قراءات ودراسات

قراءة في (وجوه الحب) للشاعر: حسن حجازي حسن

د/ مصطفى عطية جمعة

نص القصيدة :
“وجوه الحب”
للشاعر : “حسن حجازي حسن”
***
كما يهوى الشاعر إلهامهُ
فى فصولِ البوح
وليالي الوصل
كما تهوى الغصنَ الثمرة
فى مواسمِ النضج
ونسيمُ الفرحُ الممتد
كما تحتضنُ الطفلَ الأم
فى أمسيات الربيع
قبيلَ الفطم
كما تقبلُ النحلةَ زهرة
تعصرها فى شوق طفولى النبض
عرفتُ الحب َ ووجوهَ الحب .

الوجهُ الأول للحب
وجهكِ مثلُ الشمس
يغرى فيسبي
يصدرُ حكما أبدياً
على أخواني الشعراء الضعفاء الفقراء
بانْ يمضي العمرُ عشقا وشوقا
نظما وألما
وصلاً وبينا
موتا وبعثا
حتى يأتي الليل !

الوجهُ الثاني للحب
وجهكِ مثل الظلمة
فى ليلِ البرد
نقبعُ تحت الأغطية
يدركنا النوم
ندخل أرجاء الحلم
ووجدتكِ “ست الحسن ” أسيرة
يعشقها قرصانُ الليل
يتوعدني بالموت
فصرخت
فهَب القوم
كانوا ينتظرون البدء
وبسيفي أطرت الرأس
لا أدري كيف !
ووجدتني أميرا
يُزفُ لست الحسن !

الوجه الثالث للحب
وجهك مثل البدر
لا يهوى شريك
يغمرنا بعذب الحب
يجعلنا ننطق أحلى الكلمات
يغرقنا فى شلالات النور
فنمضي مع التيار
لا ندري أين !
ويمضي العمر
عشقا وشوقا
نظما وألما
وصلا وبينا
موتا وبعثا
حتى يأتي الفجر !

الوجه الرابع للحب
مثل الوجه الخامس
مثل الوجه السادس
مثل الوجه الألف
يرمينا الليل إلى الفجر
يرسلنا البرد الى القيظ
نتأرجح بين العشق
وبين الحس
يقتلنا الواقعُ والحلم!

قلبي دوماً يلزمني
إما الدفع وإما الحَبس
وأنا شاعرٌ فقير
لا أملك إلا الكلمة
فأختار الحب
وعقلي قاض متمرس
درسَ الحكمة
يتحصن بالشعر
والشعر داءٌ لا يعرفُ
إلا اللومْ
من هنا تبدأُ الجلسة
وكلُ جلسة
والمُدعى عليها
لم تحضر بعد
تمضي ساعة ألف
بل أكثر لا أذكر
لكنها لم تحضر
كانت الجلسة يومية
ثم أمست فصلية
عندما أعبث فى دولاب الذكريات
ثمً أصبحت قومية
عندما امتلكت بساتينَ الشمس
فلم تأت
وأيقنت أنها لن تأتي
فَرُفِعت الجلسة
وصدرَ الحكم
بأن الحبَ قضيةٌ خاسرة
منتهية منذ البدء
فشربت السُم
وقدمت قلبي قربانا للحب !!

إستدراك لابد منه :
نسيت أن أخبركم أني
والمدعى عليها
لم نلتق إلا مرة
كانت فى الحلم !

*****

النص فوار بالعاطفة ، وقد قمت ببنية فريدة في القصيدة ، إنها بنية تعدد الوجوه في الرؤية ، وأساسها النظر إلى الحب من زوايا عدة ، ولكنها زوايا كونية ، اعتمدت الوصف والتشبيهات الطبيعية مذهبا ، وهذا ما جعل الحب كعاطفة ينتقل من الحالة الفردية إلى الحالة الكونية ، تقول :
الوجهُ الأول للحب
وجهكِ مثلُ الشمس
يغرى فيسبى
يصدرُ حكما أبدياً
على أخوانى الشعراء الضعفاء الفقراء
بانْ يمضى العمرُ عشقا وشوقا
نظما وألما
وصلاً وبينا
موتا وبعثا
حتى يأتى الليلْ !

لفظة مثل المستخدمة جعل الحب في مستوى التشبيه الشمسي ، وقد جمعت هنا البعد الكوني بالشمس ، والإنساني بالوجه ، والزمني بالعمر ، مما جعل النص كله ينهض على تضافر الزمن والكونية والإنسانية في رؤية مكتملة .

وتقول :
الوجه الرابع للحب
مثل الوجه الخامس
مثل الوجه السادس
مثل الوجه الألف
يرمينا الليل الى الفجر
يرسلنا البرد الى القيظ
نتأرجح بين العشق
وبين الحس
يقتلنا الواقعُ والحلم !
قلبى دوما يلزمنى
إما الدفع وإما الحَبس
وأنا شاعرٌ فقير
لا أملك إلا الكلمة
فأختار الحب

هذا المقطع يعطي إشارة جيدة حول مستوى العشق : فهو مستوى زمني عال ، يشمل زمن الإنسان / العمر ، والليل حتى الفجر ، ويلعب في اللازمن : الواقع والحلم .
ثم تقر بإنسانيتك : شاعر فقير ، لتسقطنا من كونية جميلة .

وعقلى قاض متمرسْ
درسَ الحكمة
يتحصن بالشعر
والشعر داءٌ لا يعرفُ
إلا اللوم
من هنا تبدأُ الجلسة
وكلُ جلسة
والمُدعى عليها
لم تحضر بعد
تمضى ساعة ألفْ
بلْ أكثرْ لا أذكر
لكنها لم تحضر
كانت الجلسة يومية
ثم أمست فصلية

هنا ينتقل النص إلى مستوى آخر في القراءة مستوى : المسرحية المونودرامية ، حيث يصبح الأمر كله تمثيليا ، مسرحيا ، حواريا ، ويجبرنا أن نقرأ النص في هذا المستوى .

عندما أعبث فى دولاب الذكرياتْ
ثمً أصبحتْ قومية
عندما امتلكت بساتينَ الشمس
فلم تأت
وأيقنت أنها لن تأتى
فَرُفِعتْ الجلسة
وصدرَ الحكمْ
بأن الحبَ قضية خاسرة
منتهية منذ البدء
فشربت السُم
وقدمت قلبى قربانا للحب !!

ثم المباغتة في الإستدراك الذي يقدم وجهاً آخر للحب لنجد أن الشاعر سافر بنا في رحلة طويلة لنجده لم ينعم خلالها بلقاء حبيبته سوى في الحلم عندما يصرح ويقول :
نسيتُ أن أخبركم أني والمدعى عليها
لم نلتق إلا مرة
كانت فى الحلم !

لم تعد المسرحية / المحكمة ، تمثيلية ، بل حلقت في فضاء الكونية ، والإنسانية ، لنعرف أن العاطفة الغرامية قدر يدمي القلوب .
النص عالي المستوى ، ينظر للحب بالكوني والزمني والإنساني والمسرحي 0

*د/ مصطفى عطية جمعة – مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق