ثقافة المقال

حارس البوابة

تيري ايغلتن/ ترجمة: أسامة منزلجي

الفتى الذي كان أوَّلَ مَنْ كشفَ لي عن حقائق الحياة كان بروتستانتياً بكل وضوح، لأنه بدا أنه لم يقرأ أي شيء من الكتاب المقدَّس. وبينما أخبار التناسُل البشري التي يقف له شعر الرأس يُغيرُ على أذنيّ الشائنتَين، لجأتُ إلى الحماية الوحيدة المتوفرة لي. أجبتُه بعنف ” حسن، ربما هكذا يفعل البروتستانت… “

وكما أنَّ الدير لم تكن له إلاّ صِلة واهية بالواقع، كذلك الأمر مع الكاثوليكية في العموم. بدا أنَّ مذاهبها السرّية لم تعد قابلة للتطبيق في الحياة اليومية أكثر من قدرة عِلم المثلثات على كَيّ بنطالك. وكالسحر، كان نظاماً عالي التحديد لكنه يُشدِّدُ على الذات بشكلٍ تام، مع كل الصفاء الاستثنائي للهلوسة. والكاثوليكية ليست عن الأعمال الطيبة بقدر ما هي عن كيفية الإبقاء على الجمر في مِبخَرتك مُشتعلاً وإلاّ أمضيتَ خمسين عاماً أخرى مما قُدِّرَ لكَ من عمر في المَطْهَر ؛ ليست عن الإحسان بقدر ما هي عن الشمعدانات. لقد كنا ورِعين وقُساة القلوب، ذوي فِكر متزمِّت وخسيسين، نعيش بطهارة ووثنيين. كان هناك دقَّة مجنونة في نظام الإيمان الكنسي، كما في كتب الجغرافية المدرسية التي تسجِّل علوّ قمة جبل إفريست بأنها بالضبط 29006 قدم، أو مثل قائمة مواعيد تحرُّك القطارات في محطة السكة الحديد في منطقة متداعية من العالم التي تُعلن أنَّ موعد مغادرة قطارٍ ما بأنه الساعة 03, 11 صباحاً. إنه يشبه الدقّة المجنونة للمُصاب بالذُهان الذي تكون حساباته الرياضية معصومة عن الخطأ، ولكنه يُنفّذها وهو جاثم على إفريز النافذة على علوّ ثلاثين طابقاً. وبالنسبة إلى البعض، قد يبدو هذا وصفاً معقولاً لنظرية الأدب.

هذا كله أفرزَ نوعاً من العُصاب الفكري، كالتساؤل إنْ كان إعلان البابا عن عصمته الخاصّة عن الخطأ نفسه معصوماً عن الخطأ. وكمعظم الأطفال الكاثوليك، أدليتُ باعترافي الأول وأنا في سن السابعة، الذي تحكمُ عليه الكنيسة بطريقةٍ سابقةٍ للفرويدية بأنه سن التعقُّل. لكنني كنتُ قلقاً بشأن المدى الذي يجب أنْ أعود إليه في الماضي لكي أتذكَّر آثامي، بما أنني لم أكن متأكّداً بالضبط متى، من الناحية العِلميّة، يمكن القول إنَّ عيد ميلادي السابع قد بدأ، أو ما إذا يمكن لعملٍ ارتُكِبَ في لحظةِ صيرورةِ الهوية عاقلة أنْ يكون آثماً. لقد كان كوناً بيكيتيّاً ، وفي وقتٍ واحد صارماً وعبَثيّاً. كان كل شيء نهائيّاً ومُراوغاً، في مزيجٍ غريبٍ من الغموض والشفافية.

لعلَّ بهذا المعنى كان العالم المعتاد للطفولة شديد الوضوح، بما أنَّ الطفولة هي مزيج من الحقائق البديهية وعجز مُرعب عن الإحاطة بما يجري. وكما قال بيكيت، أيضاً، كان عالَماً من الطقوس الإلزاميّة، وليس من الأعماق المتألِّمة. وبروحٍ مُعاديةٍ بعمقٍ للديكارتيّة ، قمتَ بالعمل اللازم وسوف تتبعه حالة العقل المناسبة. وكما في تقنية عمل لورنس أوليفييه، تقومُ بالبناء من الخارج ونحو الداخل، وهكذا كان المرءُ على خِلاف مع النظام الاجتماعي مما يجعل من الداخل معبوداً. ويبقى جمره مُشتعلاً وبخوره جافة ويعتقد أنَّ ما يزيدُ عن هذا سوف يُعطى له.

وهكذا، يصبح مُرتاباً في الوهج الدافئ، في اليقين البديهي، وفي الخبرة الخاصة المعصومة عن الخطأ. كان لابد من مناقشة الحقيقة لصالحها، واحترام التفكير، ومعايير الحالات الداخلية تكمن فيما يفعل. كان يمكنكَ أنْ تُعمِّد طفلاً وليداً يحتضر في الرَحِم بإقحام حقنة مملوءة بالماء إلى مهبل الأم، بما أنَّ المهمّ هو الفعل نفسه، وليس العلاقات الإنسانية أو قرائن المعنى. وهكذا كان السحريّ والماديّ يتحالفان بقوة. وذات يوم أحد عنصرة، قابلَ كاهنٌ كاثوليكي أعرفه في الشارع نظيرَه الأنغليكاني، الذي رفعَ يده مُحيّياً وناداه بابتهاج : ” المسيح قام “. وقد علَّقَ الكاهن على هذا لاحقاً سرّاً بشكلٍ بيّنٍ : ” لوطي تافه”. لم يكن الدين يتحمَّل التعامل معه بقذارة وبصورة شخصيّة ؛ كان أقرب شبهاً إلى إطلاق سفينة منه إلى الوقوع في الحب، وإلى مجموعةٍ من الشعائر العامة يجب أداؤها بدقَّة. وخِلافاً للكاهن الأنغليكاني، لم يكن المرء يصفع يدَ أحدهم بكلتا يديه في اللقاء الأول ويُحدِّق إلى عينيه بنظرة خالية من المعنى.

كانت كراهية الكاثوليك للمذهب الذاتي تتماشى وحساسية الطبقة العاملة من التباهي الشعوري، وكلاهما كانا مُدعَّمين بتفانٍ أيرلندي للقبيلة بدل الفرد. والتوجه للاعتراف كان خالياً من أي إثارةً للعاطفة كشراء رطل من الجزر. وحتماً لم يكن يتَّصِف بأي معنى من معاني الاعتراف وإلاّ للاحظته أوبرا وينفري . كان الضغط المتطرِّف المُوجَّه إلى الممارسة المادّية، وإلى أبعاد الفرديّة الرمزية، الجمعيّة والعامة، منضفراً مع تجرُّدٍ صلب جدير بجعل حتى الستالينيّة تبدو عاطفيّة. وعارضَتْ الكنيسة بشدّة كل ذاتيّة زائفة، وكانت لا مبالية بالمشاعر الفردية كما بالاضطراب العقلي. وإحدى المحاولات لأنسنة الدين التي أتذكَّرها هي الكاهن الذي حاولَ أنْ يقنعنا بالتخلُّص من الأفكار النجسة وذلك بتذكيرنا بأنَّ ” العذراء المباركة أيضاً كان لها ثديان “. وكان ذلك علاجاً فعّالاً للشبق المراهِق مثل حثّ سكّير على تذكُّر اللمعان الأسمر المصفرّ لكأسٍ من خمر غلينفيديتش.

كانت الكاثوليكية عالماً يجمع بين الفكر الدقيق والرمزية الحسّية، بين التحليليّ والجماليّ، لذا لم يكن من باب المُصادفة أنني لاحقاً أصبحتُ منظِّراً أدبيّاً. لم يكن هناك تضارب بين العقل واللغز. لم يكن هناك خطر من اغتيال الله، أو قصيدة، بالتحليل. فإذا شجّعتكَ النزعة العالميّة لإيمانك على معاملة الخاص بخشونة، فإنَّ كل تلك الأيقونات المُزخرفة تُذكِّرُكَ بما يمكن أنْ يُرى ويُعمَل، بالعالم المادّي كعنصرٍ دالّ أو كَسِرٍ مقدَّس. إلاّ أنها مع ذلك كانت تلك ثقافة لا إنكليزية بعمق. وكونكَ كاثوليكياً لم يكن يعني بالضرورة أنَّ عليكَ أنْ تكونَ إنكليزياً، كما أنَّ اليهودي ليس كذلك. إنهما معاً ثقافتان بديلتان، كنقيضٍ لكونكَ، مثلاً، أبرشيّاً ، وهذا لا يمثّل أي ثقافة.

ولكن على الرغم من أنكَ أنتَ نفسك كنتَ تشكِّلُ أقلّية، فإنكَ لم تنشأ لكي تجلّ المزهوّ بنفسه أو المفرط الحساسية بشكلٍ مُحبَّب، أو لكي تبتهج بفكرة وجود مثل هؤلاء الناس الغريبي الأطوار، أو تستحسن بصخَب مَنْ يقف وحيداً. كان المرء إنكليزياً أكثر بطريقة ليست مُثيرة كثيراً للإعجاب، لأنَّ ما وجده ملايين الرجال والنساء مناسباً للإيمان به عبر القرون بدا مرشداً أفضل إلى الحقيقة من الأفكار المُزخرفة التي حلُمَ بها المتوحّدون غريبو الأطوار بين ليلة وضحاها. لكنَّ المرء لم يكن ليبرالياً إنكليزياً في استساغة الأغلبيّة بوصفها فضيلة بحدّ ذاتها، أو في الاعتقاد بأنَّ العالمَ سيكون غريباً إذا خطرتْ الفكرة نفسها على رؤوس الجميع. على العكس، كان يعتبر أنَّ العالم سيكون رائعاً إذا خطرت الفكرة نفسها على رؤوس الجميع. كان يعلم أنَّ العالمَ يتطلَّب وجود الأنواع كلها، لكنه اعتبرَ هذا من سوء الحظ وليس فضيلة.

لعلَ هذا ليس موقفاً بدائياً كما يبدو. فإذا كان التنوُّع الثقافي يشكِّلُ جزءاً مما يجعل الحياة تستحق أنْ تُعاش، فإنه أيضاً أوصلَ عدداً هائلاً من الحيوات إلى نهاية دموية. والدعوة إلى الاحتفاء بمثل هذا التنوُّع هي الآن الكليشه الوحيدة التي تردّدها أفواه المُنظّرين والسياسيين، ولكن فقط حين يُسلَّم بوجود التبايُن الثقافي، بدل إقراره بتحدٍّ، لن يعودَ مصدراً للصراع. ومن المُرجَّح أيضاً أنَّ عدداً أقلّ بكثير من الناس كان سيُذبح أو يتعرَّض للإهانة لو أنَّ البشر جميعاً كانوا من السود، والمثليِّين جنسياً، ومن الإناث منذ البداية، بعيداً عن بضعة ذكور والمستقيمين جنسياً هنا وهناك للمحافظة على النوع. وإقرار التبايُن الثقافي دون الإشارة إلى الثمن الرهيب الذي كان علينا أن ندفعه هو نوعٌ من العاطفيّة الليبرالية التي تدرَّبَ الكاثوليك، على الرغم من كل انحرافاتهم، على اكتشافها.

إذن فقد نشأتَ كاثوليكياً، تفتقرُ إلى كل إحساس غريزي بالحساسية الليبرالية. فإذا كانت هذه خسارة ثقيلة، فإنها أيضاً تسمح لكَ برؤية مكمن الخطأ. لم تكن الأحاديث تعجُّ بالمؤهَّلين المتوترين عصبياً أو ملغومة بالمُتنصّلين المتردّدين. لم تكن هناك فضيلة معيَّنة في التردُّد. إنكَ لا ترتاب في إيمانك لبرهة، ليس لأنكَ كنتَ ثابتاً بصورة رائعة بل لأنه لم يكن هناك ما يمكن الشك فيه، إلاّ إذا شككتَ في وجود شعر العانة أو في الأرقام الصمّاء. إنَّ الإيمان يلتصق بما ترى أنكَ تعجز عن الابتعاد عنه، مهما بذلت من جهد. وما نرى أننا نعجز عن التخلّي عنه حتى ونحن نحتضر، حين تكون أنفسنا التي نتخلّى عنها، تحدِّد هويتنا؛ وعموماً ليس هذا في يدنا اختياره، كما نختار قبعة أو تسريحة شعر. ولكن لا يمكن الإيمان فيما لا يمكن منطقياً إنكاره. ولا يمكنكَ أنْ تشك في التزامكَ الشخصي بالله لأنه لا التزامَ شخصياً لك اتجاهه، كما أنه لا التزامَ شخصياً لك اتجاه قناة بناما أو تصور الحسير البصر. إنكَ لا تُقدِّرُ شيئاً لأنكَ اخترته، بل تختاره لأنكَ تعتقد أنه قيِّم. ولاحقاً، حين كنتُ طالباً في جامعة كمبريدج، غازلت قليلاً الوجودية، ولكن تلك كانت فقط طريقة طنّانة لإعلان أنني مُبتئِس، ومُرتبك في أواخر مراهقتي، كما كان حال ما بعد-البنيويّة بالنسبة إلى جزء من الجيل اللاحق.

إذن يستطيع المرء أن ينتقل بحرّية تامة، من الكاثوليكية إلى الماركسية دون الاضطرار إلى المرور بالليبرالية. والممر من عقيدة الترنتيّة إلى التروتسكيّة أقصر مما يبدو. والمدرسة التي كنتُ ألتحق بها أنجبت مُحامياً في المحاكم العليا اشتراكياً بارزاً، ومُنظِّماً يعمل دواماً كاملاً للمجموعة الماركسية العالمية، والعضو اليميني الأهم في الهيئة التنفيذية لاتحاد المعلّمين الوطني، وحفنةً من الفلاسفة الراديكاليين والاقتصاديين، وأنا. والأصدقاء الذين يكتشفون اليوم أننا جميعاً كنا نلتحق بالمدرسة نفسها يتصوَّرون أنها كانت المكان الذي يتخدَّر فيه التلاميذ ويتدلّون وهم وحُفاة من الأشجار طوال النهار، ويصوتون للقضاء على دروس الفيزياء، يجلسون أزواجاً على المرج ويُطلقون على أساتذتهم أسماء جين وسام. لكنَّها كانت مجرَّد مدرسة ثانوية كاثوليكية مغمورة تنقل بتهوُّر حسّاً من الغربة الثقافية إلى طلاّبها، بالإضافة إلى بعضٍ من الأدوات المفاهيمية يمكنهم بواسـطتها أنْ يُضفوا المعنى إليها.

على الرغم من الأوتوقراطية الجاهلة التي تتصِّف بها كنيستهم، فإنَّ الكاثوليكيين هم المرشّحون الأوائل لليسار السياسي. إنهم في المعتاد، على الأقلّ في بريطانيا، من جماعة المهاجرين من الطبقة العاملة، وتعلَّموا أنَّ يُقدِّروا الفِكر المتماسك، وأنْ يشعروا بالارتياح مع الأبعاد الرمزية، الجمعيّة، للوجود الإنساني، ويحترسوا من مذهب الذاتانيّة ، ويفهموا أيضاً أنَّ الحياة الإنسانية مؤسساتيّة في أساسها، ويجلّون التراث المشاعي ويفضّلونه على الإلهام الفردي، ويعتقدون أنَّ الأشياء كئيبة بصورة مُرعبة ولكن يمكن أنْ تكون أفضل بدرَجةٍ تفوق التصوُّر. وكالإشتراكيين، هم في أسفل السافلين وبعيدون عن الذوق الليبرالي-التقدُّمي، وممتلئون بالأمل أيضاً. وورثوا أيضاً تراثاً عقيماً من الفِكر الأخلاقي والسياسي، وهم ليسوا خائفين من التفكير بطموح. وبوصفهم يمثّلون المؤسسة الثقافية الأطول بقاءً على مدى التاريخ، واستطاعوا أنْ يعبروا أنأى جيوب الفراغ والزمان، يعرف الكاثوليك الكثير عن التغيُّر التاريخي، ولكن أيضاً الكثير عن الاستمرارية. بتلك السُبُل كلها، أنماط قليلة يمكن تجنيدها لمراتب مذهب ما بعد الحداثة بسهولة أقل. ولا يمكن إنكار أنَّ دفعهم إلى الإيمان بالعِصمة البابوية وبرفع مريم العذراء إلى السماء بعد موتها، ناهيك عن تعلُّم تبرير التعذيب والوحشية الأخلاقيّة، وتعرّضهم للاغتصاب الجنسي على أيدي الكهنة أو الضرب على أيدي الراهبات الساديات، كان ثمناً باهظاً لهذا التعليم، ولكن يجب تلقّي الركلات مع النقود .

لكنَّ الكاثوليكيين أيضاً يميلون نحو اليسار بسبب مقتهم الغريزي لليبراليّة، وهو معاً أمرٌ مُثير للإعجاب ومُعيق. إنهم يصلُحُون فاشستيين جيدين، وهو نوع اجتذبته الاشتراكية إليها بأعداد كبيرة. وأحد مصادر ارتباك اليسار أنَّ مشروعه المعقول جداً يمارس سحراً لا يُقاوَم على أولئك الذين يحتاجون إلى حلْ عقدة الأب عندهم أوتناقضهم الكلاينيّ Kleinian. إنَّ أي مذهب إشتراكي يفشلُ في أنْ يقوم على أساس الإرث الليبرالي العظيم، الذي يُقرِّظه ماركس أيَّما تقريظ، في الغالب سيتضح أنه مفلس. لذا يحتاج الكاثوليك واليساريون إلى أنْ يتعلَّموا من الليبراليين عن الطبيعة المُبهمة، المُشوَّشة للأشياء، عن سحر الفرق الدقيق والتفرُّد، وصعوبة إطلاق الأحكام المُحدَّدة، ونفاسة السريع الزوال والهشّ، والحياء المَرَضي للحقيقة. والليبراليون، من ناحية أخرى، يحتاجون إلى أنْ يتعلَّموا أنه حين يتعلَّق الأمر بالصراعات السياسية الكبرى التي تمزِّقُ عالمنا، لا مجال لاتّخاذ الموقف الحكيم المتوسّط. في كلٍ من هذه الحالات يقفُ أحدٌهم تقريباً على الجانب الصائب وشخص آخر على الجانب الخطأ؛ وبالتمسُّك بهذا المُعتَقَد، يُصبح اللا- ليبراليّون على الجانب الصائب.

لقد كنا نحن معشر الكاثوليك طبعاً أقلّية في إنكلترا؛ لكننا لم نُقدِّر جيداً الهامشيين والأقلّيات، على غِرار ما فعلته ما بعد الحداثة لاحقاً. على العكس، نحن الذين احتكرنا الحقيقة، والغالبيّة هي التي حادت عن الصراط المستقيم. كانوا المنحرفين عن مذهبنا الأورثوذكسي، والمحيط المُنتفخ لمركزنا الضعيف. وبينما كنا نتكئ بهدوء على معتقداتنا الميتافيزيقية اليقينيّة، كانوا هم يتخبّطون في الظلام الخارجي ويثرثرون بتفاهات مثل التسامح الديني وفكرة أنَّ المسيح ربما لم يكن ابناً وحيداً. وكالعديد من الأقليات، جمعنا بين العجرفة وجنون العَظَمة، والرضا عن الذات الذي يشعر به المُختارون والقلق الخبيث للذين لا يشعرون بالأمان. وجمعنا أيضاً بين انشقاق اللا منتمين وإرادة المُحافظين للانتماء. كان الأمر أشبه بكون المرء مُحافظاً شاذاً جنسياً أو بورجوازياً راقياً أسود البشرة. أو، بحق، مثل عضو نقابيّ في ألستر. والملكة لم تكن أبداً تخصّنا بقدر ماكانت تخصُّ البروتستانت، وكان يُسمع دائماً نعيق أجوف وسط تهليلنا الوطني، مجرَّد حسّ بالنفاق.

مدرستي الثانوية التي تقع في شمال إنكلترا كان يُهيمن عليها بشكلٍ كامل تقريباً أساتذة ورجال دين أيرلنديون، بالإضافة إلى تلاميذ أيرلنديين من الجيل الثاني. لكنني لم أكن أعي أنَّ أسماء مثل دويل أو فاريل أو أودواير ليست غريبة بأي معنى من المعاني، بما أنَّني لا أتذكَّر أنَّ كلمتيّ “أيرلندي” أو “أيرلندا” قد استُعمِلتا طوال فترة دراستي. طبعاً لا: لأنَّ مهمَّة أولئك الرهبان الضِخام الأيدي، النحيلي الأجساد، الذين هم أنفسهم لاجئون من مزارع صغيرة في مقاطعة كلير أو كيري، كانت أنْ يُزيلوا آخر آثار القذارة عن أرواحنا ويُرسلوننا إلى إنكلترا الطبقة الوسطى. وفي ظل تلك الظروف لم يكن من الحِكمة التزوُّد بمعرفة حميمية بالهرولة، أو بالكشف عن حقيقة أنَّ المرء يعود إلى المنزل في المساء إلى والديه مع نبرة كلام أهل ووترفورد. لقد كنا أيرلنديين، ولكن لم نكن نعلم ذلك، حتى وإنْ كان معظمنا ينحدرُ من عائلات أضخم بشكلٍ مُحرِج من أصول السلوك الاجتماعي الإنكليزي.

أرسلتنا المدرسة إلى بريطانيا البورجوازيّة مع نجاحٍ نُحسَدُ عليه. وكان فيها أستاذ جغرافيا بارز جداً كان يمدّنا بقليلٍ من الجيولوجيا كنشاطٍ جانبيّ، وذات يوم كان منهمكاً في إبلاغنا بأنَّ قطعة معيَّنة من الصخر عمرها ملايين عديدة من السنين، وإذا بصبي صغير في آخر غرفة الدرس، ذي لكنة لانكشر الريفية الشديدة الغلظة حتى أنها أشبه بهرولة شخص ألباني منذ درس الإنكليزية الأول، يرفع يده ويسـأل: ” من فضلك يا سيدي، كيف لكَ أنْ تعرف ذلك؟ “. سُرَّ الأستاذ وومضَ بشرارة نادرة من الاهتمام العقلي، وأعطى شرحاً قصيراً عن التأريخ الكربوني. والصبي المعني، الذي يستقرّ الآن في الولايات المتَّحدة، هو أحد أبرز أخصّائيي البراكين في العالم، وحين تصادفَ أنْ طرتُ بالقرب من أحد البراكين النشطة في الولايات المتحدة، كدتُ أكون متأكِّداً من أنه كان جاثماً في إحدى تلك الطائرات العلمية الصغيرة التي كانت تغطّي وجه السماء من حولنا. ولاشك في أنه الآن يعرف كل شيء عن كيفية توصّلنا إلى معرفتنا.

مدير المدرسة، الأخ داميان، كان أبيض الشعر ذا تاريخ سادي ينحدر من بلدة أيرلندية مغمورة اسمها باليجيمسدوف، التي إنجازها الآخر الوحيد كان إنجاب جَدّ هنري جيمس. لكنَّ مساعدتها في تنشئة أحد أعظم روائيّي العالم لم يكن تعويضاً كافياً أبداً من جهة البلدة لإنجاب الأخ داميان. لاشك في أنه كان ينبغي أن يُخنَق عند ولادته، أو أنْ يُدفَن حيّاً في طفولته في أحد المستنقعات الشاسعة النائية. كان يتمتَّع ببنية جسدية ضخمة وبشرة متورّدة لمزارع أيرلندي، ولكن كان عليه أنْ يبذل جهداً عضلياً لتشويه الصِبية الصغار بدل أن يبذله في إخراج حبّات البطاطا. وكان هناك أخٌ فلاح أيرلندي آخر، يُشبه قليلاً ديك حبش مذهون ، يُعلِّم الحفر على الخشب، وقد دارت شائعة تقول إنَّ ألواح الأرضية الخشبية لغرفة الحفر على الخشب تُخفي عدداً من الجثث الغضّة الحديثة العهد، وقد حُفِرَ على لحمهم بالأزاميل تشكيلات تُستَخدَمُ في السحر والتنجيم مألوفة لدى الماسونيين أو فرسان الهيكل .

أمضى داميان حياته كمسؤولٍ عن التنمية الروحية للأطفال، وكانت مقدرته على الفهم الإنساني يُعادلُ ما لدى سلحفاة. وعلى الرغم من أنه لم يُنزِل عملياً سراويل هيئة تدريسه ويضربهم بعنف على مؤخراتهم، إلاّ أنه عاملهم بكل الطرق الأخرى التي عاملَ بها الأسلاف الأوائل، بحيث أنَّ الأساتذة والطلاب على حدٍ سواء أصبحوا في فريقٍ غير مُعلَن مملوء بالكراهية والخوف. كان يصل إلى ذروة الفخر حين يُحبِط النزعة الفردية الآثمة لديه وذلك بعدم معرفته لأي من تلامذتهِ باسمه. وبما أنَّ عِدَّة آلاف من التلاميذ مرّوا من تحت يديه، وهذا ما حدث لغالبيتهم حرفياً، كان ذلك إنجازاً يُعادلُ اكتشاف كوكبة جديدة من الأنواع البيولوجيّة. كان لا مبالياً بالأفراد كلامبالاة مسؤولٍ عن المراحيض، ويعتبر طلابه ببساطة كمصادر كامنة لتحقيق المجد الأكاديمي. وبسبب قلقه من أنْ يغرز الأساليب الإنكليزية في أذهان القطيع الغاليّ، دفعنا إلى لعب الرغبي، وغناء النشيد الوطني، وإلى تسجيل أعمال آبائنا بأسلوبٍ لا غبار عليه. وأذكُرُ صمت والدي الخانق والمفاجئ، وهو جالس في حالة انتباه مُذعن أمام هذا الهولة الأخلاقيّ في غرفة مكتبه، حين سُئلَ على عَجَل عمّا يعمل ليكسب لقمة عيشه، وأجابَ بصوتٍ عالٍ بشكلٍ غير طبيعي بالكذبة الوحيدة التي سمعتها تخرج من بين شفتيه.

كانت مدرسةً ناجحة بكل المعايير، مُفلسة أخلاقياً، بإرسالها طلابها الغريبي الأطوار إلى جامعة كمبريدج، وهو أمرٌ كان عندئذٍ ينطوي على مُخاطرة كإطلاق صاروخٍ إلى القمر في الأيام الأولى لعلم الصواريخ، وعموماً يُهيّئ أبناء آيرين الموهوبين ليُصبحوا نجوماً إنكليز. وأخيراً تقاعدَ الأخ داميان ولجأ إلى جماعة دينية في دبلن، وهناك أمضى أيامه الأخيرة وهو يُرعِب المُبتدئين الصِغار. وقد قرأتُ نعيه في إحدى الصحف، ولاحظتُ كيف تمَّ تجنُّب الاعتراف بأنه كان ابن حرام مُثيراً للتقزُّز بالتركيز بحياءٍ على نقائه. وأخيراً، يستطيع العالم أجمع أنْ يقول عن الصبي المُنحدر من باليجيمسدوف كم كانت ياقته الإكليريكية نظيفة. وقد سمعتُ لاحقاً أنَّ أخوته في الجماعة الدبلنيّة رفضوا أن يتحلّقوا حول فراش احتضاره لكي يُصلّوا لراحة روحه، وهي حركة صدّ مُذهله كما لو أنَّ العائلة المالكة تخلَّتْ عن سباق الخيل. لعلَّ أقرانه من الكهنة استنتجوا بعقلانيّة أنه لا فائدة من الصلاة من أجل أي روحٍ ذات هوية مُلفَّقة بوضوح كروحه. في الموت كما في الحياة، بقيَ يُمثِّل الكثير من حقيقة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية.

وهكذا، كبرتُ وسط السرّية والنِفاق، والرفض المُطلَق، والغرابة الغوطيّة، وإيماءات التطرُّف، والعذارى مع عناقيد الزنجبيل، وشعائر التقشُّف والتضحية بالذات، والموت-في-الحياة . لا ريب في أنَّ هذا كله قد ساعدَ في تشكيل ميلي السياسي لاحقاً، ولو فقط لأنه كان بعيداً عن عالم إنكلترا الطبقة الوسطى البروتستانتية كبُعد جبال أفغانستان. ولكن هناك الكثير ليُقال لصالح عقلانية سكان الضواحي، والكثير من الخطر في العيش بالقُرب من الحافّة. إنَّ من قبيل الكذب الحديث القول إنَّ التطرُّف مُحترَم بحد ذاته، بقدر ما أنَّ من قبيل الأسطورة المُحافِظة القول إنَّه يجب تدليل العاديّ ipso facto ( بحدّ ذاته ). إنَّ الاشتراكية والمسيحيّة هما في وقتٍ واحد عقيدتان دنيويتان وأُخريتان، تُعلّيان من شأن الحياة العادية ولكنهما تسعيان إلى تحويلها. فبالنسبة إلى الإيمان المسيحي، حب الله هو قوة تدميرية، عنيدة، تندفع بعنف إلى العالم، تمزِّق العائلات، تخلع الجبابرة عن عروشهم، وترفع الوضيع وتترك الغني خالي الوفاض. بمثل هذه السخرية الثورية أو عكسها يُعرِّف يهوه عن نفسه في العهد القديم.

 

*الفصل الثاني من مذكرات المفكّر الانكليزي تيري ايغلتن “حارس البوابة” بترجمة أسامة منزلجي الصادرة عن دار المدى.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق