قراءات ودراسات

الأسلوبيّة التّعبيريّة عند بيير جيرو في كتابه ” الأسلوبيّة”

د. عريب محمّد عيد

نشأ نطاقان عن تجديد المذاهب اللّسانيّة في بداية القرن العشرين، فشكّلا باسم الأسلوبيّة دراستين منفصلتين ومتميّزتين: أسلوبيّة التّعبير، وهي دراسة علاقات الشّكل مع التّفكير ، وهي تتناسب مع تعبير القدماء، ومن جهة أخرى نشأت أسلوبيّة الفرد: وهي نقد الأسلوب، ودراسة لعلاقات التّعبير مع الفرد أو المجتمع الّذي أنشأها واستعملها.
أسلوبيّة التّعبير لا تخرج عن إطار اللّغة أو الحدث اللّسانيّ، والأخرى تدرس هذا التّعبير إزاء المتكلّمين، وتنظر إلى البنى ووظائفها داخل النّظام اللّغويّ، وبهذا تعدّ وصفيّة، والثانية تحدّد الأسباب وبهذا تعدّ تكوينيّة، ولذا فالأولى أسلوبيّة الأثر وتتعلّق بعلم الدّلالة ودراسة المعاني، والثاّنية أسلوبيّة لتحديدها الأسباب، وتنتسب إلى النّقد الأدبيّ.
إنّ التّعبير فعلٌ يعبّر عن الفكر بوساطة اللّغة، وتتألّف اللّغة من أشكال (زمن الأفعال، الجمع، المفرد)، ومن بنى نحويّة (الحذف، نظام الكلمات)، ومن كلمات هي أدوات التّعبير. إنّ هناك قواعد للتّعبير كوّنتها القواعد الوصفيّة التّقليديّة، فإذا قال أحدهم: (أشكركم)، فإنّ هذا القول من ناحية صوتيّة، يتضمّن ثلاثة وجوه:
• الأصوات ذاتها مستقلّة عن أيّة نبرة خاصّة
• النّبر العفويّ وغير الشّعوري: يكشف عن الأصول الاجتماعيّة الرّيفيّة وعن الميول النّفسيّة البيولوجيّة في الوقت ذاته
• النّبر الإراديّ: يهدف إلى إحداث انطباع محدّد لدى المتلقّي يعبّر عن احترام أو هزء
توجد هذه الوجوه الثّلاثة في كلّ المستويات اللّغويّة: المفردات والصّيغ والنّحو، فحين تمتلك عددًا من الوسائط للتّعبير عن الامتنان تقول: “تفضلوا بقبول شكري”، “أشكركم كثيرًا”.
وهناك قيمة ثلاثيّة للتّعبير:
ـــ القيمة المفهوميّة أو العامّة ( منطقة التّعبير)
ـــ القيمة التّعبيريّة، وهي غير شعوريّة تقوم على النّظام الاجتماعيّ والنّفسيّ والفيزيولوجيّ
ـــ القيمة القصديّة أو الانطباعيّة: وهي قيمة جماليّة وأخلاقيّة وتعليميّة للتّعبير
وهكذا فأسلوبيّة التّعبير دراسة لقيم تعبيريّة وانطباعيّة خاصّة بمختلف وسائل التّعبير، وترتبط هذه القيم بوجود متغيّرات أسلوبيّة؛ ترتبط بوجود أشكال مختلفة للتّعبير عن فكرة واحدة.
أسّس “بالي” أسلوبيّة التّعبير، وعرّف موضوعها: ” تدرس الأسلوبيّة وقائع التّعبير اللّغويّ من ناحية مضامينها الوجدانيّة، فهي تدرس تعبير الوقائع للحساسية المعبّر عنها لغويًا، كما تدرس فعل الوقائع اللّغويّة على الحساسيّة”.
فكلّ فكرة تتحقّق في اللّغة ضمن سياق وجدانيّ تكون موضع اهتمام، إمّا عند المتكلّم وإمّا عند السّامع، مثل عندما تعطي أمرًا ما “افعل هذا” من غير نبر، أو القول: ” أوه، افعلوا هذا”، أو “أوه، نعم، افعلوه”، يكون التّعبير هنا رغبة وأملًا وعن نفاذ صبر.
يشكّل المضمون الوجدانيّ للغة موضوع الأسلوبيّة عند “شارل بالي”، عندما يرى أحدنا حادثًا ما، يصرخ:” يا للمسكين”، فالتّعبير من وجهة نظر لسانيّة، فيه أمران: الأوّل: نداء تعجبي (مرتبط بالنّبر)، والثاني: حذف. ومن وجهة نظر أسلوبيّة. فالتّعجب والحذف أداتان للتّعبير عن انفعال يشير فيه السّياق إلى الشّفقة. والتّعبيريّة اتّسعت فيما بعد لتشمل دراسة التّعبير الأدبيّ.

صوتيّات التّعبير:
تعتمد الأسلوبيّة التّعبيريّة الصّوتيّة على مفهوم المتغيّرات الصّوتيّة الأسلوبيّة، فبمقدار ما يكون للغة حريّة التّصرّف ببعض العناصر الصّوتيّة للسّلطة الكلاميّة، تستطيع اللّغة أن تستخدم تلك العناصر لغايات أسلوبيّة.
درس “مارزو” هذه الظاهرة، وأظهر أنّ الفرنسيّة تحتوي إلى جانب النّبر الوجدانيّ نبرًا إلحاحيًّا يفرز عنصرًا معنويًا، ففي كلمة مثل: “im-pos-sible ” يوضع النّبر فوق السّمة السلبيّة.
وفي حوزة اللّغة نسقٌ كاملٌ من المتغيّرات الأسلوبيّة الصّوتيّة الّتي يمكن أن نميّز من بينها – حسب مصطلحات بالي- الآثار الطّبيعيّة: النّبر، المدّ، التّكرار، المحاكاة، الجناس الاستهلاليّ، التّناغم، كما يمكننا أن نميّز بعض الآثار بالاستدعاء: نبر الطّبقة، والرّيف، والمهنة، والنّطق القديم والطّفوليّ والأجنبيّ.
وقد ميّز “تروبتزكوي” بين النّطق غير الشّعوريّ والعفويّ الّذي يظهر فيه المزاج معبّرًا عن ذاته والسّمة الشّخصيّة والحالة العضويّة أو الخلقيّة والمشاعر والرّغبات، وبين النّبر الاصطناعيّ والواعي الّذي يبتغي الخداع والإمتاع والدّغدغة والتّأكيد.

صرفيّة التّعبير:
هو المحصول الأسلوبيّ للبنى الصّرفيّة الّذي يقوم على التّطوّر الاشتقاقيّ
نحو التّعبير:
دراسة الزّمن والأنماط تشكّل فصلًا هامًا من فصول الأسلوبيّة، وقد شدّ انتباه اللّسانيين المحصول الأسلوبيّ للماضي المستمر، ولصيغة الاحتمال للحاضر التّاريخيّ وصيغة المصدر والماضي المستمرّ للسّرد، وبناء الجملة قضيّة مهمّة من قضايا نحو الأسلوب، فإذا كانت المفردات هي جسد الأسلوب، فإنّ بناء الجملة هو روحه.
وتعدّ دلالة التّعبير المفردات المصدر الأساسيّ للتّعبيريّة، مثل دراسة بالي للألفاظ في كتابه(بحث الأسلوبيّة) .

الآثار الطّبيعيّة للكلمات:
ترتبط بنوعيّة الأصوات وبنية الكلمات، فهناك كلمات صوتيّة معلّلة، تكون العلاقة قائمة بين الصّوت والمعنى، ويساهم شكل الكلمة، قصيرًا كان أو طويلًا في إعطائها قيمة أسلوبيّة، فكلمات مثل:( هائل) و(عظمة) تعدّ تعبيريّة، بينما كلمة مثل (إيجاز) وتعني باختصار نراها سيئة إلى درجة أنّها تستخدم عادة بالمعنى المعاكس.
آثار الاستدعاء:
تشكل آثار الاستدعاء ميدانًا للدّلالة الأسلوبيّة، ويحيل الكاتب إلى النّبر والأجناس والعصور والطّبقات الاجتماعيّة والأقاليم، ويقول إنّ كلمة من الكلمات سوف تبدو حادثة إذا قيلت في غرفة صغيرة، ولكنّها قد تحدث أثرًا بالغًا إذا قيلت في قاعة من القاعات.

الصّور أو تغيّر المعنى:
الصّور أو تغيّر المعنى الّذي يصيب الكلمات مصدر رئيس من مصادر التّعبيريّة، وتحتلّ دراسة الصّور المركز في الدّراسات الأسلوبيّة، ويجب أن نميّز ضمن أي معيار تعدّ هذه الدّراسة جزءًا من أسلوبيّة التّعبير أو أسلوبيّة الفرد.
وقضيّة أصول الاستعارة وجوهرها النّفسيّ المنطقيّ والاجتماعيّ المنطقيّ والثّقافيّ يعدّ كلّ هذا جزءًا من ميدان الأسلوبيّة: أسلوبيّة الفرد أسلوبيّة الجماعة، ويمكن للإنتاج أن يكون وجدانيّا في عبارة مثل: “يحترق من الرّغبة” وقد يكون سخرية أ و مثيرًا للإعجاب أو جماليًا أو أدبيًا.
وأخيرًا فإنّ أسلوبيّة التّعبير دراسة تتناول القيمة الأسلوبيّة لأدوات التّعبير مثل التّلونات الوجدانيّة والإراديّة والجماليّة والتّعليميّة.
– أسلوبيّة التّعبير كما صمّمها “بالي” تعبيريّة بحتة لا تعني إلا الإيصال المألوف العفويّ، وتستبعد كلّ اهتمام جماليّ أو أدبيّ.
– الأسلوبيّة توسّعت فشملت دراسة القيم الانطباعيّة والتّعبير الأدبيّ
– تعدّ القيم الأسلوبيّة للتّعبير (تعبيريّة وانطباعيّة) مصدر الآثار الأسلوبيّة، فبعضها آثار طبيعيّة، ترتبط بالطّبيعة اللّسانيّة للشّكل: أصوات، شكل، اشتقاق، بنية، وبعضها الآخر آثار استدعائيّة تنبع عن اشتراك هذه البنى مع المواقف والوسط الّذي يستخدمها.
– إنّ أسلوبيّة التّعبير لا تشكّل جزءًا مستقلًا من القواعد يعود على عنصر واقعيّ من عناصر اللّغة، إنّها دراسة للقيمة فوق المفهوميّة (التّعبير أو الانطباع) لمختلف عناصر الشّكل القاعديّة: الأصوات، والكلمات، والبناء.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق