدخل الرواية بانتقائه الشخصية التي يريد، ومن هنا ينقسم بذاته إلى نصفين، فهو ناقد جاء يحمل مبضع النقد، وهو أيضا ركنا من أركان الأحداث والشخصيات التي تنتمي إلى العمل .

وهنا، في هذه اللحظة التي لا يشعر هو بانقسامه، يبدأ باستخراج الأحاسيس التي ازدحمت بذاته، بطريقة الناقد والقاص في نفس الآن ، فمبضعه قد تثلم وأصبح حافيا، وما ازدحمت به ذاته أصبح في الحقيقة جزء من تكوينه النفسي والذهني، وان تشارك مع الكاتب في الرؤى والأحاسيس.

ومن هنا ينطلق يشرح ويسرد، يحلل ويفكك، يستخرج ويستنبط، وهو مسوق بكل التفاعلات الذاتية، والتفاعلات الخارجية، وحين ينتهي وينظر إلى ما كتب، يشعر بالرضا المطلق، والقناعة المرسخة، بما أنتج من نقد رصين تمكن من جلاء نفس الكاتب وفكرة.

الطامة الكبرى، انه ليس هناك من يستطيع أن يقنع الناقد بعدئذ انه حين دخل متجردا من الذاتية، لم يخرج إلا وهو مجللا بذاتية أخرى، لأنه يعتقد ودون إرادة مبرمجة لذلك ، بأنه إنما شرح أفكار الكاتب وليس أفكارا اختطلت بأفكار الكاتب.

وحين كنت اقرأ ما يكتب عني من نقد ، كنت أصاب بالدهشة، وأحيانا بالصدمة، لان الشرح المستفيض للأفكار التي انتزعها الناقد فلان من الرواية، والناقد فلان من الرواية ذاتها، ولكن بأسلوب مختلف، كل هذا كان يضعني على حد الحيرة والتأمل، إلى حد أنني كنت اسأل نفسي، أحقا فكرت أنا بكل ما قاله النقاد عني بعد عناء طويل، وعلى مئات الصفحات.

كنت اعرف يقينا باني لم اقصد ذلك، حتى انه لم يخطر لي على بال وأنا اكتب الرواية، ربما هناك أفكار كانت تأتي تهاجمني، تستفزني من اجل صياغتها، لكنها أفكار موصولة بمشاعر، بأحاسيس، بحياة متدفقة فياضة، كانت تشتبك مع مجهول ذاتي ومعلومة، مع غامض إحساسي ووضوحه، كنت اشعر لحظتها باني حامل بنهاية لحظات حملها، وان طلقات الولادة تتسارع، ولكن دون أن تصل إلى دفع الجنين خارج الرحم، عندها كنت اشعر بالتعب والعذاب، حتى يتجدول العرق وينهمر، كان مخاضا يتبعه مخاض، وعذابا يتبعه عذاب، وحين كنت اشعر بسائل الرحم يشق طريقه للخارج، كانت الكلمات تخرج ، بقوة ضاربة على بياض الورق، بطريقة متسارعة متلاحقة، وكنت لحظتئذ أحاول أن اكتب بسرعة متناهية، حتى لا يفلت إحساس أو يختفي شعور، وكنت أحاول حصار الأفكار داخل الجمجمة حصارا لا يمكن لظالم أو مستبد أن يمارسه في التاريخ القادم، ولا اعرف مستبدا استطاع أن يمارسه سابقا.

والغريب، أن الفكرة التي كنت ابدأ بتدوينها، كانت تنقسم وتتكاثر، بطريقة سريعة ومجهولة، من المستحيل علي التوقف من اجل معرفة طريقة انقسامها وتكاثرها، فكانت هي الأخرى تمارس نحوي نحوا من قهر واستبداد، كنت اشعر بألمه وعذابه ووجعه، ولكني بطريقة مجهولة كنت اشعر بروعته وعذوبته، وكأنه نوع من سحر رائق ينساب في الروح فيثقلها ويشقيها، ويمنحها سرا من وجود لا يمكن احتماله، ولا يمكن التفريط بلذة ألمه وعذابه.

وحين كنت انتهي وابدأ بالقراءة، كنت ادخل دوامة مشاعر جديدة، لم تكن هي نفس دوامة ما شرحت لك في الكلمات السابقة، لذلك كنت انغمس بنوع جديد من الإحساس يسحبني نحو حالة جديدة، قد تتقاطع في الكثير مع المرحلة الأولى، لكنها بكل تأكيد، ليست نسخة كاملة من الأولى.

لذلك كنت اعرف يقينا، بان ما أردت قوله، قد انكمش أمام الكم الذي قلته وأنا تحت تأثير استبداد الفكرة والإحساس، وهذا ما يجعلني اعترف وببساطة، باني ليس كاتب الرواية كلها، وإنما حالة الاستبداد والاستغراق والذوبان والانصهار، كانت هي الكاتب الثاني، وهو في الحقيقة المطلقة الكاتب المؤثر والمبدع.

ولو أردت أن أسهل الأمر عليك، فسأستخدم بعض المفردات التي نتداولها دون أن ندرك محتواها إلا بالتصور، لأنها عصية على العلم والتجريد، فالمرحلة الأولى هي مرحلة الوعي المؤطر لفكرة تجول بخاطري، فكرة قد تكون سامية وخلاقة، لكنها مبتورة، لان طلقات الولادة المتسارعة لا تستطيع أن تدفعها نحو الحياة، ولكن حين يستبد بي الشعور ويحاصرني الإحساس، وتثقل الجمجمة، ينهض اللاوعي من مكانه بطريقة خفية، ليشارك بتخليصي من الاستبداد ، فيأتي الانقسام والتكاثر، ليحاصر اللاوعي ذاته، وهنا يختلط كل شيء، ليصبح رهنا بإرادة خفية تقودك نحو ولادة عسيرة مشبعة بالوجع، لكنها رغم ذلك تملك سحرا من لذة لا يمكن وصفها أو التنازل عنها، وهنا يكمن الفرق بين الم المرأة التي تجاهد لدفع جنينها من اجل التخلص من الألم، ولذة الراوي الذي يحاول احتجاز الألم والوجع من أجل أن يستطيع تشكيل أجنة متفرقة الآباء، ولكن في مهد واحد، هو الرواية أو القصة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق