قراءات ودراسات

وهل لغير الحبّ يكتبُ الشعر؟

قراءة في "أغاني الحب" لناصر الحسني

د. رضا الأبيض*

الغناءُ للحب هو الغناء للأرض وللحياة والجمال والمرأة والحرية والإنسان حتّى لكـأن تيمة الحبّ من الاكتناز والاتساعِ ما لا يجعلها “متعددة المعنى”polysémique ، وإنما يجعلها المعنى كلّه.
والناظرُ في تاريخ الأدب الإنسانيّ شعرا وسردًا لا شكّ يدركُ أنّ الحبّ لم يكن موضوع الخطاب فحسب، بل الدافع إليه وغايته في آن.
وعلى خطى الشعراء والعشاق المتيّمين سار ناصر الحسني الكاتب العماني غزير الإنتاج والذي تجاوت كتبه العشرين جمع فيها بين كتابة المقالة النقدية والقصيدة والقصّة والنصّ اللوحة ( العبودية وأثرها في شعر عنترة، مقاصب عامر بن سيف، السلام والحنين، ومضاتٌ من الأدب العربي، لآلئ عربية، أغنية الوداع الأخير، جواهر عربية، أغاني الحبّ ..)
صدرت مجموعة ” أغاني الحبّ ” في طبعتها الأولى سنة 2016 عن دار كنوز المعرفة ( الأردن) في 192 صفحة، وأهداها إلى أستاذه محمد مدني. وهي تحتوي 38 نصّا معنونا نذكر منها : همسات، يا حلوتي، مايو، مذياع الجدّة، يا صيفنا، غزّة، خمر عينيك، ليلي طويل، بنت البلد، عابرون ، همسات الأصيل، تكهنات راهب …
وهي نصوص في جلّها صغيرة الحجم ، مكتوبة في شكل أسطر قليلة الكلمات لا ينتظمُها بحر خليليّ، لذلك كانت أعلق بالشعر الحرّ وبقصيدة النثر.. أخذت من الأول نظامَ السّطر ومن الثاني نثرية الخطاب، لتجمع بينهما فتبنيَ نصّا جديدا هاجسُه التجريبُ والبحث عن ممكنات جديدة في طرق موضوع تداوله الشعراءُ حتّى كاد السابقُ لا يترك للاَّحق شيئا..
اختار الحسني لمجموعته عنوانا رئيسيّا تناصّ مع آخر مشهور هو عنوان ديوان أبي القاسم الشابي ” أغاني الحياة “..
و”الأغاني” في المعجم العربي جمعُ “أغنية” وهي ” ما يُغنّى من الكلام ويُترنّم به من الشّعر ونحوه وتكون الموسيقى مصاحبة له في أغلب الأحيان ..” ( انظر معجم العاني، الوسيط..)
والحقيقة فإنّ النصوصَ التي تضمنتها مجموعة الكاتبِ ناصر الحسني ليست شعرًا بالمعنى التقليدي وإنّما هي ” من نحوه ” . وهي لا تحتاجُ إلى “موسيقى مصاحبة ” لأنها اجتهدت في أنْ تخلق موسيقاها الداخليّة والذاتيّة.
ولقد تضمنت هذه المجموعة عددًا من النصوص التي اختار لها الحسني من العناوين ما يصرّحُ بالحبّ أو ينبئُ به ويكني عنه مثل : همسات، يا حلوتي، خمر عينيك، لقاء، موعد، لك الحبّ الحقيقي، شهقاتك، احضني، همسات الأصيل، أغاني الحبّ ، وجهك.
وهي كما ترى نصوصٌ كثيرةٌ تمثل حوالي ثلث المجموعة. بل إنّ إحدى هذه النصوص تحمل العنوانَ نفسَه، وهو نص” أغاني الحبّ ” الذي يمتد على الصفحات 145-160، والذي يشكو فيه الكاتبُ حال العالم العربي المضرّجة جغرافيته بالدماء ، ويتغزّل بحبيبته ” فاتنة محلاح”، بشفتيها ونهديها وروائحِها، ويصف جسده المتعب ، ويذكر أثر الفراق في نفسه ، ومذهبه في الحبّ ..
يقول:
“يا حبيبتي
على نسيم شاطئ القرم
نزل الحبُّ
ترنم العشق الأزلي
تدحرجت المشاعر
لتعانق الموج
إنّي أحبّك
موجة بعد موجة
لا ينقطع والصوت يطربه المدى
هنا حيث الهوا
يُبعث الهوى
ويردد النورسُ الصدى “
على هذا النحو، في أسطر قليلة الكلمات ولغة نثرية يكتبُ الحسني مقاطع نصّه مستفيدا في بناء موسيقاها من التكرار والجناس وترديد الأصوات ( نزل، ترنّم، تدحرج / حبيبتي، الحبّ، أحبك / هوا، هوى / هوا، هنا/ المدى، الصدى/ موجة ، موجة / تعانق، يطرب، يبعث، يردّد / … إلخ )
ومن طريف هذا النصّ أنه في الوقت الذي كان مطيّة الشاعر يكتب به مغامرة العشق ، كان أيضا مناسبة لكلام النصّ على النصّ في ضرب من الخطاب المرآوي أو الانعكاسي métatexte الذي يصبح فيه موضوعَ نفسه.
إن التفكير في النص من داخله وإنْ كان ظاهرة قديمة، إلاّ أنه صار علامة على مرحلة معاصرة هي مرحلة التجريب وكسر الطوق الواقعي والعقلاني في ما بعد الحداثة ..
بذلك تتداخل في النص مغامرتان : نص المغامرة ومغامرة النصّ . الأولى هي مغامرة كتابة منشئه عالما موازيا لعالم الواقع ، والثانية مغامرة ذات كاتبة تفكر في فعل الإنشاء ..
يقول :
” سأظل أكتب
قصتي
ومقالتي
سأظل أكتب عزتي وحكايتي
سأظل أكتب
لا تحركني الزوابع والصخور
وأقول للنقاد
للشعراء
بل كل الطوابع والنشور
إني كتبتك
شهقة عذرية
إني زرعتك
نبتة جبلية
إني نثرتك
غيمة طللية
بين المباسم والنحور “
إن النص ، كما ترى، في مرآة نفسه ” قصة ” و” مقالة ” و” حكاية ” . ورغم أنّ الشعرَ وكلَّ خطاب لا يخلو من قصة أو متن حكائي إلاّ أن الحكاية في نصوص ناصر الحسني جعلت الأخيرة أقرب إلى جنس المقالة ، ليس المقالة بما هي جنس في الخطاب له شروط تميّزه مثل الوضوح والإفادة والتنظيم .. وإنما بما هي “قول” لم يرضَ صاحبُه أنْ يسير في طريق معبّد، واختار أنْ يكتبَ العالمَ فيه ومن حوله على نحوٍ مختلف أي شعريّ، لأن الشّعر ليس سوى أنْ تكتب اختلافك، وأن تغنّي للحبّ بنصوص مختلفة هي علامة على أنّك حيّ تحبّ.. وتكره .( أليس الكره هو الوجه الآخر للحبّ ! ) .

د. رضا الأبيض .جامعة قابس تونس .

ridhalab69@gmail.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق