قراءات ودراسات

الشعرُ أن تحترفَ الاحتراق .. قراءة في مجموعة يونس البوسعيدي

"كاللبان محترقا أغني"

د. رضا الأبيض*

يونس البوسعيدي من الذين دأبوا على قول الشعر باكرا، يحاول أن يكون صوتا متميّزا في الساحة الأدبية في عمان ، وأن تكون له دوحة في رياض الشعراء..
صدر للبوسعيدي ” قريبٌ كأنه الحبّ ” (2010) ، ” هاجسُ الماء والمرايا ” (2012)، ” س من الناس ” (2014)، ” روحه البحر والريح ” (2014)، ” كاللّبان محترقا أغنّي ” (2018 ) . وله قصائدُ أخرى منشورة في الجرائد والمجلات ..
تضمنت هذه المجموعات التي بدا منتظما في إصدارها ، القصيدةَ العمودية و الشّعر الحرّ وقصيدة النثر والقصة الشعرية.. فكانت فسيفساءَ هي لا شكّ صدى لرغبة عارمة في التجريبِ وشعور بضيق الجاهز من الأشكالِ.
والحقيقة، فإنّ هذا القلق لم يكن ، في مجموعات البوسعيدي ونصوصه، قلقا من ثابتِ الشكل وساكنه فحسبُ ، بل كان أيضا قلقا يسِمُ علاقته باللغة ،ويهيمن على رؤيته للعالم.
ولعلّ الناظر في عتباتِ المجموعات والقصائد ، عناوينَ وتصديراتٍ واهداءات ، وفي متونها .. يدرك أّن الحيرة كانت البابَ الذي منه دخل البوسعيدي عالم الشّعر.
يقول في نصّ الاهداء في آخر مجموعاته ؛ ” كاللبان محترقا أغنّي ” (بيت الغشّام 2018 ) : ” إلى حبيبتي زكيّة أرجوك اطمئنّي وأنا سأحترق لك كالّبان وسنغنّي ” . فيطلب من حبيبته أنْ تطمئنّ في حين يختار هو الاحتراقَ رمزا لهذا القلق ودليلا عليه. ولكنه إذْ يختار الاحتراقَ، فإنه يشبّه نفسه فيه باللبان، ويهديه إلى حبيبته في حفل الغناء الموعودِ.
على هذا النحو يصبحُ احتراقُ الشاعر ، الذي اعتبرناه علامة قلقٍ ، أسلوبَ وصالٍ، ودليلَ عشقٍ وحياة.
كذلك هو قلقُ الشّعراء. إنّه وقودُ المغامرة والسبيل إلى وجودٍ شعريّ في العالم.
والشاعرُ وقد اختار صورة الاحتراق فدًى في هيكل الحبّ ، فإنه تناصّ مع مدونة ثريّة للنّار في تاريخ الفكر والأدب والأساطير، ومع تاريخ من طقسياتِ الحرق والاحتراقِ ضاربة في أعماق التاريخ الإنساني، بدءا باكتشافِ النار وانتقال الإنسانِ إلى مرحلة التأنسن والحضارة ، انتهاءً باحتراق الأجساد في السّاحات احتجاجا على الاغتراب والظلم..
والناظرُ في متون الشّعر قديمها وحديثها يلاحظُ أنّ الشعراءَ قد كيّفوا عنصرَ النار وفقَ ما تقتضيه الأحوالُ وتشترطه المقاماتُ وخصوصياتُ الغرض الشعريّ، فالنار في المدح ليست هي في الهجاء أو الغزل .. والنار في الشعر الرومنطيقي ليست هي ذاتها عند الواقعيين..
وليس يخفى أنّ للنار دلالاتٍ وأبعادًا شتّى ، نفسية واعتقادية وثقافية أسطوريّة .
ولقد أفاض جاستون باشلار، على سبيل المثال، في بيان دلالاتِها ورمزيتها النفسية في كتابه ” النار في التحليل النفسي” ، الذي صار اليوم كلاسيكيا.
والحقيقة إن شاعرنا لم يختر صورة النار مطلقة مرسلة ، بل اختار فعلَ الاحتراق الذاتيّ على وجه التخصيص، مشبها نفسه في ذلك باللبان. وتلك صورة مكتنزةٌ دلالة لأنها أخفت عنّا أثر هذا الاحتراق، ألاَ وهو التضويعُ ، أي انتشار الرائحة الطيبة الناشئة عن فعل الاحتراق ذاته ..
إلى هيكل الحب إذًا يدعو الشّاعرُ حبيبته ليغنّيا معا على ألسنة البخور تتصاعد من جسدِه محترقا كاللبان في مشهد يحفّز القارئَ على أنْ يستدعيَ طقوس التعبّد والزينة والجنس .. في احتفالاتِ الشعوب الوثنيّة والمتديّنة ، في مواسم الخصب الخصب خاصّة..
هكذا بدا الشاعرُ ، يقدم نفسه قربانا إلى حبيبته لترضىَ. قال : ” أرجوك اطمئنّي وانا سأحترق ..” .
وليست التضحية بالنفس سوى دليلٍ على ” قدرة على التحمّل ” وإيثارٍ لاشكّ في أنّ الحبيبة ” زكيّة” كانت أولى به.
وبغضّ النظر إنْ كانت ” زكيّة ” امرأة واقعية أو متخيّلة ، فإنّ الاسمَ دالٌّ على العفّة والطهارة والطيب.
هكذا يضعنا هذا الاهداء في حضرة الرّوائح تعبق من الأجساد والطهارة تفوح من الأسماءِ في محراب شاعر ، قال إنّ أمّه تحاول به أن يكون نبيّا وهو المتعب من الحياة شقيّا ..
هل ثمة أجمل من أن يكون الطيب اهداءً وهديّة ! ولكن كيف عساه يكون من ” متعب في الحياة” ؟

يقول الشاعر في قصيدته التي كانت خاتمة مسك المجموعة ” نبيّ كاللبان ” :
أمّي تحاولُ بي أن أكون نبيّا
وأنا تعبتُ من الحياة شقيّا
ما كان لي قدرُ النبوءةِ
أُختطفتُ من الأغاني
كيْ أصير وليّا
أمّاه مات الأنبياءُ
ولم يعد قلبي كمثل الطفلِ نام نقيّا
أمّاه سنبلتي اصفرّت وما اخضرّت
فقد هجم الزمانُ عليَّ
مرّ الغمامُ على القبور فأعشبت
هل يشربُ الموتى الغمامَ نديّا
والقلبُ محترقٌ
ومن فرط الرّدى فيه ..
أسائل : ما تبقّى حيّا
قلبي كما شجرُ اللبان مجرّحٌ
حرقوك قلبِي كيْ تُشمَّ زكيّا
بي وحشة القبرِ الوحيدِ،
الشمسُ تكرهه، وتهمله فمات قصيّا
والمتقي هذي الحياة تريدُه حجرًا
وما طعَمَ الحياة شهيّا ” صص 112-114)
إنه اللبان يتصاعد شذاه إذا احرق ( مجرّح ، محترق، حرقوك ..) ، كالعنبر يفوح إذا سُحق. وللعنبر في “لسان العرب” دلالاتٌ صلتها بالقصيدة ،التي أوردنا، قويّة . فهو طيبٌ ، وبه يسمّى الرّجلُ، وهو الترس، وهو سمكة بحرية كبيرة يقال إنّ الله ألقى بها إلى سريّة أنقذتهم من الجوع…
كذلك كان ” اللبان” و كانت ” زكيّة ” و” الاحتراق” في تصدير المجموعة وفي كثير من قصائدها، بل قل في كون البوسعيدي الشعري الذي غالبا ما تلازم فيه فعلُ الاحتراق وفعل البعثِ؛ البعث من الجوع ( سنبلتي اصفرت وما اخضرت) ومن وحشة القبر ، والموت في الأقاصي ..( مات قصيّا)
يحترق الشاعر ليبعث من جديد روائح لبان تفوح في المكان، كما بعُث ” طائر الفينيق” من رماده ، ذات زمن أسطوريّ ، رغم الفواجع والمآسِي..
في هذه القصيدة يعترف الشاعر بهشاشته وحزنه وقلقه. إنه لا يقدر على أنْ يظل طفلا أو أنْ يصير نبيّا أو وليّا ، اصفرت سنبلاته وصارت به وحشة إلى قبر قصيّ مقصيّا. ولكنه وقد صار طِيبًا وعبقا ، تحرّر من طين الجسد وأسر المكان، مثلما تحرّر من سكون الأشكالِ واختار التجريبَ في الشّعر تنويعا على الذات وعلى أصوات أخرى في الساحة العمانية والعربية .. تحترق كلّها كاللبان في جغرافيا التهمَتها حرائق فعليّةُ، لعلّها تفتح ، بالشعر، لجيل منهزمٍ كوّة منها يشمّ بعض هواء طاهر نقيّ.
أ ليس الشّعرُ أن تحترفَ الاحتراق شمعة يضيء موتها للآخرين الطريقَ ؟ بلى.


د. رضا الأبيض ( جامعة قابس . تونس)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق