قراءات ودراسات

الرواية الجزائرية بين ضفتين.. الضرورة الحضارية للتحاور

الحبيب السائح*

تكاد التجربة الروائية، في جزائر ما بعد الإستقلال، تكون استثنائية؛ إذا ما قورنت بغيرها في البلدان المغاربية وفي بعض البلدان المشرقية، التي خضعت للحماية أو للإحتلال الفرنسيين. ذلك، بالنظر إلى هيمنة النموذج المكتوب منها بالفرنسية لكن الأمر الذي أود أن أتحدث عنه، يتأتى الإستثناء من منظور العامل التاريخي؛ فإن مائة واثنين وثلاثين (132) عاما من الإستئصال المنتظم للغة وللثقافة ولمؤسساتهما في الجزائر، ومن قطع الجسور مع غيرها في البلدان العربية التي تعتبر الرافد الأساسي لها، ومن فرنسة التعليم كلية في أطواره الإبتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعة، ومن تحويل العلامات جميعها إلى اللغة الفرنسية في الإدارة وفي الشارع والمحيط، كانت لها نتائج وخيمة على اللغة العربية وعلى مستعمليها، لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم… بل إن النموذج ذاته استمر حضوره يتعاظم في منحنى تصاعدي وينتشر بشكل أفقي في المشهد اللساني والأدبي والإنتاجي والإعلامي، والإحتفائي أيضا. على أن ذلك الحضور والإنتشار قد يكونان من بين عوامل الشد والتوتر، بل المواجهة أحيانا بين النموذجين المخضرمين من الكتاب والمثقفين والروائيين حصرا، المنتمين إلى النزعتين المفرنسة والمعربة، والذين وجدوا أنفسهم في خضم صراع سياسي وإيديولوجي لحسم مشروع مجتمعي تُبنى على أسسه الدولة الوطنية. تجلى ذلك الصراع بين أجهزة حزب سياسي حاكم ممركز جعل من بناء الشخصية الجزائرية على مقومات العروبة لغة وانتماء أحد رهاناته في محيط مثقل بمخلفات الاحتلال والحرب ومشبع بآثارهما اللغوية والثقافية، انتمى إليه عضويا أو فكريا النموذج المعرب من خلال أبرز مثقفيه وروائييه، وبين دواليب إدارة متحصنة كثيرا في مواقع نفوذها بما غُنم من الوجود الاستعماري ، محاولة الإبقاء على مزاياها المرتبطة أصلا بلغة التسيير والتمسك بها. فإن النموذج المفرنس وجد في تلك الإدارة مسوغ وجوده وسنده أيضا؛ لأنه كان المؤهل تاريخيا للإسهام في ملء الفراغ الذي خلفته مغادرة المحتلين؛ ومن ثمة تمركزه في قطاعات حيوية داخل تلك الإدارة.
لذلك، لم تتأثر الإدارة كثيرا بحملات الحزب الحاكم السياسية. ولا تأثر ذلك النموذج بإعادة صياغة المشروع التعليمي المؤمل أن يحدث تغييرا في الخارطة اللغوية والثقافية والأدبية الموروثة عن عهد الاحتلال.
بل إن ذلك المشروع فشل فشلا ذريعا؛ لاستنساخيته ولاستعجاليته، ومن ثمة لقفزه على واقع لساني وثقافي كان المنتظر أن يؤخذ في الإعتبار عند تصور الغايات وصياغة الأهداف.
فقد استطاع ذلك النموذج المفرنس أن يحافظ على مقروئية له، ظلت بدورها وفية لخيارات قراءاتها. وصارت تملك أسبقية زمنية في الوصول إلى المعارف والمستجدات وإلى آخر ما ينشر في الرواية نفسها، باللغة الفرنسية أو المترجمة إليها، لأن ما ينقل إلى اللغة العربية من بقية اللغات الأخرى في الرواية كان لا يصل إلا متأخرا زمنيا.
فالرواية المكتوبة باللغة الفرنسية كما الإعلام الناطق بها في الجزائر ظهرت دائما أكثر جرأة في التعبير؛ نظرا إلى الموروث الذي تراكم لها من تقاليد المجتمع الفرنسي العلمانية والديمقراطية.
نقيضَ ذلك، فالرواية المكتوبة بالعربية في الجزائر وحتى الإعلام الناطق بها لم تستطع إلا متأخرة أن تشق لنفسها طريقا نحو الحداثة؛ نظرا إلى الموروث المحافظ وارتباط اللغة بالمقدس واصطدامها به، وإلى ضيق مساحات الحرية في المشهد الأدبي والإعلامي بما كانت تفرضه الرقابة الرسمية التي تحولت مع الوقت، وتحت عامل الإكراهات التي عرفتها الجزائر منذ عشرين سنة، إلى رقابة ذاتية كابحة.
يمكن معاينة أن نصا روائيا مكتوبا بالفرنسية قد يمر بأخف الأضرار من عملية الرقابة الذاتية حين كتابته، وحتى من الرقابة الرسمية ذاتها وهذه مفارقة فإذا وصل إلى القارئ لم يحدث لديه تشنجا؛ لأن لغته قابلة لأن تحمل المدنس.
أما النص نفسه إن كان كتب بالعربية، أو ترجم إليها بأمانة، فإنه يتعرض إلى تحويرات تفرضها مراعاة ردود فعل القارئ، إن لم تكن ردود أفعال مؤسسات رسمية وشبه رسمية على ما يمكن اعتباره مساسا بالثوابت أو بالأخلاق، إذا ما تجرأ على ما هو من محظورات التاريخي والسياسي أو الفقهي والجنسي.
غير أن ذلك النص المكتوب بالفرنسية، إن كانت الرقابة المسبقة أو اللاحقة منعته أو صادرته، وجد لنفسه غالبا طريقا أخرى نحو الضفة الأخرى؛ بخلاف المكتوب بالعربية الذي في حالة مشابهة لن يكون بإمكانه عبور أي حد من الحدود العربية. 
وبالعودة إلى زمن غير بعيد، من تاريخ الجزائر الثقافي والأدبي، يلاحظ أن جيل الكتاب المتخرجين من المدرسة الفرنسية وجد نفسه مضطرا إلى الالتمام على ذاته وانكفائه بصفة جذرية في الكون الفرانكفوني، بفعل الشعارات والدعوات المغالية إلى إقصاء كل كتابة الروائية منها خاصة من المتن الجزائري لاعتبارها ناطقة باللغة الفرنسية وبذريعة كونها مخالفة التوجه الذي حدده الدستور، الذي أسس لأن تكون اللغة العربية هي اللغة الوطنية؛ أي لغة التعبير والتعامل والاتصال.
وسيورث ذلك الجيل، الكتابَ الذين جاءوا بعده، خيار المقاومة اللغوية، التي كانت تجد لها في ما وراء البحر صدى واستجابة بالنشر والدعم والترقية. ذلك، ليس فقط للعامل البشري المتمثل في الجالية الجزائرية المقيمة في الضفة الأخرى، ولكن أيضا بفعل الإبقاء على صلة ربط حيوية مثل الرواية، ولاحقا الصحافة، من خلال مقروئية مفرنسة محلية معتبرة العدد وذات وزن وتأثير في الحياة الثقافية والفكرية، في مقابل مقروئية معربة ارتبطت بالخطاب السياسي الأحادي المترتب عنه إقصاء منتظم طال المعربين أنفسهم من اليساريين والعلمانيين على قلتهم، ولاحقا بالخطاب الديني المسيس الذي دفع معاداة ما هو حداثي إلى أقصى درجاتها، بغض النظر عن لغة التعبير والكتابة.
فكلا الخطابين جعل التلاقي والتحاور بين النموذجين أمرا مستعصيا، بل حال في كثير من المناسبات دون أن يتما. وفي مقابل ذلك استمر توجه فرنسة الحقول الأدبية والثقافية والعلاماتية في رفض منتظم لكل تعامل مع كل ما هو صادر بالعربية، ليس فقط للنظرة المسبقة عنها عند شريحة مهمة من الفرنكوفونيين كونها مرتبطة بالنزعة الإسلاموية والبعثية، ولكن أيضا خشية من مسها مواقع النفوذ. 
بيد أنه لا بد من الإنتباه، حين مقاربة الكتابة الروائية بالعربية والفرنسية في الجزائر، إلى عمر التجربتين الزمني. فتلك المكتوبة بالعربية لم تظهر إلا في سبعينيات القرن الماضي؛ أي أن عمرها لا يتجاوز أربعين سنة. وهو أمر استثنائي أن تكتب بلغة لم تكن موجودة قبل الاستقلال، إذا ما قورنت بالرواية المكتوبة بالفرنسية التي لها امتداد يفوق السبعين سنة، منها حوالي أربعين سنة تحت الاحتلال، مستفيدة من منجزات قرون من السرد الروائي الفرنسي والعالمي.
إن الحديث هنا لا يراعي التأريخ لظهور الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية بكتابات جزائريي عشرينيات القرن الماضي إلى حدود أربعينياته الممجدة للفعل الاستعماري والداعية إلى الاندماج، بل يروم الإشارة ظهور كتابات الجزائريين الوطنيين التي عبرت عن الجزائر تحت الاحتلال.
لعل كتاب الرواية بالعربية من الجيل الثاني، وهم في غالبيتهم إن لم يكونوا جميعا يحسنون اللغة الفرنسية ويقرأون بها ويكتبون بها إسهاماتهم في النقاشات الأدبية والفكرية المنشورة على صفحات الجرائد الجزائرية الناطقة بالفرنسية، هم الذين بدوا أكثر تأهيلا لكتابة روائية جديدة تتقاطع مع الكتابة بالفرنسية في الموضوعات، وفي التقنيات، وفي الشغف بالتاريخ، وبما له صلة بالذاكرة، وبالوجود الإنساني للفرد، وبتحسس نبضات المجتمع المتحول.
كما أن أولئك الروائيين كانوا ويظلون الأكثر تفتحا على الكتابة الأخرى، بالفرنسية، يقرأونها ويحاورونها بشعور أنها تمثل معطى ثابتا في المشهد السردي الجزائري المعاصر؛ لتخلصهم من جملة المسبقات التي رسختها النظرة الأحادية والنزعة الإقصائية، لدى هذا النموذج أو ذاك.
فالمتتبع لما ينشر في الفضاء الإعلامي المعرب عن الكتابة الروائية الجزائرية بالفرنسية يقف على وعي لافت بأهمية إقامة حوار خال من الشد ومن العواطف بين كتابتين لا ينبغي لهما أن تتعارضا، بقدر ما لا بد لهما من أن تتكاملا.
غير أنه، ولأسباب يعود بعضها إلى القطيعة التي ورثها كتاب الجيل الثاني خاصة من الجيل الأول تجاه اللغة العربية والقراءة بها، لم يسجل في المقابل، كما كان منتظرا، التفتح نفسه على الكتابة الروائية بالعربية، ولا فتح الإعلام الثقافي الناطق بالفرنسية صدره لتلك الكتابة؛ بالرغم من أن كثيرا من هؤلاء الكتاب والإعلاميين تعلموا العربية في المدرسة الجزائرية.
فالغريب لدى غالبيتهم أنه، حين يتعلق الأمر بكاتب بالعربية من أحد البلدان المجاورة أو من المشرق، سرعان ما تتغير رؤيتهم إلى المسألة بصفة جذرية وتصبح عندهم لغته التي يكتب بها وكأنها ليست هي اللغة العربية نفسها التي يستعملها كاتب جزائري؛ بل كأن شعورا ما يطفو إلى سطح وعيهم بأنه لكي يكون الكاتب جزائريا وجب أن لا تكتب باللغة العربية؛ لأنها لغة آخر.
إن تلك الغالبية، إذ يعبر أصحابها صراحة وجهرا عن موقفهم من الكتابة بالعربية وتحديدا الرواية، فإنها تصف بعض كتابها المكرسين بالمتنورين، وهو أقصى ما يسمح بالخروج به صمام مسبقاتهم عن الثقافة واللغة العربيتين اللتين يعانون تجاههما نقصا مزمنا في الفهم والتعامل والتذوق، لأسباب تعود إلى ما رسبته خطابات التعريب الديماغوجية الأحادية، كما تعود إلى ما أحدثته النزعة التغريبية الأشد أحادية هي الأخرى. فهم جيل بأكمله قلما يقرأ إلا في اللغة المترجمة إليها تلك الثقافة وبعض أعمال الكتاب بالعربية، وهي اللغة الفرنسية وحدها.
ذلك يعني أن هناك عقبات جادة تواجه بناء الذات الجزائرية لا بد من تذليلها بإقامة الحوار الحضاري بين النموذجين على أساس التاريخ الثقافي واللغوي المشترك، باعتبار اللغة العربية معطى محفزا على أن تكون هي، بالنسبة إلى الجزائريين، حلقة الوصل بينها وبين الفرنسية، كما بينها وبين الأمازيغية، وبؤرة التواصل والنقل.
يتضمن الحوار، من بين ما يمكن أن يتضمنه إضافة إلى أساليب التلاقي الأخرى، نقل الأعمال الروائية المكتوبة بالعربية إلى اللغة الفرنسية، كما فعل ويفعل المعربون في ترجمة الأعمال الروائية المكتوبة بالفرنسية لأشهر الكتاب من الجيلين الأول والثاني.
ثم إنه لا بد من الإعتراف بأن ما صار يخفف من حدة التشنج بين النموذجين هو إسهامات جيل المعربين الجديد في النقاشات الدائرة حول الرواية الجزائرية، بمختلف ألسنة تعبيرها، وانتصاريتهم لجزائرية التعبيرات الأدبية، الروائية منها خاصة؛ لأنه جيل يقرأ باللسانين، لا يحمل عقدة اللغة ولا يعاني ريب الإنتماء الحضاري.

*روائي جزائري

م: الفجر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق